قصيدة "سفر التكوين": أمل دنقل
تقف قصيدة "سفر التكوين" للشاعر المصري أمل دنقل كواحدة من أعظم الملاحم الشعرية الحديثة التي تزاوج بين الرمز الديني والواقع الوجودي المرير. لا يكتب دنقل هنا قصة خلق الكون المادية، بل يكتب قصة خلق الاغتراب الإنساني وتشكل المأساة. إنها محاكمة قاسية لتاريخ البشرية، حيث ينزل الشاعر بالذات المتكلمة من برج الألوهية المجردة والتكوين الأول إلى وحل المعاناة البشرية، مراقباً كيف شوه الإنسان قيم الحب والعدل والعقل. القصيدة صرخة تمرد بامتياز، تستعير البناء التوراتي في فصولها (الإصحاحات) لتقلب الصورة؛ فبدلاً من أن نرى كل ما خلقه الخالق حسن، نرى هنا أن كل شيء قد فسد بفعل جشع الإنسان، وأن الخلاص لا يكون إلا بانتفاضة التطهير والوقوف في صف الفقراء.
النص الكامل للقصيدة: سفر التكوين
(الإصحاح الأول)
في البدء كنت رجلا.. وامرأة.. وشجرة.
كنتُ أباً وابنا.. وروحاً قدُسا.
كنتُ الصباحَ.. والمسا..
والحدقة الثابتة المدورة.
… … …
وكان عرشي حجراً على ضفاف النهر
وكانت الشياه..
ترعى، وكان النحلُ حول الزهرُ..
يطنُّ والإوزُّ يطفو في بحيرة السكون،
والحياة..
تنبضُ كالطاحونة البعيدة!
حين رأيت أن كل ما أراه
لا ينقذُ القلبَ من الملل!
* * *
(مبارزاتُ الديكة
كانت هي التسلية الوحيدة
في جلستي الوحيدة
بين غصون الشجر المشتبكة! )
(الإصحاح الثاني)
قلتُ لنفسي لو نزلت الماء.. واغتسلت.. لانقسمت!
(لو انقسمت.. لازدوجت.. وابتسمتْ)
وبعدما استحممت..
تناسجَ الزهرُ وشاحاً من مرارة الشفاهْ
لففتُ فيه جسدي المصطكّ.
(وكان عرشي طافيا.. كالفلك)
ورف عصفور على رأسي؛
وحط ينفض البلل.
حدقت في قرارة المياه..
حدقت؛ كان ما أراه..
وجهي.. مكللا بتاج الشوك
(الإصحاح الثالث)
قلتُ: فليكن الحبُ في الأرض، لكنه لم يكن!
قلتُ: فليذهب النهرُ في البحرُ، والبحر في السحبِ،
والسحب في الجدبِ، والجدبُ في الخصبِ، ينبت
خبزاً ليسندَ قلب الجياع، وعشباً لماشية
الأرض، ظلا لمن يتغربُ في صحراء الشجنْ.
ورأيتُ ابن آدم ينصب أسواره حول مزرعة
الله، يبتاع من حوله حرسا، ويبيع لإخوته
الخبز والماء، يحتلبُ البقراتِ العجاف لتعطى اللبن
* * *
قلتُ فليكن الحب في الأرض، لكنه لم يكن.
أصبح الحب ملكاً لمن يملكون الثمن!
.. .. .. .. ..
ورأى الربُّ ذلك غير حسنْ
* * *
قلت: فليكن العدلُ في الأرض؛ عين بعين وسن بسن.
قلت: هل يأكل الذئب ذئباً، أو الشاه شاة؟
ولا تضع السيف في عنق اثنين: طفل.. وشيخ مسن.
ورأيتُ ابن آدم يردى ابن آدم، يشعل في
المدن النارَ، يغرسُ خنجرهُ في بطون الحواملِ،
يلقى أصابع أطفاله علفا للخيول، يقص الشفاه
وروداً تزين مائدة النصر.. وهى تئن.
أصبح العدل موتاً، وميزانه البندقية، أبناؤهُ
صلبوا في الميادين، أو شنقوا في زوايا المدن.
قلت: فليكن العدل في الأرض.. لكنه لم يكن.
أصبح العدل ملكاً لمن جلسوا فوق عرش الجماجم بالطيلسان
الكفن!
… … …
ورأى الرب ذلك غير حسنْ!
* * *
قلت: فليكن العقل في الأرض..
تصغي إلى صوته المتزن.
