موت إيفان إيليتش للأديب الروسي ليو تولستوي

 




تعد رواية موت إيفان إيليتش واحدة من أعظم الأعمال الأدبية القصيرة في تاريخ الأدب العالمي، وهي جوهرة التاج في أعمال ليو تولستوي المتأخرة. كتبها تولستوي بعد أزمته الروحية الشهيرة وتحوله الديني والأخلاقي، مما جعل العمل مشحوناً بنظرة ثاقبة ومرعبة في آن واحد تجاه الوجود الإنساني، والموت، ومعنى الحياة الزائفة. لا تدور القصة حول الموت البيولوجي فحسب، بل هي تشريح دقيق ومؤلم لحياة الطبقة البرجوازية التي تعيش في قشرة من الزيف والمجاملات الاجتماعية، متجاهلة الحقيقة الوحيدة المؤكدة وهي الفناء. إن الرعب في هذه الرواية لا ينبع من الوحوش أو الأشباح، بل ينبع من العادية، ومن اكتشاف الإنسان في لحظاته الأخيرة أنه عاش حياة خاطئة تماماً. إنها دراسة نفسية عميقة حول الوحدة المطلقة التي يعيشها الإنسان وهو يواجه مصيره، وحول النفاق الاجتماعي الذي يحيط بالمحتضر، وحول إمكانية الخلاص في اللحظة الأخيرة.



الفصل الأول: صدى الموت في عالم الأحياء

تبدأ الرواية بذكاء سردي فذ، ليس بموت البطل، بل بخبر وفاته الذي يصل إلى زملائه في المحكمة. هنا يكشف تولستوي ببراعة عن برودة المشاعر الإنسانية وسيادة المصلحة الشخصية. عندما يسمع زملاء إيفان إيليتش بوفاته، فإن الفكرة الأولى التي تقفز إلى أذهانهم ليست الحزن على فقدان صديق، بل التكهنات حول الترقيات الوظيفية التي ستشغر بموته، ومن سيحل محله. تبرز فكرة مريحة لكل واحد منهم: هو الذي مات، وليس أنا. ننتقل بعد ذلك إلى زيارة العزاء، حيث يلتقي الراوي بـ بيتر إيفانوفيتش (صديق إيفان) مع الأرملة براسكوفيا فيودوروفنا. يتضح أن الأرملة، رغم تظاهرها بالحزن الشديد، مهتمة بشكل أساسي بمعرفة كيفية الحصول على أكبر قدر من المال من خزانة الدولة كمعاش تقاعدي. يصور تولستوي الجنازة والعزاء كمسرحية من النفاق الاجتماعي، حيث يشعر الجميع بالملل والرغبة في المغادرة للعب الورق، بينما يتظاهرون بالحزن. هذا الفصل يضع الأساس للرواية: المجتمع يعيش في كذبة كبيرة لتجنب التفكير في الموت.


الفصل الثاني: حياة إيفان إيليتش.. العادية والمرعبة

يعود السرد إلى الوراء ليقص علينا حياة إيفان إيليتش. الجملة الافتتاحية لهذا الجزء مرعبة في بساطتها: كانت حياة إيفان إيليتش في غاية البساطة، وفي غاية العادية، ولذلك كانت في غاية الرعب. كان إيفان قاضياً ناجحاً، سعى طوال حياته ليكون لائقاً اجتماعياً ومحترماً. تزوج ليس عن حب جارف، بل لأن الزواج كان الخطوة الصحيحة اجتماعياً. عندما أصبحت زوجته نكدية ومتطلبة، هرب إيفان إلى عمله، جاعلاً من الوظيفة والترقيات حصناً يحميه من المشاعر الحقيقية ومن مشاكل المنزل. كان يقيس نجاحه بمدى قربه من الطبقات العليا وبمدى قدرته على شراء الأثاث الفاخر وتنظيم الحفلات التي تشبه حفلات الآخرين تماماً. حياته كانت سلسلة من المحاكاة والتقليد، خالية من أي تفرد أو عمق روحي.


