لماذا يموت المضحون وحيدين ولماذا يجب أن تنقذ نفسك أولاً
في مسرحية الحياة، نُلقن منذ الصغر درساً يبدو سامياً ولكنه يحمل بذور فناء الروح، وهو أن العطاء بلا حدود هو أسمى مراتب الإنسانية، وأن احتراقك لتضيء طريق الآخرين هو قمة المجد. ولكن، ما لا يخبرونك به في كتب الأخلاق المثالية، وما لا يُكتب في روايات البطولات الوهمية، هو المصير الحتمي لهذا "الشمعة" التي تحترق. الحقيقة القاسية التي يكتشفها الإنسان بعد فوات الأوان هي أن العالم لا يحترم من يفرش نفسه أرضاً ليمر عليها الآخرون، بل يدوسه ثم ينسى أنه كان هناك. هذا التقرير هو صرخة فلسفية ونفسية للدفاع عن "الأنانية" بمفهومها الوقائي، ومحاولة لتشريح سيكولوجية الجحود البشري. لماذا ينسى الناس الشخص القوي عندما يسقط؟ لماذا يهربون من حزن من كان يحمل أحزانهم؟ إن الدفاع عن الأنانية هنا ليس دعوة للشر، بل هو دعوة لاسترداد الذات التي تم نهبها باسم الإيثار، ومحاولة لفهم لماذا يتألم المعطي وحيداً، وكيف أن وضع "الذات" في المركز هو الفعل الأخلاقي الوحيد الصادق في عالم يتغذى على الضحايا.
الفصل الأول: سيكولوجية القوة المستباحة ولعنة "الشخص القوي"
في علم النفس، هناك نمط من الشخصيات يُطلق عليهم أحياناً "المعالج الجريح" أو "الصديق القوي". هؤلاء الأشخاص يبنون هويتهم بالكامل حول قدرتهم على التحمل، وحل مشاكل الآخرين، وامتصاص الصدمات. المشكلة العميقة هنا ليست في قدرة هؤلاء على العطاء، بل في الرسالة الضمنية التي يرسلونها للمحيطين بهم باستمرار: "أنا لست بحاجة إليكم، أنا بخير، أنا الصخرة". عندما يكرر الإنسان هذا السلوك لسنوات، فإنه يقوم ببرمجة عقول من حوله على تجريده من حقه في الضعف. الناس لا ينسون الشخص القوي عندما يمرض أو يحزن لأنه لا يعنون لهم شيئاً، بل ينسونه لأنهم مرعوبون من حقيقة ضعفه. سقوط "البطل" أو "المنقذ" يذكرهم بهشاشتهم الخاصة، ولذلك يفضلون الابتعاد. إن الوحدة التي يشعر بها الشخص المعطاء عند أزمته ليست صدفة، بل هي نتيجة حتمية لسلوك "إنكار الذات". لقد علمتهم أن يأخذوا منك فقط، وعندما نضب النبع، غادروا بحثاً عن نبع آخر، لأنك بالنسبة لهم كنت "وظيفة" (مصدر دعم) ولست "إنساناً". وهنا تبرز الأنانية كحل نفسي ضروري؛ فهي تعيد رسم الحدود وتجبر الآخرين على رؤية "الأنا" ككيان مستقل له احتياجات، وليس كأداة لخدمة احتياجاتهم.