قلت: هل يبتنى الطير أعشاشه في فم الأفعوان،
هل الدود يسكن في لهب النار، والبوم هل
يضع الكحل في هدب عينيه، هل يبذر الملح
من يرتجى القمح حين يدور الزمن؟
* * *
ورأيت ابن آدم وهو يجن، فيقتلع الشجر المتطاول،
يبصق في البئر يلقى على صفحة النهر بالزيت،
يسكن في البيت؛ ثم يخبئ في أسفل الباب
قنبلة الموت، يؤوى العقارب في دفء أضلاعه،
ويورث أبناءه دينه.. واسمه.. وقميص الفتن.
أصبح العقل مغترباً يتسول، يقذفه صبية
بالحجارة، يوقفه الجند عند الحدود، وتسحب
منه الحكومات جنسية الوطني.. وتدرجه في
قوائم من يكرهون الوطن.
قلت: فليكن العقل في الأرض، لكنه لم يكن.
سقط العقل في دورة النفي والسجن.. حتى يجن
… … … …
ورأى الرب ذلك غير حسن!
(الإصحاح الرابع)
قلت: فلتكن الريح في الأرض؛ تكنس هذا العفن
قلت: فلتكن الريح والدم… تقتلع الريح هسهسة؟
الورق الذابل المتشبث، يندلع الدم حتى
الجذور فيزهرها ويطهرها، ثم يصعد في
السوق.. والورق المتشابك. والثمر المتدلي؛
فيعصره العاصرون نبيذاً يزغرد في كل دن.
قلت: فليكن الدم نهراً من الشهد ينساب تحت فراديس عدن.
هذه الأرض حسناء، زينتها الفقراء لهم تتطيب،
يعطونها الحب، تعطيهم النسل والكبرياء.
قلت: لا يسكن الأغنياء بها. الأغنياء الذين
يصوغون من عرق الأجراء نقود زنا.. ولآلئ
تاج. وأقراط عاج.. ومسبحة للرياء.
إنني أول الفقراء الذين يعيشون مغتربين؛
يموتون محتسبين لدى العزاء.
قلت: فلتكن الأرض لى.. ولهم!
(وأنا بينهم)
حين أخلع عنى ثياب السماء.
فأنا أتقدس في صرخة الجوع فوق الفراش الخشن!
* * *
(الإصحاح الخامس)
حدقت في الصخر؛ وفى الينبوع
رأيت وجهي في سمات الجوع!
حدقت في جبيني المقلوب
رأيتني : الصليب والمصلوب
صرخت كنت خارجاً من رحم الهناءة
صرخت؛ أطلب البراءة
كينونتي: مشنقتي
وحبلي السري:
حبلها
المقطوع!
الإصحاح الأول: التكوين الأولي وحتمية الملل
يبدأ دنقل القصيدة برسم صورة لحالة "الكمال المطلق" والوحدة الكونية قبل بدء تفاصيل الحياة البشرية المليئة بالصراعات.
الذات الكلية: المتحدث هنا يتخذ موقعاً إلهياً أو كينونة كونية شاملة، فهو يجمع الأضداد (رجلاً وامرأة، الصباح والمسا) ويحتوي الوجود كله (أباً وابناً وروحاً قدساً).
سكون الطبيعة: كل شيء يسير في نظام رتيب وهادئ؛ الشياه ترعى، النحل يطن، والإوز يطفو في بحيرة السكون.
الشرارة الأولى للمأساة: هذا السكون التام والكمال المطلق يولد "الملل". الشاعر هنا يطرح فكرة عميقة: إن غياب التناقض والصراع يجعل الوجود باهتاً، ولذلك كانت التسلية الوحيدة هي "مبارزات الديكة"، في إشارة مبكرة إلى أن الصراع هو محرك الوجود، وهو ما سيمهد للنزول إلى عالم التناقضات.
الإصحاح الثاني: الانقسام واكتشاف الألم (النزول إلى الوجود)
هذا الإصحاح يمثل لحظة الخروج من الوحدة إلى الكثرة، ومن المطلق إلى النسبي، ومن الروح المحض إلى الجسد.
خطيئة الوعي والانقسام: يقرر المتحدث النزول إلى الماء (رمز الحياة والتجربة المادية). الانقسام هنا يعني خلق الآخر، وبداية الوعي بالذات وتكوين العلاقات (لو انقسمت.. لازدوجت.. وابتسمت).
صدمة الواقع: بمجرد دخوله في التجربة المادية (الجسد المصطك)، يكتشف أن العالم ليس فردوساً. عندما يحدق في الماء، لا يرى وجه الإله الهادئ، بل يرى وجه الإنسان المتألم "مكللاً بتاج الشوك". تاج الشوك هنا رمز مسيحي استعاره الشاعر ليعبر عن الفداء، العذاب، وأن ضريبة الوجود المادي والانقسام هي الألم الحتمي.
