المشاركات

الوعي كحدث كوني

صورة
   واحدة من أعظم المعضلات وأكثرها سحرا في تاريخ الفكر البشري، وهي مسألة الوعي الذي لا يعد مجرد ظاهرة بيولوجية عابرة أو استجابة عصبية ميكانيكية، بل هو في جوهره لحظة فارقة في تاريخ الكون بأسره. إننا عندما نتحدث عن الوعي، فإننا نتحدث عن انفجار داخلي عظيم يوازي في قوته وغموضه الانفجار الكوني العظيم الذي أوجد المادة والمكان والزمان، فكما تمدد الكون في الخارج ليخلق المجرات والنجوم، تمدد الوعي في الداخل ليخلق المعاني والأفكار والتأملات.  إن الكون في حقيقته كان أعمى وأصم حتى بلغ وعيه وذروة إدراكه من خلال الإنسان، الكائن الذي أصبح عين الكون التي يرى بها نفسه، وعقله الذي يتدبر به عظمته. هذه الرؤية الممتدة لا تجعلنا مجرد مراقبين لهذا الوجود، بل تجعلنا نحن الوجود ذاته في حالة يقظة. إن الوعي المتوسع هو رحلة لا تنتهي من إدراك الذات وإدراك ما يحيط بها، رحلة تتجاوز حدود الجسد المادي لتلامس آفاقا غير مرئية. في هذه المساحة الشاسعة من الإدراك، نكتشف الحركة الداخلية المستمرة، حيث الأفكار ليست كيانات صلبة بل هي طاقة في حالة سيولة تامة، تتشكل وتتفكك، تولد وتموت في كل لحظة، في تيار لا ينقطع يشب...

عواطف الأشخاص الطبيعيين أو انفعالات الأسوياء

صورة
  كتاب عواطف الأشخاص الطبيعيين أو انفعالات الأسوياء للعالم والطبيب النفسي والفيلسوف ويليام مولتون مارستون الصادر عام 1928. إن هذا الكتاب ليس مجرد نص علمي عابر، بل هو ثورة فلسفية وسيكولوجية حقيقية تمردت على المدارس التي سادت في مطلع القرن العشرين، وتحديدا مدرسة التحليل النفسي الفرويدية التي استمدت نظرياتها عن الإنسان من خلال دراسة المرضى والمضطربين نفسيا. لقد جاء مارستون ليطرح أطروحة مغايرة تماما، وهي أننا لا يمكننا فهم الطبيعة البشرية إلا من خلال دراسة الأصحاء والأسوياء، ومن هنا تنبع القيمة الفلسفية العظمى لهذا السفر الخالد. هناك حقيقة قد يجهلها الكثيرون، وهي أن مارستون لم يكن مجرد منظر نفسي، بل هو المخترع الأول لجهاز كشف الكذب بناء على تغيرات ضغط الدم الانقباضي، وهو ذاته المبتكر لشخصية المرأة الخارقة في القصص المصورة، وقد وظف كلتا التجربتين لتجسيد نظرياته الفلسفية حول الحقيقة، وقوة الخُضوع الطوعي، والقيادة النسوية التي كان يرى أنها تحمل توازنا انفعاليا أسمى من العدوانية الذكورية. إن فهم هذه الخلفية يجعلنا نقرأ كتابه لا ككلمات مطبوعة، بل كخلاصة حياة عبقري سعى لفهم محركات الروح الإن...

هل المعاناة قَدَرٌ ضروري لاكتمال الوجود الإنساني؟

صورة
  في سكون التأمل وأمام تعقيدات النفس البشرية التي تتأرجح دائما بين سعيها الحثيث نحو السعادة وخوفها الدفين من الألم يقف واحد من أعمق الأسئلة الوجودية وأكثرها إلحاحا عبر تاريخ الفكر الإنساني هل المعاناة قَدَرٌ ضروري لاكتمال الوجود الإنساني؟ وهل هي الشرط الحتمي لولادة المعنى؟  نقف أمام هذا السؤال ليس موقف المنظر المتعالي من برجه العاجي بل موقف المرافق الذي يتفهم ثقل التجربة الإنسانية ويحترمها. إننا نعيش اليوم في عصر استهلاكي بامتياز يسوق للرفاهية المطلقة واللذة المستمرة كغاية عظمى محاولا تخدير كل ألم وإقصاء كل حزن ومتناسيا في غمرة هذا الركض المحموم. أن الروح الإنسانية لا تصقل غالبا إلا في أتون التجارب الكبرى والمحن العميقة إن المعاناة ليست عقابا عبثيا تسلطه الأقدار علينا بل هي في جوهرها مادة خام يمكن للعقل والروح أن يعيدا تشكيلها لتصبح أجنحة للتحليق نحو معنى أسمى وأعمق للوجود. إن استدعاء الفكر الفلسفي في هذا السياق ليس ترفا فكريا للتباهي الأكاديمي بل هو استنجاد بحكمة أولئك الذين سبروا أغوار الألم وخرجوا من لجته بلآلئ الحكمة والبصيرة ولعل أبلغ ما قيل في هذا المقام هو ما سطره الفيل...

التلاقي الوجودي و تقويم السلوك البشري

صورة
  إن دراسة السلوك البشري ليست مجرد رصد للأفعال الظاهرة، بل هي غوص في أعماق المحركات الأولية التي تشكل هوية الإنسان. على مر العصور، لم تكن الأديان والفلسفات مجرد نظريات مجردة، بل كانت مختبرات حقيقية لصناعة "الإنسان السوي". العلاقة العضوية بين الوحي السماوي، والمنطق الفلسفي، والتحليل النفسي، وكيف تضافرت هذه الروافد لتهذيب الغريزة وتحويلها إلى قيم سامية تجعل الحياة ممكنة وأكثر جودة. المحور الأول: الهيكل الديني وتقويم السلوك عبر الوحي تمثل الأديان الثلاثة الكبرى المرجعية الأخلاقية الأولى التي نقلت السلوك البشري من العفوية والبدائية إلى الانضباط والقداسة. في الرؤية الإسلامية، يُعتبر السلوك ثمرة لعملية "التزكية"، وهي عملية هندسية تهدف إلى تطهير الباطن لينعكس بصلاح على الظاهر.  يقول النص القرآني في سورة الشمس: "قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا" (الآيات 9-10).  هنا نجد أن الفلاح مرتبط بالعمل السلوكي الواعي، فالتزكية هي كفاح مستمر ضد الرغبات الدنيا للوصول إلى مرتبة "النفس المطمئنة". هذا النموذج حوّل المجتمعات من التناحر القبلي إل...