رمضان: في حضرة المعنى وأمام تجليات الروح والنفس البشرية

 




في حضرة المعنى وأمام تجليات الروح والنفس البشرية يقف شهر رمضان لا كمجرد شعيرة دينية تعبدية فحسب بل كمحطة وجودية كبرى ومختبر نفسي عميق يعيد تشكيل علاقة الإنسان بذاته وبالمادة وبالزمن إننا حين نتحدث عن رمضان فإننا نناقش جدلية الأزل بين الطين والنفخة وبين الثقل الأرضي والتحليق السماوي وبين حتمية الغريزة وحرية الإرادة. أن هذا الشهر يمثل الفرصة السنوية الأهم لما يمكن تسميته بإعادة الهيكلة الوجودية للكائن البشري حيث تتشابك خيوط علم النفس السلوكي مع الميتافيزيقا لتنسج ثوباً جديداً للوعي الإنساني.




إن المدخل الأول لفهم هذا البعد العميق هو فلسفة الإرادة فالإنسان في حالته الطبيعية يقع تحت سطوة ما أسماه الفيلسوف آرثر شوبنهاور إرادة الحياة وهي تلك القوة العمياء التي تدفعنا لإشباع رغباتنا البيولوجية من طعام وشراب وتكاثر للبقاء على قيد الحياة وهنا يأتي الصيام ليمثل ما يمكن أن نطلق عليه الرفض الواعي أو التمرد النبيل ففي اللحظة التي يقرر فيها الصائم الامتناع عن المباحات الضرورية للبقاء هو يمارس أعلى درجات الحرية الإنسانية فالإرادة الحقيقية ليست أن تفعل ما تريد وقتما تريد بل القدرة على ألا تفعل ما تريده غريزتك رغم قدرتك عليه وهنا يتحقق مفهوم السيادة على الذات.

 فالصوم هو إعلان استقلال الروح عن ديكتاتورية الجسد وهو التطبيق العملي لمقولة إيمانويل كانط عن الاستقلال الذاتي حيث يصبح الإنسان مُشرّعاً لنفسه خاضعاً لقانون أخلاقي روحي اختاره بملء إرادته الحرة وليس مدفوعاً بحتمية بيولوجية.




ومن زاوية التزكية التي هي جوهر علم النفس الإسلامي نجد أن أبا حامد الغزالي قد وضع يده على مكمن الداء والدواء في تشريحه للنفس البشرية حيث يرى أن الصوم ليس تعذيباً للجسد بل هو كسر لشوكة الشهوة التي إذا استعرت حجبت العقل والقلب عن رؤية الحقائق وفي هذا السياق يقول الغزالي في نص بديع وعميق يستحق التأمل.

الصوم كسر الشهوة وتطويع النفس الأمارة بالسوء فإن النفس إذا شبعت تمنّت ورغبت وإذا جاعت خشعت وذلت وإنما السعادة كلها في أن يملك الإنسان نفسه والشقوة في أن تملكه نفسه ولذلك قيل إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم فضيقوا مجاريه بالجوع. 

وهذا الاقتباس لا يتحدث عن الجوع الفيزيائي بل عن الجوع الوجودي الذي يخلق فراغاً في المعدة ليمتلئ القلب بالمعنى فالغزالي هنا يؤسس لنظرية في الضبط الانفعالي قبل قرون من ظهور علم النفس الحديث حيث يربط بين الامتلاء المادي والجموح النفسي وبين الخلو المادي والسكينة الروحية.




وإذا انتقلنا إلى الضفة الأخرى حيث علم النفس الحديث نجد أن رمضان يمثل دورة تدريبية مكثفة فيما يعرف بتأجيل الإشباع وهو المؤشر الأقوى على النضج النفسي والذكاء العاطفي فالدراسات السلوكية تؤكد أن القدرة على كبح الاندفاعات الفورية من أجل هدف أسمى ومؤجل هي الفارق الرئيسي بين السلوك الطفولي والسلوك الراشد وفي رمضان يخضع المسلم لتدريب يومي على إعادة برمجة مسارات الدوبامين في الدماغ فبدلاً من الاستجابة الفورية للمثيرات من جوع وعطش وغضب يتعلم الدماغ الصبر والانتظار مما يعزز من قوة قشرة الفص الجبهي المسؤولة عن اتخاذ القرارات والتحكم في السلوك وهذا ما يفسر حالة الصفاء الذهني والهدوء النفسي التي تعقب الأيام الأولى من الصيام بعد أن يتخلص الجسم من أعراض الانسحاب المعتادة.