الفصل الثالث: السقوط وبداية النهاية

يحدث التحول الكبير بسبب حادث تافه جداً. أثناء تأثيث منزله الجديد الذي كان يحلم به ليعكس مكانته الاجتماعية، يسقط إيفان عن السلم وهو يعلق الستائر، ويصاب بكدمة في جنبه. يبدو الأمر بسيطاً في البداية، لكنه يتحول تدريجياً إلى ألم مزمن، وطعم سيء في الفم، ومزاج سيء دائم. هنا يبدأ تولستوي في استعراض عجز الطب والتجرد الإنساني للأطباء. يعامل الأطباء إيفان كما كان هو يعامل المتهمين في المحكمة: كحالة مجردة، وكمشكلة تقنية تحتاج لتشخيص، متجاهلين خوفه الإنساني وألمه. لا أحد يخبره الحقيقة، والجميع يتحدث عن كليته العائمة أو الزائدة الدودية، بينما هو يعلم في أعماقه أن المسألة هي مسألة حياة أو موت.


الفصل الرابع: العزلة والكذب

مع اشتداد المرض، يصبح إيفان إيليتش سجين غرفته وسجين ألمه. ما يؤلمه أكثر من المرض الجسدي هو الكذب المحيط به. زوجته، ابنته، وزملاؤه، جميعهم يصرون على أنه مجرد مريض وسيتعافى إذا التزم بالدواء، بينما هم في الحقيقة ينتظرون موته ليتخلصوا من العبء. هذا النفاق يدفع إيفان إلى حافة الجنون. يشعر بوحدة قاتلة وسط عائلته. الوحيد الذي يقدم له العزاء الحقيقي هو جيراسيم، الخادم الفلاح الشاب البسيط. جيراسيم هو الوحيد الذي لا يكذب، يعترف بأن إيفان يحتضر، ويتعامل مع الموت كجزء طبيعي من الحياة. يقوم جيراسيم برفع ساقي إيفان لساعات لتخفيف الألم، ويقدم له حناناً وعناية جسدية تفتقدها زوجته وابنته. يمثل جيراسيم في الرواية الحقيقة، والطبيعة، والقبول، نقيضاً للمجتمع المتحضر الزائف.


الفصل الخامس: مواجهة الحقيقة والصرخة

يبدأ إيفان في مراجعة حياته. يتذكر طفولته، ويجد أنها كانت الفترة الوحيدة التي عاش فيها بصدق. أما حياته كبالغ، فقد كانت سلسلة من التنازلات والانصياع للمعايير الاجتماعية الفارغة. يطرح على نفسه السؤال المرعب: ماذا لو كانت حياتي كلها خطأ؟ يحاول مقاومة هذه الفكرة، متمسكاً بأنه عاش كما ينبغي وكما يعيش الناس المحترمون. لكن الألم لا يرحم، والموت يقترب. يصل إيفان إلى مرحلة الرعب الوجودي، يصرخ لثلاثة أيام متواصلة، صراخاً يعبر عن رفضه للموت ورفضه للحقيقة التي بدأت تتكشف له: أن حياته كانت تافهة ومصطنعة.


الفصل السادس: الخلاص في اللحظة الأخيرة

في الساعة الأخيرة، وبينما هو يصرخ ويتخبط، يحدث شيء غير متوقع. يدخل ابنه الصغير (فاسيا) إلى الغرفة ويبكي، ممسكاً بيد أبيه ومقبلاً إياها. هذه اللمسة الصادقة من الشفقة والحب تكسر قشرة إيفان الصلبة. يدرك إيفان فجأة أن حياته كانت بالفعل خاطئة، ولكن لا يزال هناك وقت لإصلاح ما يمكن إصلاحه، وهو موقفه من الموت ومن حوله. يشعر بالشفقة تجاه زوجته وابنه، ويريد أن يحررهم من عذاب وجوده. في تلك اللحظة، يختفي الخوف من الموت. بدلاً من الظلام الذي كان يخشاه، يرى ضوءاً. يسأل نفسه: أين الموت؟ فلا يجد خوفاً. يلفظ أنفاسه الأخيرة وهو يتمتم: لقد انتهى الموت، لم يعد له وجود.



