رمضان: في حضرة المعنى وأمام تجليات الروح والنفس البشرية
في حضرة المعنى وأمام تجليات الروح والنفس البشرية يقف شهر رمضان لا كمجرد شعيرة دينية تعبدية فحسب بل كمحطة وجودية كبرى ومختبر نفسي عميق يعيد تشكيل علاقة الإنسان بذاته وبالمادة وبالزمن إننا حين نتحدث عن رمضان فإننا نناقش جدلية الأزل بين الطين والنفخة وبين الثقل الأرضي والتحليق السماوي وبين حتمية الغريزة وحرية الإرادة. أن هذا الشهر يمثل الفرصة السنوية الأهم لما يمكن تسميته بإعادة الهيكلة الوجودية للكائن البشري حيث تتشابك خيوط علم النفس السلوكي مع الميتافيزيقا لتنسج ثوباً جديداً للوعي الإنساني. إن المدخل الأول لفهم هذا البعد العميق هو فلسفة الإرادة فالإنسان في حالته الطبيعية يقع تحت سطوة ما أسماه الفيلسوف آرثر شوبنهاور إرادة الحياة وهي تلك القوة العمياء التي تدفعنا لإشباع رغباتنا البيولوجية من طعام وشراب وتكاثر للبقاء على قيد الحياة وهنا يأتي الصيام ليمثل ما يمكن أن نطلق عليه الرفض الواعي أو التمرد النبيل ففي اللحظة التي يقرر فيها الصائم الامتناع عن المباحات الضرورية للبقاء هو يمارس أعلى درجات الحرية الإنسانية فالإرادة الحقيقية ليست أن تفعل ما تريد وقتما تريد بل القدرة على ألا تفعل ما...