معضلة السجين وتراجيديا العقلانية البشرية بين المصلحة الفردية والخير المشترك
تعتبر معضلة السجين واحدة من أكثر السيناريوهات الفكرية إثارة للجدل والتحليل في تاريخ الفلسفة الحديثة والرياضيات وعلم النفس والعلوم السياسية، وهي الركن الأساسي فيما يعرف بنظرية الألعاب التي تدرس التفاعل الاستراتيجي بين الفاعلين العقلانيين. إن هذه المعضلة ليست مجرد لغز رياضي مجرد، بل هي مرآة عاكسة للطبيعة البشرية في أعقد حالاتها، حيث تتصادم الأنانية العقلانية مع الضرورة الأخلاقية للتعاون، وتكشف لنا كيف يمكن لأشخاص عقلانيين تماماً أن يتخذوا قرارات تقودهم إلى دمار مشترك بدلاً من الوصول إلى نتيجة مثلى للجميع. لعل أبلغ ما يمكن البدء به هو وصف هذه المعضلة بأنها مأساة العقل المنفرد الذي يعجز عن رؤية النجاة في الثقة بالآخر. تعود الجذور التاريخية لهذه المعضلة إلى خمسينيات القرن العشرين، وتحديداً عام 1950 في مؤسسة راند الأمريكية، حيث صاغ كل من ميريل فلود وميلفين دريشر أساسياتها، ثم قام ألبرت تاكر بإضفاء طابع القصة عليها وتسميتها بمعضلة السجين. يتلخص السيناريو الكلاسيكي للمعضلة في الآتي: يتم القبض على شخصين بتهمة ارتكاب جريمة مشتركة، وتضعهما الشرطة في زنزانتين منفصلتين بحيث لا يمكنهما التواصل...