المشاركات

هل المعاناة قَدَرٌ ضروري لاكتمال الوجود الإنساني؟

صورة
  في سكون التأمل وأمام تعقيدات النفس البشرية التي تتأرجح دائما بين سعيها الحثيث نحو السعادة وخوفها الدفين من الألم يقف واحد من أعمق الأسئلة الوجودية وأكثرها إلحاحا عبر تاريخ الفكر الإنساني هل المعاناة قَدَرٌ ضروري لاكتمال الوجود الإنساني؟ وهل هي الشرط الحتمي لولادة المعنى؟  نقف أمام هذا السؤال ليس موقف المنظر المتعالي من برجه العاجي بل موقف المرافق الذي يتفهم ثقل التجربة الإنسانية ويحترمها. إننا نعيش اليوم في عصر استهلاكي بامتياز يسوق للرفاهية المطلقة واللذة المستمرة كغاية عظمى محاولا تخدير كل ألم وإقصاء كل حزن ومتناسيا في غمرة هذا الركض المحموم. أن الروح الإنسانية لا تصقل غالبا إلا في أتون التجارب الكبرى والمحن العميقة إن المعاناة ليست عقابا عبثيا تسلطه الأقدار علينا بل هي في جوهرها مادة خام يمكن للعقل والروح أن يعيدا تشكيلها لتصبح أجنحة للتحليق نحو معنى أسمى وأعمق للوجود. إن استدعاء الفكر الفلسفي في هذا السياق ليس ترفا فكريا للتباهي الأكاديمي بل هو استنجاد بحكمة أولئك الذين سبروا أغوار الألم وخرجوا من لجته بلآلئ الحكمة والبصيرة ولعل أبلغ ما قيل في هذا المقام هو ما سطره الفيل...

التلاقي الوجودي و تقويم السلوك البشري

صورة
  إن دراسة السلوك البشري ليست مجرد رصد للأفعال الظاهرة، بل هي غوص في أعماق المحركات الأولية التي تشكل هوية الإنسان. على مر العصور، لم تكن الأديان والفلسفات مجرد نظريات مجردة، بل كانت مختبرات حقيقية لصناعة "الإنسان السوي". العلاقة العضوية بين الوحي السماوي، والمنطق الفلسفي، والتحليل النفسي، وكيف تضافرت هذه الروافد لتهذيب الغريزة وتحويلها إلى قيم سامية تجعل الحياة ممكنة وأكثر جودة. المحور الأول: الهيكل الديني وتقويم السلوك عبر الوحي تمثل الأديان الثلاثة الكبرى المرجعية الأخلاقية الأولى التي نقلت السلوك البشري من العفوية والبدائية إلى الانضباط والقداسة. في الرؤية الإسلامية، يُعتبر السلوك ثمرة لعملية "التزكية"، وهي عملية هندسية تهدف إلى تطهير الباطن لينعكس بصلاح على الظاهر.  يقول النص القرآني في سورة الشمس: "قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا" (الآيات 9-10).  هنا نجد أن الفلاح مرتبط بالعمل السلوكي الواعي، فالتزكية هي كفاح مستمر ضد الرغبات الدنيا للوصول إلى مرتبة "النفس المطمئنة". هذا النموذج حوّل المجتمعات من التناحر القبلي إل...

أنشودة المسافر الليلية: رحلة الروح من القلق إلى السكون المطلق

صورة
النشيد الأول (كتبه غوته عام 1776): يا مَنْ أنتَ من السَّماءِ، تُسكِّنُ كلَّ كمدٍ وألمٍ، وتضاعفُ السُّـرورَ، في قلبِ من نالَ منهُ الشَّقاءُ. آه، لقد تملَّكني التَّعبُ! ما نفعُ كلُّ هذا الألمِ وهذا الفرحِ؟ أيُّها السَّلامُ العذبُ، تعالَ، تعالَ إلى صدري! النشيد الثاني (كتبه غوته عام 1780): في ذُرى الأطوادِ صمتٌ شاملٌ وسكونٌ قد غشـى الكونَ الفسيحْ خيَّــم الصمتُ علــى الغــابِ فلا صوتُ طيرٍ فيه أو نسمةُ ريحْ كلُّ شيءٍ مستريحٌ هادئٌ وقريباً أنتَ أيضاً تستريحْ في ليلة هادئة من ليالي سبتمبر عام 1780، صعد يوهان فولفغانغ فون غوته إلى كوخ خشبي صغير في قمة جبل كيكلهان. هناك، وفي لحظة تجلٍّ صوفي وفلسفي، خطَّ بمرسمه على جدار الكوخ هذه الأبيات التي ستصبح لاحقاً أشهر أسطر في الأدب الألماني. إن هذه القصيدة ليست مجرد وصف للطبيعة، بل هي "مانيفستو" للسكون الوجودي. لقد كتبها غوته وهو في ريعان عطائه، ثم عاد وقرأها وهو في الثمانين من عمره، فبكى مدركاً أن نبوءته بالسكون قد اقتربت. الاندماج في الوعي الكوني:  تعكس القصيدة الانتقال من "الذاتية المضطربة" (في النشيد الأول) إلى "الموضوعية ...

