دون كيخوته: النصف الثاني من الجزء الأول
النصف الثاني من الجزء الأول لرواية دون كيخوته، وتحديدا من الفصل السابع والعشرين وحتى الفصل الثاني والخمسين والأخير من هذا الجزء. أن هذا القسم يمثل نضوج التجربة السردية لثيربانتس، حيث تتحول الرواية من مجرد مغامرات فردية لفارس مجنون إلى مسرح كوني تلتقي فيه الشخصيات، وتتداخل فيه الحكايات، وتصطدم فيه الحقيقة بالخيال في أعنف تجلياتها. هنا، يصبح المكان، وهو تلك الحانة التي تتحول في نظر بطلنا إلى قلعة، مركزا للكون، حيث تجتمع المصائر وتنكشف الأقنعة. يتوقف ثيربانتس عن كونه مجرد قاص، ليتحول إلى مشرح للروح البشرية في أقسى حالات تجليها. نحن هنا لا نقرأ عن فارس ومجنون، بل نقرأ عن "الإنسان" في مواجهة عدمية الواقع. تبدأ الرحلة بلقاء كاردينيو، ذلك الشاب الذي هشمه الحب حتى صار يسكن الكهوف مثل وحش كاسر. هنا يضعنا ثيربانتس أمام مقارنة فلسفية مذهلة بين جنونين: جنون دون كيخوته "المختار" الذي يمارس التكفير عن ذنوبه تقليداً لأبطال الروايات، وجنون كاردينيو "المفروض" الذي نبع من غدر حقيقي. هذا التضاد يطرح تساؤلاً وجودياً عميقاً: أيهما أكثر صدقاً، الجنون الذي نصنعه لنحمي به أنفسن...