مجتمع الاستعراض: رحلة في تفكيك وهم الصورة وسيطرة السلعة
في عالمنا المعاصر حيث تبتلع الشاشات واقعنا وحيث تحولت الحياة اليومية إلى سلسلة لا نهائية من الصور والعروض يأتي كتاب مجتمع الاستعراض للمفكر الفرنسي جي ديبور كصرخة تحذيرية ونبوءة فلسفية تحققت بدقة مرعبة يعتبر هذا الكتاب الذي نشر لأول مرة عام 1967 أحد أهم النصوص المؤسسة للنظرية النقدية الحديثة ومرجعاً أساسياً لفهم آليات السيطرة في المجتمعات الرأسمالية المتقدمة إن الكتاب الذي بين أيدينا يمثل مدخلاً رصيناً لهذا النص المعقد الذي لا يكتفي بنقد الإعلام بل يغوص في عمق الوجود الإنساني الذي تم استلابه لصالح السلعة.
مفهوم الاستعراض ليست مجرد شاشة
يبدأ جي ديبور كتابه بتعريف صادم لمفهوم الاستعراض فهو ليس مجرد مجموعة من الصور أو البرامج التلفزيونية أو الإعلانات كما قد يتبادر للذهن لأول وهلة بل هو علاقة اجتماعية بين الناس تتوسطها الصور يرى ديبور أن الاستعراض هو اللحظة التي تبلغ فيها السلعة احتلالاً تاماً للحياة الاجتماعية بحيث لا يعود الاقتصاد مجرد جزء من الحياة بل يتحول إلى الحياة ذاتها إنها مرحلة متقدمة من الرأسمالية حيث تحول كل ما كان يعاش بشكل مباشر إلى مجرد تمثيل وصورة فالوجود الإنساني تدرج من الكينونة أي أن تكون إلى التملك أي أن تملك وصولاً إلى المرحلة الحالية وهي الظهور أي أن تبدو وتظهر وهذا هو جوهر الاستعراض حيث المظهر هو العملة الوحيدة المتداولة وحيث الحقيقة ليست إلا لحظة من لحظات الزيف.
الفصل الأول انفصال الواقع
في هذا الفصل يؤسس ديبور لنظرية الانفصال حيث يقدم أطروحته بأن المجتمع الحديث يعيش حالة انفصال تام عن واقعه المادي لصالح واقع مصطنع تصنعه منظومة الإنتاج الرأسمالي الاستعراض هنا هو الشمس التي لا تغيب عن إمبراطورية السلبية الحديثة إنه يغطي سطح العالم كله ويستحم في ضوئه الخاص.
من الفصل الأول
كل حياة المجتمعات التي تسود فيها شروط الإنتاج الحديثة تعلن عن نفسها كتراكم هائل للاستعراضات وكل ما كان يعاش على نحو مباشر تباعد في تمثيل فالمشهد ليس مجموعة من الصور بل هو علاقة اجتماعية بين أشخاص تتوسطها الصور المشهد لا يمكن فهمه كإساءة استعمال لعالم البصر ولا كنتاج لتقنيات النشر الكثيف للصور إنه بالأحرى رؤية للعالم قد تحققت فعليا وتمت ولقد أصبحت رؤية العالم هذه موضوعية فالنظرية المادية بحد ذاتها تدخل في المشهد حالما تجد ترجمتها المادية وتتجسد.
يشير ديبور هنا إلى أن الاستعراض ليس غشاوة خارجية بل هو الواقع المادي الجديد لقد تغلغلت الصورة في نسيج العلاقات الإنسانية لدرجة أننا لم نعد نتواصل كبشر بل كصور نمطية وكحسابات رقمية وكتمثيلات للذات عندما يقول أن النظرية المادية تجد ترجمتها يقصد أن الأيديولوجيا الرأسمالية لم تعد مجرد أفكار في الكتب بل أصبحت شوارع ومباني وهواتف ذكية نعيش بداخلها فالزيف أصبح هو الحقيقة المعاشة وهذا ما يجعل الخروج من الاستعراض أمراً في غاية الصعوبة.
الفصل الثاني السلعة كاستعراض
ينتقل ديبور لتحليل الطبيعة الاقتصادية للاستعراض موضحاً كيف تحولت السلعة من مجرد شيء للاستعمال إلى شيء يحمل قيمة سحرية وهمية الاستعراض هو اللحظة التي وصلت فيها السلعة إلى استعمار الحياة الاجتماعية بشكل كلي.
السلعة هي هذا الوهم الفعلي جداً وتلك القوة السحرية البحتة التي تستمد سحرها من كونها نتاج العمل البشري المنسي الاستعراض هو اللحظة التي تبلغ فيها السلعة الاحتلال التام للحياة الاجتماعية فالاستعراض ليس إلا السلعة وقد شغلت كل الحياة الاجتماعية المرئية ليس فقط أن العلاقة بالسلعة هي المرئية بل لا يعود المرء يرى إلا سواها فالعالم الذي يراه المرء هو عالم السلعة.
