هندسة الروح وعودة الوعي الكلي..خريطة ما بعد الحياة
تعد التجربة الإنسانية رحلة مستمرة من التساؤل حول ما يكمن خلف ستارة الوجود المادي، ولطالما كانت تجربة الاقتراب من الموت إحدى أكثر النوافذ غموضاً وإثارة للجدل في تاريخ الفكر البشري. الصورة التي بين أيدينا ليست مجرد رسم تخطيطي عابر قام به شخص نجا من الموت، بل هي وثيقة فينومينولوجية (ظاهراتية) تحاول أن تترجم اللامرئي إلى لغة الخطوط والأشكال. إن هذا الرسم الذي انتشر كالنار في الهشيم وأصبح حديث العالم الرقمي يحمل في طياته بنية ميتافيزيقية عميقة تتوافق بشكل مذهل مع أمهات الكتب الفلسفية والنظريات الصوفية القديمة. إنها محاولة لتصوير "الكوزمولوجيا الروحية" أو بنية الكون الروحي، حيث يظهر الوجود كشبكة مترابطة من الوعي، وليس كجزر منعزلة. في هذا التقرير، سنغوص في أعماق هذا الرسم، لا لنحكم على صحته العلمية، بل لنستنطق دلالاته الفلسفية من خلال عيون كبار الفلاسفة الذين أفنوا حياتهم في تأمل علاقة الجزء بالكل، والروح بالجسد، والأرضي بالسماوي. سنقرأ هذا الرسم كأنه مخطوطة أفلاطونية مفقودة أو فصل من فصول الحكمة الخالدة، مقسمين طرحنا إلى فصول فكرية تتناول كل جزء من الرسم بعمق واستفاضة.
انتشرت قصة رجل يُدعى يوسف شكور بشكل واسع بعد مشاركته رسماً يدوياً لما يدّعي أنه رآه خلال تجربة اقتراب من الموت. وبدلاً من الكلمات، استخدم الرسوم لوصف هيكل ضخم ومتعدد الطبقات فوق الأرض، حيث كانت الأرواح تصعد عبر لولب متوهج بينما يراقبها آخرون من مستويات أعلى.
الفصل الأول: الروح العليا ووحدة الوجود.. في رحاب إمرسون وأفلوطين
يظهر في أعلى الرسم دائرة ضخمة مشعة كُتب بجوارها "Over-Soul" أو الروح العليا، وهي تفيض بالنور أو الطاقة لتغذي المستويات الأدنى. هذا المفهوم يعيدنا مباشرة إلى الفلسفة المتعالية الأمريكية وإلى الفيلسوف رالف والدو إمرسون، الذي صك هذا المصطلح أو أعاد إحياءه ليشير إلى الوعي الجمعي الذي يربط كل الكائنات. الرسم يجسد فكرة أننا لسنا منفصلين، بل نحن تعبيرات متعددة لجوهر واحد.
يقول رالف والدو إمرسون في مقالته الشهيرة الروح العليا:
نحن نعيش في تتابع، في انقسام، في أجزاء، في ذرات. وفي الوقت نفسه داخل الإنسان توجد روح الكل، الصمت الحكيم، الجمال الكوني، الذي يرتبط به كل جزء وكل ذرة بالتساوي، الأبد الواحد. وهذا الوعي العميق، كونه واحداً في جميع الكائنات، هو ما يمنح العقل والمنطق وحدته المطلقة ونشاطه. الروح العليا هي الضوء الذي يسطع داخلنا، وهي الخلفية لكياننا، وهي الامتداد الذي لا نهاية له. من داخل الإنسان، هناك طبيعة تنظر، وهي ليست طبيعة شخصية أو خاصة، بل هي عالمية، لا يمكن لأحد أن يمتلكها، بل هي التي تمتلكنا. عندما تتنفس الروح من خلال فكري، يصبح فكري عبقرياً، وعندما تتنفس من خلال إرادتي، تصبح إرادتي فضيلة، وعندما تتدفق من خلال عواطفي، تصبح عواطفي حباً.