"كانت حياة إيفان إيليتش بسيطة للغاية، وعادية للغاية، ولذلك كانت مرعبة للغاية."

 هذه الجملة هي مفتاح الرواية. يقلب تولستوي المفهوم التقليدي للرعب. الرعب ليس في الشذوذ أو الغرابة، بل في العيش وفقاً للقوالب الجاهزة دون تفكير أو وعي. حياة إيفان كانت مرعبة لأنها كانت تكراراً آلياً لما يفعله الجميع، خالية من الروح، وخالية من المعنى الشخصي. إنه رعب الحياة التي تضيع في التفاهات والمظاهر حتى تأتي لحظة النهاية فيكتشف الإنسان أنه لم يعش أصلاً.



"مثال القياس المنطقي الذي درسه في كتب المنطق لكيزفيتر: كايوس إنسان، والناس فانون، إذن كايوس فان، كان يبدو له طوال حياته صحيحاً فقط بالنسبة لكايوس، ولكن ليس بالنسبة له على الإطلاق. كان ذاك كايوس إنساناً، إنساناً بصفة عامة، وكان هذا صحيحاً تماماً عليه؛ أما هو فلم يكن كايوس، ولم يكن إنساناً بصفة عامة، بل كان دائماً مخلوقاً متميزاً تماماً عن سائر المخلوقات الأخرى."

 يوضح هذا الاقتباس الآلية النفسية التي يستخدمها البشر لإنكار الموت. نحن نعرف عقلياً أن الموت حقيقة، لكننا نطبقه على الآخرين (المجردين) ولا نطبقه عاطفياً على أنفسنا. إيفان يرى نفسه كحالة خاصة، كشخصية فريدة لها ذكريات ومشاعر (رائحة الكرة الجلدية في طفولته، طعم الحلوى)، وبالتالي يستحيل أن ينطبق عليه قانون الفناء الذي ينطبق على كايوس المجرد. إنها فجوة الإدراك بين المعرفة العقلية بالموت والتجربة الوجودية له.



"الشيء الوحيد الذي كان يعذبه أكثر من أي شيء آخر هو الكذب، ذلك الكذب الذي قبلوه جميعاً، وهو أنه مريض فقط وليس مشرفاً على الموت، وأنه يحتاج فقط إلى الهدوء والعلاج لكي تتحسن حاله.. كان هذا الكذب حوله وعشية موته، وتحجيم هذا العمل المهيب والمرعب إلى مستوى زيارة غير ملائمة، واستجرار الموت إلى مستوى التفاهات اليومية، كان يعذبه بشكل رهيب."

 يركز هذا الاقتباس على النقد الاجتماعي. المجتمع لا يحتمل حقيقة الموت لأنه يعكر صفو الحياة المريحة والملذات. لذلك، يغلفون الموت بأكاذيب طبية واجتماعية. هذا الكذب يجرد الموت من جلاله ورهبته، ويحوله إلى موقف محرج اجتماعياً. إيفان كان يتوق إلى الصدق، إلى من يقول له: نعم أنت تموت ونحن نبكي لأجلك، لكنه لم يجد سوى التمثيل، مما زاد من عزلته.



"بحث عن خوفه المعتاد من الموت فلم يجده. أين هو؟ أي موت؟ لم يكن هناك أي خوف، لأنه لم يكن هناك أي موت. كان هناك ضوء بدلاً من الموت."

 يمثل هذا الاقتباس لحظة التنوير والخلاص. عندما قبل إيفان إيليتش مصيره وتوقف عن التمسك بحياته الزائفة، وشعر بالحب والشفقة تجاه عائلته، اختفى الموت كبعبع مرعب. يشير تولستوي هنا إلى أن الموت هو نهاية الجسد، ولكنه أيضاً لحظة ولادة الروح وانعتاقها. الموت يصبح مجرد معبر نحو الضوء والحقيقة المطلقة التي حُجب عنها طوال حياته الدنيوية.