الفصل الثاني: آين راند وفلسفة الأنانية العقلانية
لا يمكن الحديث عن الدفاع عن الأنانية دون الغوص بعمق في فكر الفيلسوفة آين راند، التي قلبت الطاولة على مفاهيم الإيثار التقليدية في كتابها "فضيلة الأنانية". ترى راند أن الإيثار، بشكله الذي يطالب الإنسان بالتضحية بسعادته من أجل الآخرين، هو عمل غير أخلاقي لأنه يتطلب من الإنسان أن يتنازل عن قيمته العليا (حياته وسعادته) لصالح من هم أقل استحقاقاً أو مجرد طفيليين عاطفيين. من روايتها "المنبع" (The Fountainhead) على لسان بطلها هوارد روارك، والذي يشرح بدقة لماذا يجب أن تعيش لنفسك:
تقول آين راند على لسان روارك:
"لقد تم تعليم البشر أن أعلى فضيلة ليست الإنجاز، بل العطاء. ولكن لا يمكن للمرء أن يعطي ما لم يخلقه أولاً. الخلق يسبق التوزيع، وإلا فلن يكون هناك شيء لتوزيعه. إن حاجة الخالق تسبق حاجة أي مستفيد محتمل. ومع ذلك، تعلمنا أن نقدس المستفيد ونحتقر المبدع. إننا نمدح فعل الصدقة ونعتبر الإنجاز مجرد وسيلة لتحقيق غاية، وتلك الغاية هي الآخرون. لقد تم تعليم الناس أن الأنا هي مرادف للشر، وأن الإيثار هو مرادف للفضيلة. لكن المبدع ليس أنانياً بالمعنى التقليدي للكلمة؛ إنه لا يهتم بالآخرين، ليس لأنه يريد استغلالهم، بل لأنه لا يحتاجهم لكي يبقى على قيد الحياة نفسياً. إن الرجل الذي لا يقدر نفسه، لا يمكنه أن يقدر أي شيء أو أي شخص آخر. إنه عبد لآراء الآخرين، ولحاجاتهم. الرجل الذي يحيا من أجل الآخرين هو عبد، حتى لو كان عبداً طوعياً. لا يوجد سوى خيارين: إما أن تكون مستقلاً وتعيش بعقلك وجهدك، أو أن تكون طفيلياً تعيش على عقول وجهود الآخرين، سواء كنت تشحذ المال أو تشحذ العاطفة."
هذا النص هو الدستور للدفاع عن النفس ضد الاستنزاف. راند توضح أن الشخص الذي يضحي بنفسه ينتهي به المطاف فارغاً، وبلا قيمة حقيقية يقدمها. الألم الذي يشعر به "المضحي" عندما يُترك وحيداً هو نتاج خيانته لنفسه أولاً. هو الذي سمح لنفسه أن يكون وقوداً لغيره. الأنانية هنا تعني "الاستقلالية"، تعني أن تكون مركز كونك، لأنك إذا متَّ أو انكسرت نفسياً، لن يفيدك بكاء العالم عليك.
الفصل الثالث: فريدريك نيتشه واحتقار الشفقة
يأخذنا الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه إلى مستوى أعمق وأكثر قسوة في كتابه "هكذا تكلم زرادشت" وكتاب "ما وراء الخير والشر". يرى نيتشه أن "الشفقة" و"الإيثار" هي أخلاق الضعفاء (أخلاق العبيد) التي اخترعوها للسيطرة على الأقوياء وإشعارهم بالذنب. الشخص الذي يتحمل ويصارع ثم ينساه الناس، هو في نظر فلسفة القوة شخص ارتكب خطأً فادحاً بأنه انتظر "المكافأة" من القطيع. القطيع لا يكافئ، القطيع يستهلك. الأنانية عند نيتشه هي "إرادة القوة"، هي تأكيد الذات والترفع عن لعب دور الضحية أو المنقذ.
نيتشه وفخ الهروب من الذات:
في كتابه "هكذا تكلم زرادشت"، يطرح فريدريك نيتشه منظوراً صادماً يقلب مفهوم العلاقات الاجتماعية والتضحية رأساً على عقب. هو لا يرى أن ذهابك للآخرين وتضحيتك من أجلهم فضيلة، بل يراه "هروباً" من فراغك الداخلي. الإنسان الذي لا يمتلك "أنانية صحية" هو إنسان لا يطيق البقاء مع نفسه، فيركض نحو الآخرين ليملأ هذا الفراغ تحت مسمى "المساعدة" أو "الصداقة". وعندما يتركه الناس وحيداً، هو لا يتألم بسبب فراقهم بقدر ما يتألم لأنه عاد لمواجهة ذاته التي لم يبنِها جيداً.
