المشاركات

فلسفة الهروب والحرية المستلبة

صورة
   كتاب الهروب من الحرية للكاتب بنجامين سيبانغاني سيباندا ليس مجرد تدوين لرحلة زيمبابوي من الاستعمار إلى الاستقلال، بل هو تشريح دقيق للمفارقة الكبرى التي تطارد النفس البشرية، وهي لماذا يهرب الإنسان من الحرية التي دفع دمه ثمناً لها؟ إن سيباندا في هذا العمل يتقاطع برؤية مذهلة مع أفكار إريك فروم، لكنه يضعها في سياق أفريقي محلي شديد الخصوصية، حيث تتحول الأحلام الوطنية إلى كوابيس استبدادية، وحيث يكتشف الفرد أن كسر القيود الحديدية كان الجزء الأسهل، أما كسر القيود العقلية فهو المعضلة التي لم تحل بعد. الفصل الأول: فجر الوعي وزيف الوعود يبدأ سيباندا هذا الفصل برصد الحالة الوجدانية التي سبقت الاستقلال، حيث كانت الحرية تُعرف بالسلب، أي غياب المستعمر الأبيض، يقول الكاتب: " إن الحرية لم تكن في عقولنا بناءً لمستقبل جديد بقدر ما كانت هرباً من ماضٍ مؤلم، لقد قدسنا فكرة الخلاص حتى نسينا أن نتساءل عما سنفعله بهذا الخلاص حين نحصل عليه، إننا مثل السجين الذي قضى عمره في زنزانة مظلمة، وحين فُتح الباب عمي بصره بضوء الشمس فبدأ يبحث عن الجدران ليمسح عليها يديه بحثاً عن الأمان المعتاد"  يحلل سيبان...

الذات والمجتمع من فرويد إلى كريستيفا

صورة
   كتاب النظرية الاجتماعية والتحليل النفسي في مرحلة انتقالية: الذات والمجتمع من فرويد إلى كريستيفا للباحث أنتوني إليوت، هذا العمل ليس مجرد سرد تاريخي لتطور الأفكار، بل هو حفر إبستمولوجي عميق في واحدة من أعقد الإشكاليات التي واجهت الفكر الإنساني الحديث: كيف تتشكل الذات من الداخل في ظل قهر البنى الاجتماعية من الخارج؟ إليوت يفكك هذه الثنائية، محاولا إيجاد الجسر المفقود بين اللاوعي الفردي والمؤسسة المجتمعية، منتقلا بنا من حتمية فرويد البيولوجية المأساوية، مرورا بتشاؤمية مدرسة فرانكفورت، وصولا إلى التفكيكية اللغوية عند لاكان، لينتهي بآفاق التحرر والإبداع عند جوليا كريستيفا وكورنيليوس كاستورياديس.  الفصل الأول: سيغموند فرويد وتأسيس الذات المنقسمة يفتتح إليوت كتابه بالعودة إلى الجذور الفرويدية، حيث يرى أن فرويد لم يكتشف اللاوعي فحسب، بل اكتشف الصراع كحالة وجودية أصيلة. يناقش إليوت كيف أن نظرية فرويد تضع الفرد في مواجهة حتمية ومأساوية مع الحضارة، فالحضارة لا تبنى إلا على كبت الغرائز. "إن التحليل النفسي الكلاسيكي يضعنا أمام مفارقة قاسية، فالأنا ليست سيدة في بيتها، والمجتمع الذي نل...