النقد الاجتماعي للطبقة الوسطى: يقدم تولستوي نقداً لاذعاً للحياة البرجوازية. يُظهر كيف أن السعي وراء الراحة، واللياقة، والمظاهر الاجتماعية (ما يسميه الروس كوميلفو) يؤدي إلى عزل الإنسان عن حقائق الوجود الكبرى. الأثاث، الملابس، حفلات العشاء، كلها ستائر نختبئ خلفها لتجنب مواجهة فراغنا الداخلي.


الجسد والروح: تصور الرواية الجسد كعبء وكعدو في مراحل المرض، حيث يصبح مصدراً للألم والإذلال والروائح الكريهة. لكن هذا الانهيار الجسدي هو الضرورة الحتمية ليقظة الروح. لم يكن إيفان ليستيقظ من سباته الروحي لولا هذا الألم الذي حطم قشرة غروره.


العزلة الوجودية: توضح القصة أن الإنسان يموت وحيداً. مهما كثر المحيطون، فإن تجربة الاحتضار تجربة فردية تماماً لا يمكن مشاركتها. الفجوة بين الحي والمحتضر لا يمكن ردمها بالكلمات، وفقط الحب الصادق (مثل حب جيراسيم أو ابنه) يمكنه أن يخلق جسراً واهياً فوق هذه الهوة.


الأصالة في مواجهة الزيف: شخصية جيراسيم تمثل نموذج الإنسان الطبيعي الذي لم تفسده الحضارة الزائفة. إنه يتقبل الفضلات والمرض والموت برحابة صدر لأنه يفهم دورة الطبيعة. يعلمنا تولستوي من خلاله أن التصالح مع الموت هو الطريق الوحيد للعيش بصدق.



إن رواية موت إيفان إيليتش ليست قصة عن الموت بقدر ما هي قصة عن الحياة الخاطئة وكيفية تصحيحها. إنها جرس إنذار لكل قارئ ليتساءل عن جدوى حياته وعما إذا كان يعيش وفقاً لحقيقته الداخلية أم وفقاً لتوقعات المجتمع. موت البطل لم يكن مأساة، بل كان لحظة انتصار روحي، حيث أدرك الحقيقة وتحرر من وهم الحياة الزائفة. تتركنا الرواية أمام حقيقة عارية: الموت قادم لا محالة، والسؤال ليس متى سنموت، بل كيف نعيش حتى تلك اللحظة؟ هل نعيش كـ كايوس المجرد، أم نعيش كأرواح واعية ومتصلة بالكون؟



إذا كان إيفان إيليتش قد اكتشف أن حياته كلها كانت خطأ وهو على فراش الموت، فما هي المعايير التي يمكننا نحن اليوم، ونحن في كامل صحتنا، أن نستخدمها لقياس ما إذا كنا نعيش حياة حقيقية أم حياة زائفة تشبه حياة إيفان، قبل أن يفوت الأوان؟

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ثقافة النرجسية \ كريستوفر لاش

استراتيجية تفكيك هيمنة المال واستعادة السيادة البشرية

الإنسان المستلب في قفص الحداثة.. قراءة في فكر إريك فروم

شفرة أوكام لماذا الحل الأبسط هو الصحيح غالبًا

مفهوم التدفق (Flow): سيكولوجية السعادة القصوى وآليات الإبداع الفائق

نبوءة جان أنوي.. حينما يتحول التلفاز إلى مقصلة للعقل ومقبرة للطفولة

"أن أكون نفسي".. حين يضع إرفين يالوم روحه على أريكة التحليل

مجتمع الاستعراض: رحلة في تفكيك وهم الصورة وسيطرة السلعة

جدلية الحرية والاغتراب بين أريك فروم وكارل يونج

بيولوجيا الأمل..تجربة كيرت ريتشر وتأثير اليقين على النجاة