في ضوء النص:
الرسم يصور تماماً ما وصفه إمرسون. تلك الخطوط النازلة من الشمس الكبرى (الروح العليا) هي تمثيل بصري لما سماه إمرسون "تدفق الروح". هنا ومن خلال تجربته للاقتراب من الموت، لم يرَ نفسه ككيان فردي فانٍ، بل رآها جزءاً من "الكل". الخطوط المتصلة توحي بأن الانفصال وهم، وأن المصدر واحد. هذا يتطابق أيضاً مع فلسفة "الواحد" عند أفلوطين (مؤسس الأفلاطونية المحدثة)، الذي يرى أن الكون كله هو "فيض" عن الواحد المطلق، تماماً كما يفيض النور عن الشمس دون أن ينقص من الشمس شيء. الرسم يوضح أن الكائنات في الأسفل (البشر) ما هم إلا امتدادات لتلك الدائرة العلوية، مما يلغي فكرة العدمية ويؤكد على استمرارية الوجود.
الفصل الثاني: الحبل الفضي وجدلية الاتصال.. بين الميتافيزيقا والتصوف
نلاحظ في الرسم خطوطاً واضحة تربط بين الأجساد البشرية في الأسفل والمصدر العلوي، وقد أشار إلى مصطلح "Silver Strand Connection" أو وصلة الحبل الفضي. هذا المفهوم له جذور عميقة في الأدبيات الباطنية والنصوص الدينية القديمة، ويرمز إلى الرابط الأثيري الذي يضمن استمرار الحياة في الجسد المادي، وعند الموت ينقطع هذا الحبل لتتحرر الروح. وجود هذا التفصيل في رسم لشخص مر بتربة الموت يعطي الرسم بعداً فلسفياً حول طبيعة "الاعتماد الوجودي".
يقول الفيلسوف والمتصوف جلال الدين الرومي في وصف هذا الاتصال الروحي في كتابه المثنوي:
لقد كنتُ معدناً فمتُّ وأصبحتُ نباتاً، ومتُّ كنبات وارتقيتُ إلى الحيوان، ومتُّ كحيوان وصرتُ إنساناً. فمما أخاف؟ متى كنتُ أقل بالموت؟ ومع ذلك، مرة أخرى سأموت كإنسان، لأحلق مع الملائكة المباركين، وحتى من الملائكة يجب أن أعبر. كل شيء هالك إلا وجهه. وحين أضحي بملاكيتي، سأصبح شيئاً لا يسعه الوهم. دعني أعدم، دعني أعدم! فإن العدم ينادي بأرغن النور: إنا إليه راجعون.
في ضوء النص:
الرسم يظهر مستويات متعددة (مستوى البشر، مستوى الانتقال، المستوى المتوسط، ثم الروح العليا). هذا التدرج هو تجسيد بصري لفلسفة "الترقي" التي يتحدث عنها الرومي. الخطوط أو الحبال الفضية في الرسم ليست مجرد روابط ميكانيكية، بل هي قنوات للصيرورة والتحول. الرسم يخبرنا أن الموت ليس نهاية، بل هو انتقال عبر هذا "الحبل" أو القناة من مستوى كثيف (الأرض) إلى مستوى ألطف (المرحلة الانتقالية) وصولاً إلى الفناء في الروح العليا. الفلسفة هنا تقول إن الهوية الإنسانية ليست ثابتة، بل هي سائلة وتتحرك عبر هذه الخيوط صعوداً وهبوطاً. "الحبل الفضي" هو رمز للذاكرة الكونية التي تحفظ هوية الكائن أثناء رحلته من التعدد إلى الوحدة.
الفصل الثالث: أسطورة إير ومسرح الوجود.. العودة إلى أفلاطون
في كتاب الجمهورية لأفلاطون، وتحديداً في الكتاب العاشر، يروي أفلاطون "أسطورة إير"، الجندي الذي مات في المعركة ثم عاد للحياة ليحكي ما رآه في العالم الآخر. الرسم الذي رسمه هذا الرجل المعاصر يكاد يكون تخطيطاً حديثاً لتلك الأسطورة القديمة. يظهر في الرسم حشود من الأرواح في مراحل مختلفة، وهناك من يراقبون، وهناك عملية صعود وهبوط.
من كتاب الجمهورية لأفلاطون (أسطورة إير):
قال إير إنه عندما فارقت روحه جسده، سارت بصحبة حشد كبير حتى وصلوا إلى مكان غريب حيث توجد فجوتان في الأرض متجاورتان، ويقابلهما فجوتان في السماء. وكان القضاة يجلسون بين هذه الفجوات، وبعد أن يصدروا أحكامهم، يأمرون العادلين بأن يسلكوا الطريق إلى اليمين صاعدين عبر السماء، ويعلقون علامات أحكامهم في مقدمتهم. أما الظالمون، فيأمرونهم بسلوك الطريق إلى اليسار هابطين، وهم يحملون علامات أفعالهم خلفهم. وعندما اقترب إير، قيل له إنه يجب أن يكون رسولاً إلى البشر ليخبرهم عن العالم الآخر، وأمروه أن يسمع ويرى كل شيء في ذلك المكان. فرأى الأرواح تغادر بعد الحكم عليها، ورأى أرواحاً أخرى تهبط من السماء، طاهرة ونقية، وأخرى تصعد من الأرض، مغطاة بالغبار والتعب، وكأنها عادت من رحلة طويلة.