أما البعد الاجتماعي والسلوكي لرمضان فيتجلى فيما أسماه عالم الاجتماع إميل دوركايم بالوعي الجمعي فالصيام يخلق حالة من التناغم الكوني بين أفراد المجتمع حيث تتوحد المشاعر وتذوب الفوارق الطبقية أمام سطوة الجوع المشترك إن هذه التجربة الفينومينولوجية للجوع تجعل من الألم جسراً للتواصل الإنساني فالغني حين يجوع لا يمارس طقساً شكلياً بل يتذوق وجودياً معاناة الفقير مما يحول الشفقة من فكرة ذهنية مجردة إلى شعور جسدي حارق وهذا ما يفسر ارتفاع معدلات الإيثار والتراحم في هذا الشهر فالمجتمع يتحول إلى جسد واحد يشعر ببعضه البعض ليس مجازاً بل واقعاً بيولوجياً ونفسياً كما أن طقوس الإفطار الجماعي وصلاة التراويح تعيد ترميم النسيج الاجتماعي المتهتك بفعل الفردانية الحديثة وتمنح الفرد شعوراً بالأمان الوجودي داخل الجماعة.




إن تزكية النفس في رمضان ليست عملية سلبية تعتمد على الكف والمنع فقط بل هي عملية إيجابية بنائية فالتخلي يسبق التحلي وكما يقول ابن القيم فإن النفس كالبستان إن لم تزرعها بالحق شغلتك بالباطل والصوم هو عملية تنقية التربة من الحشائش الضارة الغيبة والنميمة والغضب والشهوات المنفلتة لتكون جاهزة لغراس القيم العليا إننا أمام مدرسة لتهذيب الطباع فالسلوك البشري الذي يبدو صلباً وعصياً على التغيير يلين في رمضان بفعل الجو العام والدافعية الداخلية العالية وهذا ما يمنحنا الأمل في قدرة الإنسان على التغيير فمن استطاع أن يغير مواعيد طعامه وشرابه ونومه وهي أعمق العادات البيولوجية قادر بلا شك على تغيير أفكاره وقناعاته وسلوكياته الأخلاقية.




وختاماً لهذا التطواف يمكننا القول إن رمضان هو رحلة العودة إلى المركز هو محاولة جادة لإنقاذ الإنسان من التشيؤ ومن التحول إلى مجرد آلة استهلاكية إنه صرخة الروح في وجه طغيان المادة ودعوة لإعادة ترتيب أولويات الوجود بحيث تتقدم الروح على الجسد والمعنى على المبنى والآخر على الأنا إنه شهر استعادة الكرامة الإنسانية التي تخدشها عبودية العادات وذل الحاجات وفي نهاية هذا الشهر لا يقاس النجاح بمقدار ما فقدناه من وزن أو ما ادخرناه من مال بل بمقدار ما اكتسبناه من سيادة على ذواتنا وبمقدار المساحة التي حررناها في قلوبنا لتسكنها السكينة والنور.




 بعد انقضاء هذه الأيام المعدودات هل نحن نصوم لنقنع أجسادنا بالصمت المؤقت أم نصوم لكي نسمع صوت أرواحنا الذي غيَّبه ضجيج الحياة وهل ستعود تلك القيود التي كسرناها بإرادتنا لتكبيلنا مرة أخرى بمجرد غياب الهلال؟

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

موت إيفان إيليتش للأديب الروسي ليو تولستوي

في ظلال الوعي ورحلة التصالح مع الذات \ ماثيو ماكسويل

استراتيجية تفكيك هيمنة المال واستعادة السيادة البشرية

شفرة أوكام لماذا الحل الأبسط هو الصحيح غالبًا

ظاهرة التفكير الزائد "وباء العصر الصامت"

هندسة الروح وعودة الوعي الكلي..خريطة ما بعد الحياة

مفهوم التدفق (Flow): سيكولوجية السعادة القصوى وآليات الإبداع الفائق

كتاب من أين تأتي الأفكار الجيدة \ ستيفن جونسون

جدلية الحرية والاغتراب بين أريك فروم وكارل يونج

الذكاء العاطفي: مفتاح القيادة، العلاقات الناجحة، والتحكم في الغضب