هنا يطور ديبور مفهوم ماركس عن صنمية السلعة في المجتمعات القديمة كان الإنسان ينتج الأشياء ليستخدمها أما في مجتمع الاستعراض فالأشياء السلع هي التي تدير البشر وتحدد قيمتهم نحن لا نشتري السلعة لمنفعتها المادية بل نشتري الصورة التي تمنحنا إياها المكانة الاجتماعية الشعور بالانتماء السعادة المتوهمة السلعة أصبحت هي العدسة الوحيدة التي نرى من خلالها العالم وعلاقاتنا بالآخرين وحتى علاقتنا بأنفسنا
الفصل الثالث الوحدة والانقسام في الظاهر
يناقش هذا الجزء كيف يوحد الاستعراض المجتمع وفي نفس الوقت يقسمه فهو يخلق وحدة زائفة قائمة على الاستهلاك السلبي بينما يعزل الأفراد عن بعضهم البعض خلف الشاشات وفي المنازل المنعزلة.
إن الانقسام هو الوحدة الوحيدة لكل ما هو موجود في الاستعراض فالاستعراض يجمع المنفصلين ولكن يجمعهم بوصفهم منفصلين إن هذه الوحدة الزائفة التي يطرحها الاستعراض ليست سوى القناع الرسمي للانفصال المعمم فالجمهور الذي يجمع في صالات السينما أو أمام شاشات التلفزيون لا يجمعه شيء سوى كونه معزولاً عن بعضه البعض وعن واقعه.
هذه فكرة عبقرية حول طبيعة التجمعات الحديثة نحن قد نكون ملايين نشاهد نفس الحدث التريند أو البث المباشر لكننا في الحقيقة وحيدون تماماً كل خلف شاشته الاستعراض يجمعنا في حالة من العزلة الجماعية إنه يوحدنا فقط كمستهلكين سلبيين وليس كفاعلين حقيقيين يغيرون الواقع هذه الوحدة القائمة على الانفصال تمنع تشكل أي تضامن حقيقي قد يهدد النظام القائم
الفصل الرابع البروليتاريا كذات وتمثيل
يتطرق ديبور هنا إلى الصراع الطبقي وكيف تم تدجين الطبقة العاملة البروليتاريا من خلال إغراقها في عالم الاستهلاك والصور بحيث نسيت دورها التاريخي في الثورة والتغيير
إن انتصار النظام الاقتصادي القائم هو في تحويل البروليتاريا من ذات فاعلة في التاريخ إلى موضوع للتأمل والاستهلاك لقد تم استبدال الوعي الطبقي بالوعي الاستهلاكي فالصراع الطبقي لم يختف بل تم تحويله إلى صورة تم استيعاب الثورة نفسها وتسليعها لتصبح مجرد موضة أو شعار يباع ويشترى
ينتقد ديبور كيف يقوم النظام الرأسمالي بامتصاص غضب الشعوب عبر تحويل الثورة إلى منتج نرى اليوم صور تشي جيفارا على القمصان كسلعة وتباع شعارات الحرية في إعلانات المشروبات الغازية النظام يحول كل تهديد له إلى سلعة ويبيعه مرة أخرى للثوار وبهذا يفقد الفعل السياسي معناه ويصبح مجرد تمثيل مسرحي داخل الاستعراض
إن كتاب مجتمع الاستعراض ليس نصاً سهلاً بل هو نص كثيف ومراوغ يتطلب قراءة متأنية ورغم أنه كتب قبل عصر الإنترنت إلا أنه يقرأ وكأنه كتب اليوم لوصف السوشيال ميديا والميتافيرس إن نبوءة ديبور تحققت بصورة أكثر توحشاً مما تخيل نحن اليوم لا نعيش فقط وسط الصور بل نحن نصنعها طوال الوقت كل فرد أصبح منتجاً صغيراً للاستعراض عبر حساباته الشخصية يلمع صورته ويسوق لنفسه كسلعة لكن النقد الذي يمكن توجيهه للكتاب هو تشاؤميته المطلقة وإغلاقه لأفق الحلول العملية حيث يبدو الخروج من الاستعراض شبه مستحيل في ظل هذه الهيمنة الكلية كما أن لغته الفلسفية المغلقة قد تجعله نخبوياً في حين أن هدفه هو تحرير الجماهير
الاستيقاظ من الغيبوبة
يمثل كتاب جي ديبور دعوة راديكالية للاستيقاظ إنه يطالبنا بكسر الشاشة ليس بالمعنى الحرفي بل بمعنى استعادة حياتنا المباشرة استعادة التجربة الإنسانية الحية بعيداً عن الوساطة الإعلامية والسلعية إنه يدعونا لأن نكون صانعين للتاريخ لا مجرد مشاهدين له لأن نعيش حياتنا بدلاً من أن نشاهدها تمر أمامنا كفيلم سينمائي إن التحدي الأكبر اليوم هو كيف يمكننا خلق مواقف أصيلة وعلاقات حقيقية في عالم مصمم ليكون زائفاً ومسرحياً
في ظل سيطرة خوارزميات التواصل الاجتماعي التي تحدد لنا ماذا نرى وكيف نشعر ومع تحولنا جميعاً إلى مسوقين لذواتنا بحثاً عن اللايكات والقبول الرقمي هل تعتقد أنه لا يزال بإمكاننا امتلاك تجربة إنسانية أصيلة وحرة أم أننا أصبحنا تروساً واعية تعمل طواعية لصالح استمرار مجتمع الاستعراض الذي حذر منه ديبور

تعليقات
إرسال تعليق