الإصحاح الثالث: محاكمة التاريخ وسقوط المطلقات
هذا هو أطول الإصحاحات وأكثرها صداماً مع الواقع البشري والسياسي. ينزل بمفاهيم الخالق المطلقة (الحب، العدل، العقل) إلى الأرض، فيرى كيف شوهها الإنسان ("ابن آدم").
سقوط الحب: أراده حباً يشمل الجميع ويطعم الجياع، لكن الإنسان حوله إلى احتكار رأسمالي وبنى حوله الأسوار، فأصبح الحب "ملكاً لمن يملكون الثمن".
سقوط العدل: أراده عدلاً متوازناً (عين بعين وسن بسن)، لا يظلم الضعيف. لكنه وجد الإنسان يقتل أخاه، ويبقر بطون الحوامل، وتحول العدل إلى شريعة الغاب حيث "ميزانه البندقية"، وأصبح الحكام الطغاة يجلسون على "عرش الجماجم".
سقوط العقل: أراده صوتاً للحكمة والمنطق، لكنه وجد الإنسان يدمر الطبيعة ويصنع قنابل الموت ويورث الفتن. النتيجة المأساوية هي أن العقل أصبح مغترباً، يُقذف بالحجارة، وتُسحب منه جنسيته، ويُلقى في السجون حتى يجن.
اللازمة الساخرة: ينهي الشاعر كل مقطع بجملة "ورأى الرب ذلك غير حسن". إنها معارضة ساخرة ومؤلمة للنص التوراتي الأصلي الذي يقول (ورأى الله ذلك أنه حسن). دنقل يقول هنا إن التجربة البشرية شوهت خلق الله الصافي.
الإصحاح الرابع: رياح التطهير ولاهوت الثورة
بعد أن أدرك حجم الخراب والفساد في الإصحاح الثالث، ينتقل هنا إلى الحل الجذري: الثورة.
الريح والدم: لا مجال للإصلاح السلمي المتردد، بل يجب أن تقتلع الريح كل هذا العفن، ويندلع الدم ليطهر الأرض من الجذور.
الانحياز للفقراء: يعلن الشاعر انحيازه التام للمهمشين والطبقات المسحوقة ("هذه الأرض حسناء، زينتها الفقراء"). يرفض الأغنياء الذين يكنزون الثروات من "عرق الأجراء".
التجلي في المعاناة: يقرر خلع "ثياب السماء" (التخلي عن البرج العاجي والتعالي المطلق) لينزل ويكون واحداً من الفقراء. قمة الروحانية والتقديس عند دنقل ليست في الصلاة في المعابد المزخرفة، بل في "صرخة الجوع فوق الفراش الخشن".
الإصحاح الخامس: المأساة الوجودية والحكم النهائي
يعود الشاعر إلى الذات الفردية ليلخص مأساتها في هذا الوجود القاسي.
المرآة القاسية: عندما ينظر في الصخر والينبوع، لا يرى سوى "سمات الجوع" و"الصليب والمصلوب". الإنسان في هذا العالم هو الجلاد والضحية، هو الصليب الذي يُعلق عليه، وهو المصلوب المتألم في آن واحد.
العبث والاغتراب التام: يصرخ مطالباً بالبراءة من هذه الجريمة التي لم يرتكبها (جريمة الوجود في عالم بشع). ويختم بقصيدة مكثفة جداً: "كينونتي: مشنقتي / وحبلي السري: حبلها المقطوع". مجرد وجوده هو حكم بإعدامه، وانفصاله عن الرحم (الراحة/العدم/السماء) كان بداية النهاية والاغتراب الذي لا يُرتق.
إن "سفر التكوين" لأمل دنقل ليست مجرد قصيدة، بل هي وثيقة إدانة فلسفية وتاريخية. لقد استطاع دنقل بعبقريته الفذة أن يصيغ ألم الإنسان المعاصر في قالب أسطوري ديني، ليؤكد أن الشعر الحقيقي هو الذي ينزل من سماء التجريد ليمشي حافياً مع الفقراء والمهمشين. إنها قصيدة تعيد كتابة التاريخ من وجهة نظر المصلوبين لا الصالبين، وتبقى خالدة خلود الوجع الإنساني الذي عبرت عنه بدقة بالغة.
هل تعتقد أن أمل دنقل كان يبشر بثورة حتمية وتطهير للأرض (كما يظهر في الإصحاح الرابع)، أم أنه كان يرثي إنسانية محكوماً عليها بالفناء والصلب الدائم بلا أمل في الخلاص (كما ينتهي الإصحاح الخامس)؟

تعليقات
إرسال تعليق