هذا هو الإنسان \ فريدريك نيتشه
الرقص على حافة الهاوية في خريف عام 1888، وفي مدينة تورين الإيطالية، كان الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه يعيش حالة من الصفاء الذهني الخارق والإنتاجية الجنونية، قبل أسابيع قليلة فقط من انهياره العقلي الكامل الذي أسكته للأبد. في تلك اللحظات الفاصلة بين العبقرية والجنون، كتب نيتشه آخر كتبه: "هذا هو الإنسان" (Ecce Homo). عنوان الكتاب بحد ذاته يحمل سخرية مريرة وعمقاً لاهوتياً مقلوباً؛ فعبارة "هذا هو الإنسان" هي الكلمات التي قالها بيلاطس البنطي وهو يشير إلى المسيح المكلل بالشوك قبل صلبه. نيتشه، الذي أعلن نفسه "ضد المسيح"، يستعير هذه العبارة ليقدم نفسه للعالم، ليس كضحية، بل كمخلص من نوع آخر، مخلص يدعو لنسف القيم القديمة. هذا الكتاب ليس سيرة ذاتية تقليدية تسرد تواريخ الميلاد والأحداث، بل هو سيرة ذاتية "فكرية" و"فسيولوجية". إنه محاولة يائسة وعظيمة لقول: "اسمعوني! فأنا هذا الشخص وتلك الهيئة.. وفوق كل شيء، لا تخلطوا بيني وبين شخص آخر!". يتميز الكتاب بهيكل فريد، حيث قسّم نيتشه فصوله بعناوين قد تبدو للوهلة الأولى غارقة في النرجسية والغرور...