يقول نيتشه في نص عميق جداً عن ضرورة الاكتفاء بالذات:
"يجب على المرء أن يتعلم كيف يحب نفسه.. أنا أعلم حباً كلياً وصحياً: حتى يطيق المرء البقاء مع نفسه ولا يظل يتسكع هائماً. إن هذا التسكع الهائم هو ما يسمونه بـ (حب القريب). إنكم تفرون إلى القريب هرباً من أنفسكم، وتودون لو تجعلون من ذلك فضيلة! لكنني أنفذ ببصري عبر إيثاركم هذا. إن "الـ أنت" أقدم من "الـ أنا".. لقد تم تقديس "الـ أنت" ولكن "الـ أنا" لم تقدس بعد: ولذلك يتهافت الإنسان على القريب. هل أنصحكم بحب القريب؟ لا، بل أنصحكم بحب البعيد.. وفوق حب البعيد، أنصحكم بحب الأشياء والغد. إنك لا تطيق صحبة نفسك ولا تحب نفسك بما فيه الكفاية: والآن تريد أن تغوي القريب إلى حبك، وأن تطلي ذاتك بطلاء خطئه فيك. ليتك تطيق أي نوع من القريب وتطيق صديقه أيضاً: ولكن لزم عليك أولاً أن تخلق ذاتك."
هذا النص هو تشريح جراحي قاسٍ لنفسية "المضحي". نيتشه يقول لك بوضوح: أنت تضحي وتذهب للناس وتنشغل بمشاكلهم ليس لأنك نبيل، بل لأنك "لا تطيق البقاء مع نفسك". أنت فارغ من الداخل، فتحاول استخدام الناس كمرايا لتروّج لنفسك صورة جميلة. الأنانية التي يدعو لها نيتشه هنا هي "أنانية البناء"؛ أن تبني عالماً داخلياً ثرياً وممتلئاً بحيث لا تحتاج إلى الهروب منه. الشخص الذي يضحي كثيراً غالباً ما يكره وحدته، ولهذا عندما يتركه الناس وحيداً (وهو أمر حتمي)، يسقط في الظلام. الحل ليس في انتظار وفاء الآخرين، بل في "خلق الذات" كما يقول. أن تكون ممتلئاً بنفسك لدرجة أن وجود الناس أو غيابهم لا يزيدك ولا ينقصك شيئاً. التقرير هنا يخبرك: توقف عن استخدام الآخرين كمهرب من ذاتك، واجعل ذاتك هي الملاذ، حينها فقط لن يؤذيك الجحود، لأنك تملك الأصل (نفسك) ولا تحتاج للصورة (رأيهم فيك).
الفصل الرابع: الحقيقة البيولوجية والواقعية المظلمة
بعيداً عن الفلسفة، يخبرنا علم النفس التطوري والحقائق البيولوجية أن "البقاء للأصلح" ليس مجرد شعار، بل هو قانون يحكم الخلايا والأمم. الأنانية هي المحرك الأساسي للحياة؛ الجينات أنانية بطبعها (كما طرح ريتشارد دوكينز في الجين الأناني). عندما ينكر الإنسان هذه الطبيعة ويفرط في الإيثار، فإنه يدخل في صراع مع غريزته البيولوجية للبقاء.
الشخص الذي يضحي بصحته النفسية، ووقته، وموارده من أجل الآخرين، يُنظر إليه في اللاوعي الجمعي البشري ليس كـ "قديس"، بل كـ "مورد متاح ومجاني". والطبيعة البشرية تميل لاحتقار ما هو مجاني. عندما تتألم وحيداً، فهذا لأنك رخصت نفسك. الناس يدفعون الغالي والنفيس لما هو نادر وصعب المنال، ويزهدون فيما هو متاح دائماً.