لماذا تصمت الحملان؟ كيف تدمر ديمقراطية النخبة والنيوليبرالية مجتمعنا وأسس حياتنا

صورة
  لماذا تصمت الحملان؟ كيف تدمر ديمقراطية النخبة والنيوليبرالية مجتمعنا وأسس حياتنا  كتاب الفيلسوف وعالم النفس الألماني راينر ماوسفيلد.  إن هذا الكتاب ليس مجرد نقد سياسي عابر، بل هو تشريح دقيق للنفس البشرية في ظل آليات التحكم الحديثة، وهو دعوة مطمئنة في جوهرها للاستيقاظ واستعادة إنسانيتنا المسلوبة بوعي وهدوء. ينطلق ماوسفيلد من تساؤل جوهري وموجع: لماذا تقبل الأغلبية الساحقة من الناس بظروف الاستغلال وانعدام المساواة وتدمير أسس الحياة دون مقاومة تذكر؟ لماذا تتصرف الجماهير كالحملان الوديعة التي تُساق إلى مصيرها بصمت؟ يجيب الكاتب بأن هذا الصمت ليس نابعا من غباء متأصل أو رضا حقيقي، بل هو نتيجة لعملية هندسة نفسية واجتماعية معقدة وطويلة الأمد. لقد استبدلت أنظمة السلطة الحديثة القمع الجسدي الخشن بأدوات قمع نفسي ناعمة وغير مرئية. إن السلطة في عصرنا، وخاصة في ظل ما يسميه ديمقراطية النخبة، أدركت أن السيطرة على العقول أسهل بكثير وأقل تكلفة من السيطرة على الأجساد، وهنا يبرز دور علم النفس الحديث الذي تم توظيفه لخلق حالة من اللامبالاة المدروسة والعجز المُكْتَسَب لدى المواطنين. يتعمق الكتا...

رمضان: في حضرة المعنى وأمام تجليات الروح والنفس البشرية

صورة
  في حضرة المعنى وأمام تجليات الروح والنفس البشرية يقف شهر رمضان لا كمجرد شعيرة دينية تعبدية فحسب بل كمحطة وجودية كبرى ومختبر نفسي عميق يعيد تشكيل علاقة الإنسان بذاته وبالمادة وبالزمن إننا حين نتحدث عن رمضان فإننا نناقش جدلية الأزل بين الطين والنفخة وبين الثقل الأرضي والتحليق السماوي وبين حتمية الغريزة وحرية الإرادة. أن هذا الشهر يمثل الفرصة السنوية الأهم لما يمكن تسميته بإعادة الهيكلة الوجودية للكائن البشري حيث تتشابك خيوط علم النفس السلوكي مع الميتافيزيقا لتنسج ثوباً جديداً للوعي الإنساني. إن المدخل الأول لفهم هذا البعد العميق هو فلسفة الإرادة فالإنسان في حالته الطبيعية يقع تحت سطوة ما أسماه الفيلسوف آرثر شوبنهاور إرادة الحياة وهي تلك القوة العمياء التي تدفعنا لإشباع رغباتنا البيولوجية من طعام وشراب وتكاثر للبقاء على قيد الحياة وهنا يأتي الصيام ليمثل ما يمكن أن نطلق عليه الرفض الواعي أو التمرد النبيل ففي اللحظة التي يقرر فيها الصائم الامتناع عن المباحات الضرورية للبقاء هو يمارس أعلى درجات الحرية الإنسانية فالإرادة الحقيقية ليست أن تفعل ما تريد وقتما تريد بل القدرة على ألا تفعل ما...

تشريح الظلام البشري بين الميتافيزيقا والنيورولوجيا: كتاب القسوة الشر البشري والدماغ البشري للكاتبة كاثلين تايلور

صورة
  لطالما وقفت طويلاً أمام معضلة "الشر". هل هو كيان خارجي يلوث الروح؟ أم هو خلل وظيفي في الآلة البيولوجية التي نحملها داخل جماجمنا؟ يأتي كتاب "القسوة: الشر البشري والدماغ البشري" لعالمة الأعصاب كاثلين تايلور ليمثل جسراً متيناً وشجاعاً بين الفلسفة الأخلاقية وعلم الأعصاب الحديث. هذا الكتاب ليس مجرد سرد علمي جاف، بل هو رحلة استقصائية وقورة تحاول نزع الغموض عن الجانب المظلم للطبيعة البشرية، لا لتبريره، بل لفهمه، فالفهم هو الخطوة الأولى نحو الطمأنينة والسيطرة.  من شيطنة الشر إلى تشريح القسوة: تبدأ تايلور كتابها بفرضية جريمة فلسفياً وعلمياً، وهي ضرورة التخلي عن مصطلح "الشر" (Evil) لصالح مصطلح أكثر دقة وقابلية للدراسة وهو "القسوة" (Cruelty). تجادل الكاتبة بأن كلمة "شر" هي كلمة "توقف عن التفكير"، فهي تضع ظاهرة ما في صندوق غيبي مغلق يمنعنا من البحث عن أسبابها، وكأننا نقول "لقد فعل ذلك لأنه شرير" ونكتفي، وهذا دوران في حلقة مفرغة لا يفسر شيئاً. أما القسوة، فهي فعل، وسلوك، وعملية يمكن رصدها وتحليل جذورها في الدماغ والمجتمع. الكتا...