في ضوء النص:
عندما ننظر للرسم ونرى منطقة "In Transit" (في مرحلة الانتقال) والمنطقة الوسطى، نجد صدىً مباشراً لوصف أفلاطون. الأرواح التي رآها الرسام ليست ساكنة، بل هي في حركة دؤوبة، بعضها متصل بالأرض وبعضها في طريقه للمصدر. الرسم يجسد "الديناميكية الأخروية"؛ أي أن العالم الآخر ليس مكاناً للسكون الأبدي بقدر ما هو مكان للمراجعة والتنقية (كما يظهر في الطبقات المختلفة). أن الحياة الدنيا والعالم الآخر نظام واحد متكامل، يعمل بآلية دقيقة تشبه الساعة، حيث كل ترس (أو روح) له مساره المحدد ووظيفته ضمن الهيكل العام للوجود.
الفصل الرابع: الشبكة الهولوغرافية والوعي الحديث
بالانتقال إلى الفلسفة المعاصرة ونظريات الوعي الكوانتي، يمكن قراءة نموذج "هولوغرافي" للكون. الفيلسوف والفيزيائي ديفيد بوم تحدث عن "النظام المطوي" و"النظام المنشور". الرسم يظهر الروح العليا كـ "نظام مطوي" يحتوي على كل الاحتمالات، بينما البشر على الأرض هم "النظام المنشور" أو التجلّي المادي لتلك الاحتمالات.
الرسم يطرح سؤالاً جوهرياً حول "الفردية". في الأسفل، يبدو البشر كأفراد منفصلين (كل شخص مرسوم على حدة)، ولكن بمجرد تتبع الخطوط للأعلى، نجد أنهم يلتقون في نقاط تجمع، ثم يصبون جميعاً في المصدر الواحد. هذا يدعم وجهة النظر الفلسفية القائلة بأن "الأنا" هي وهم بصري للوعي. الفيلسوف آلان واتس كان يشبهنا بـ "نتوءات" على سطح المحيط؛ نحن نبدو منفصلين كأمواج، لكننا في الحقيقة حركة المحيط نفسه. الرسم يقول ببساطة: "أنت لست الخيط، أنت الشبكة بأكملها ولكنك تختبر الوجود من خلال نقطة نهاية الخيط".
خارطة الطريق إلى الداخل:
إن هذا الرسم البسيط بقلم على ورقة مسطرة، والذي رسمه رجل عادي بعد تجربة غير عادية، يختزل مكتبات كاملة من الفلسفة والميتافيزيقا. إنه وثيقة بصرية تؤكد أن الحدس البشري، عندما يتحرر من قيود الجسد والمنطق المادي الصارم، يدرك حقائق كونية تتشابه عبر الزمان والمكان. من أفلاطون في اليونان، إلى المتصوفة في الشرق، إلى المتعالين في أمريكا، وصولاً إلى هذا الرجل في عصر الإنترنت، الحقيقة واحدة: هناك مصدر، هناك اتصال، وهناك رحلة عودة.
الرسم يدعونا لإعادة التفكير في حياتنا اليومية. إذا كنا حقاً متصلين بتلك "الروح العليا" عبر "خيوط فضية" غير مرئية، فإن كل فعل نقوم به تجاه الآخرين هو في الحقيقة فعل تجاه أنفسنا، لأننا نلتقي جميعاً في الأعلى. العنف، الحب، الكراهية، والتعاطف، كلها تموجات تنتقل عبر هذه الخيوط لتصل إلى المركز.
إذا كانت هذه الخطوط التي تربطنا بالمصدر موجودة حقاً كما يصور الرسم، وتعمل كقنوات لنقل الوعي والتجربة، فما هي نوعية "البيانات" أو المشاعر التي ترسلها أنت الآن عبر خيطك الخاص إلى الروح العليا؟ هل تغذي المصدر بالنور، أم تثقله بالظلام؟


تعليقات
إرسال تعليق