عندما تكون أنت الطرف الذي "يتحمل" دائماً، أنت تعلمهم أن قدرتك على الاحتمال لا نهائية. وحين تسقط، يشعرون بالخيانة! نعم، هم يلومونك لأنك سقطت، لأنك كسرت الصورة التي رسمتها لهم. ألمك يزعج راحتهم التي وفرتها لهم بدمائك. لذلك، يتركونك وحيداً ليعاقبوك على ضعفك المستجد، أو ليبحثوا عن "مضحٍ" جديد لم يُستهلك بعد. الدفاع عن الأنانية هنا هو دفاع عن "قيمة الندرة". كن نادراً، كن عزيزاً، ضع نفسك أولاً، وسيحترمك الجميع. قدم نفسك قرباناً، وسيأكلونك ثم يشتكون من أن لحمك كان قاسياً.
الفصل الخامس: عزلة الألم وحتمية التفرد
يجب أن ندرك حقيقة وجودية مرعبة: الألم تجربة فردية تماماً. لا أحد، مهما كان قريباً، يمكنه أن يشعر بحرقة ألمك كما تشعر بها أنت. عندما كنت تواسيهم، كنت تتعاطف معهم من الخارج، لكن عندما تتألم أنت، أنت تحترق من الداخل. انتظارك أن يشعروا بك هو سذاجة.
يقول الفيلسوف آرثر شوبنهاور، رائد التشاؤم، أن الحياة عبارة عن تأرجح بين الألم والملل، وأننا في النهاية "قنافذ" نحاول الاقتراب للدفء فتخزنا أشواك الآخرين.
الشخص الذي يدافع عن أنانيته يحمي نفسه من أشواك الآخرين. هو يدرك أن في لحظة الاحتضار النفسي أو الجسدي، هو وحيد تماماً. لذلك، الأنانية هي استثمار في تلك اللحظة. بدلاً من استثمار طاقتك في ناس سينسونك بمجرد أن تدير ظهرك، استثمرها في بناء حصانة نفسية، وثروة مادية، واستقرار عاطفي يخصك أنت. عندما تتألم وأنت "أناني" (بمعنى مكتفٍ بذاتك)، ستتألم بكرامة، في قصرك الخاص، وليس على قارعة الطريق تتسول اهتمام العابرين الذين أطمعتهم يوماً في كرمك.
الترياق المر:
إن الدفاع عن الأنانية البشرية ليس دعوة للقسوة، بل هو دعوة للصدق. العالم مليء بـ "الشهداء" الذين ماتوا قهراً وغيظاً لأنهم انتظروا كلمة شكر لم تأتِ. التقرير الذي بين يديك هو مرآة. إذا كنت تشعر بالحزن لأنك تُركت وحيداً في ألمك، فاللوم لا يقع فقط على جحود البشر (وهو جحود أصيل وثابت)، بل يقع عليك لأنك خالفت قانون الطبيعة وقانون احترام الذات. لقد جعلت نفسك جسراً، والناس يمشون فوق الجسور ولا يشكرونها، بل يتذمرون إذا اهتزت.
الأنانية النبيلة هي أن تقول "لا" عندما يؤذيك الـ "نعم". هي أن تحتفظ بأجمل جزء من روحك لنفسك. هي أن تدرك أنك المسؤول الوحيد عن إنقاذ نفسك. لا يوجد فرسان قادمون. أنت الفارس، وأنت الحصان، وأنت المعركة. توقف عن النزيف من أجل أسماك القرش، فهي لن تشبع، وستلتهمك في النهاية.
إذا كنت ستموت غداً، وسيمشي في جنازتك هؤلاء الذين ضحيت من أجلهم، ثم بعد ساعة سيذهبون لتناول العشاء والضحك وكأن شيئاً لم يكن... هل كنت ستعيش حياتك بنفس الطريقة التي عشتها، أم كنت ستحتفظ ببعض تلك الحياة لنفسك؟

تعليقات
إرسال تعليق