الوعي كحدث كوني

صورة
   واحدة من أعظم المعضلات وأكثرها سحرا في تاريخ الفكر البشري، وهي مسألة الوعي الذي لا يعد مجرد ظاهرة بيولوجية عابرة أو استجابة عصبية ميكانيكية، بل هو في جوهره لحظة فارقة في تاريخ الكون بأسره. إننا عندما نتحدث عن الوعي، فإننا نتحدث عن انفجار داخلي عظيم يوازي في قوته وغموضه الانفجار الكوني العظيم الذي أوجد المادة والمكان والزمان، فكما تمدد الكون في الخارج ليخلق المجرات والنجوم، تمدد الوعي في الداخل ليخلق المعاني والأفكار والتأملات.  إن الكون في حقيقته كان أعمى وأصم حتى بلغ وعيه وذروة إدراكه من خلال الإنسان، الكائن الذي أصبح عين الكون التي يرى بها نفسه، وعقله الذي يتدبر به عظمته. هذه الرؤية الممتدة لا تجعلنا مجرد مراقبين لهذا الوجود، بل تجعلنا نحن الوجود ذاته في حالة يقظة. إن الوعي المتوسع هو رحلة لا تنتهي من إدراك الذات وإدراك ما يحيط بها، رحلة تتجاوز حدود الجسد المادي لتلامس آفاقا غير مرئية. في هذه المساحة الشاسعة من الإدراك، نكتشف الحركة الداخلية المستمرة، حيث الأفكار ليست كيانات صلبة بل هي طاقة في حالة سيولة تامة، تتشكل وتتفكك، تولد وتموت في كل لحظة، في تيار لا ينقطع يشب...

عواطف الأشخاص الطبيعيين أو انفعالات الأسوياء

صورة
  كتاب عواطف الأشخاص الطبيعيين أو انفعالات الأسوياء للعالم والطبيب النفسي والفيلسوف ويليام مولتون مارستون الصادر عام 1928. إن هذا الكتاب ليس مجرد نص علمي عابر، بل هو ثورة فلسفية وسيكولوجية حقيقية تمردت على المدارس التي سادت في مطلع القرن العشرين، وتحديدا مدرسة التحليل النفسي الفرويدية التي استمدت نظرياتها عن الإنسان من خلال دراسة المرضى والمضطربين نفسيا. لقد جاء مارستون ليطرح أطروحة مغايرة تماما، وهي أننا لا يمكننا فهم الطبيعة البشرية إلا من خلال دراسة الأصحاء والأسوياء، ومن هنا تنبع القيمة الفلسفية العظمى لهذا السفر الخالد. هناك حقيقة قد يجهلها الكثيرون، وهي أن مارستون لم يكن مجرد منظر نفسي، بل هو المخترع الأول لجهاز كشف الكذب بناء على تغيرات ضغط الدم الانقباضي، وهو ذاته المبتكر لشخصية المرأة الخارقة في القصص المصورة، وقد وظف كلتا التجربتين لتجسيد نظرياته الفلسفية حول الحقيقة، وقوة الخُضوع الطوعي، والقيادة النسوية التي كان يرى أنها تحمل توازنا انفعاليا أسمى من العدوانية الذكورية. إن فهم هذه الخلفية يجعلنا نقرأ كتابه لا ككلمات مطبوعة، بل كخلاصة حياة عبقري سعى لفهم محركات الروح الإن...

هل المعاناة قَدَرٌ ضروري لاكتمال الوجود الإنساني؟

صورة
  في سكون التأمل وأمام تعقيدات النفس البشرية التي تتأرجح دائما بين سعيها الحثيث نحو السعادة وخوفها الدفين من الألم يقف واحد من أعمق الأسئلة الوجودية وأكثرها إلحاحا عبر تاريخ الفكر الإنساني هل المعاناة قَدَرٌ ضروري لاكتمال الوجود الإنساني؟ وهل هي الشرط الحتمي لولادة المعنى؟  نقف أمام هذا السؤال ليس موقف المنظر المتعالي من برجه العاجي بل موقف المرافق الذي يتفهم ثقل التجربة الإنسانية ويحترمها. إننا نعيش اليوم في عصر استهلاكي بامتياز يسوق للرفاهية المطلقة واللذة المستمرة كغاية عظمى محاولا تخدير كل ألم وإقصاء كل حزن ومتناسيا في غمرة هذا الركض المحموم. أن الروح الإنسانية لا تصقل غالبا إلا في أتون التجارب الكبرى والمحن العميقة إن المعاناة ليست عقابا عبثيا تسلطه الأقدار علينا بل هي في جوهرها مادة خام يمكن للعقل والروح أن يعيدا تشكيلها لتصبح أجنحة للتحليق نحو معنى أسمى وأعمق للوجود. إن استدعاء الفكر الفلسفي في هذا السياق ليس ترفا فكريا للتباهي الأكاديمي بل هو استنجاد بحكمة أولئك الذين سبروا أغوار الألم وخرجوا من لجته بلآلئ الحكمة والبصيرة ولعل أبلغ ما قيل في هذا المقام هو ما سطره الفيل...