العزلة الكبرى من تكتل الحضارات إلى زنزانة الأنا: رحلة البشرية في بناء الجدران وتقديس الانفصال
في البدء كان الخوف ثم كانت الجماعة ثم كان الانقسام. إن تاريخ الجنس البشري ليس مجرد سردية للتطور البيولوجي أو التقدم التكنولوجي بل هو في جوهره قصة درامية طويلة ومعقدة عن "رسم الحدود". منذ أن هبط الإنسان الأول إلى وعي الوجود وهو مسكون بهاجس الانتماء وشيطان التميز. إن المفارقة الكبرى في الكينونة البشرية تكمن في ذلك الصراع الأبدي بين حاجتنا البيولوجية للآخرين من أجل البقاء وبين رغبتنا النفسية العميقة في الانفصال من أجل إثبات الذات. نحن كائنات اجتماعية تبني الأسوار وكائنات عاقلة تخترع مبررات الكراهية. هذا التقرير يغوص في أعماق النفس البشرية والتركيبة السوسيولوجية ليشرح لماذا ينقسم العالم من كتل بشرية هائلة تدعى الأمم والأديان مرورا بالطبقات الاجتماعية والمدن المسورة وصولا إلى أصغر وحدة في الوجود وهي "الأنا" المتضخمة. لماذا يتقلص العالم ليصبح "أنا" فقط؟ وكيف تحول الآخر من شريك في الوجود إلى جحيم محتمل؟ سنبحر في رحلة عكسية من الكل إلى الجزء ومن الخارج إلى الداخل لنكتشف كيف أن كل إيديولوجيا وكل دين وكل سور مدينة وكل باب منزل مغلق ليس إلا محاولة يائسة للتعامل مع رعب الوجود وفناء الجسد.
الفصل الأول: الجذور البيولوجية والنفسية للانقسام أو لماذا نحن مبرمجون على التحزب
قبل أن نتحدث عن الأديان والحدود السياسية يجب أن ننظر إلى الدماغ البشري. تشير الدراسات في علم النفس التطوري إلى أن الدماغ البشري تطور ليتعامل مع مجموعات صغيرة لا تتجاوز 150 فردا وهو ما يعرف برقم دنبار. ما زاد عن ذلك يعتبر "غريبا" وربما "هدوا". إن اللوزة الدماغية المسؤولة عن الخوف تنشط تلقائيا عند رؤية شخص من "خارج القبيلة". هذا الأساس البيولوجي هو البذرة الأولى للعنصرية والطائفية. لقد كان الانقسام آلية بقاء ففي الغابة القديمة كان الغريب يحمل المرض أو السلاح ولذلك ترسخ في جيناتنا مبدأ "نحن ضد هم". لكن العقل البشري لم يكتف بالبيولوجيا بل أضاف لها طبقة من "النرجسية". هنا نستحضر مصطلح سيجموند فرويد العبقري "نرجسية الفروق الصغيرة". يلاحظ فرويد أن الكراهية والعنف غالبا ما يكونان أشد ضراوة بين المجموعات المتشابهة جدا (كالطوائف داخل الدين الواحد أو الدول المتجاورة) أكثر مما هي بين المجموعات المتباعدة تماما. السبب هو أن التشابه يهدد الهوية والتميز. لذا نلجأ لتضخيم الفروق الصغيرة وتحويلها إلى خنادق من الدم والبارود لنثبت أننا "مختلفون" و "أفضل".
الفصل الثاني: هندسة الوهم الكبرى الأديان والقوميات كأدوات للفصل والوصل
مع توسع المجتمعات لم تعد القرابة الدموية كافية لربط الملايين فكان لا بد من اختراع "قصص خيالية مشتركة" كما يجادل يوفال نوح هراري. الأديان والقوميات هي "نظم تخيلية" سمحت بالتعاون البشري الواسع ولكن ثمن هذا التعاون كان باهظا وهو خلق "الآخر الكافر" أو "العدو الأجنبي". الدين في جوهره يحمل نزعة شمولية ومطلقة وحين يعتقد الإنسان أنه يمتلك الحقيقة المطلقة فإن كل من يخالفه يصبح تلقائيا في خانة الضلال أو الشر. هذا لا يؤدي فقط للانقسام بل "لنزع الصفة البشرية" عن الآخر. القومية فعلت الشيء نفسه في العصر الحديث حيث استبدلت الإله بالدولة والطقوس بالنشيد والعلم. الفيلسوف الألماني هيغل رأى أن الدولة هي تجسيد للروح المطلقة لكن هذا التجسيد تحول في القرن العشرين إلى آلة طحن حولت البشر إلى وقود للحروب. الانقسام هنا ليس خطأ عابرا بل هو جوهر التصميم فالانتماء لمجموعة "المؤمنين" أو "الوطنيين" يمنح الفرد شعورا بالخلود والسمو وينقذه من تفاهة حياته الفردية وموته الحتمي. وكما يقول إرنست بيكر في كتابه إنكار الموت فإن صراع الجماعات هو صراع على الخلود فالجماعة التي تنتصر يخلد "رمزها" وبالتالي يخلد أفرادها رمزيا.
الفصل الثالث: التشظي الطبقي والعمراني من المدينة المفتوحة إلى "الكومباوند"
حينما استقرت الأمم وهدأت الحروب الدينية نسبيا بدأ نوع آخر من الانقسام أكثر دناءة ومادية وهو الانقسام الطبقي. لم يعد السؤال "ما هو إلهك؟" بل "كم تملك؟". الرأسمالية المتوحشة لم تكتف بخلق فوارق في الثروة بل حولت هذه الفوارق إلى جغرافيا. ظهرت ظاهرة "المدن المسورة" أو المجتمعات المغلقة. هذه الكيانات العمرانية هي التجسيد المادي لرغبة الإنسان الحديث في عزل نفسه عن "الرعاع" أو الطبقات الدنيا. إنها عودة للقبلية ولكن بزي من الإسمنت والأسوار الإلكترونية وكاميرات المراقبة. الفيلسوف والمهندس المعماري بول فيريليو تحدث عن "تسليح المدينة" حيث لم تعد الجدران لحماية المدينة من الغزاة الخارجيين بل لحماية الأغنياء في الداخل من الفقراء في الخارج. هذا الانقسام الطبقي هو شكل متطور من أشكال "الخوف من التلوث" حيث يرى الغني في الفقير تهديدا لرفاهيته ونظافة عالمه المصطنع. هنا يتحول المجتمع من نسيج متداخل إلى جزر معزولة لا يربطها سوى الطرق السريعة وتطبيقات التوصيل مما يعزز عزلة الإنسان وشعوره بأن العالم الخارجي غابة موحشة يجب البقاء بعيدا عنها.
الفصل الرابع: تفتت النواة الأسرة وتذرية المجتمع
حتى الملاذ الأخير للإنسان وهو الأسرة لم يسلم من هذا الطوفان الانقسامي. قديما كانت العشيرة هي الوحدة ثم تقلصت إلى العائلة الممتدة ثم إلى الأسرة النووية (أب وأم وأطفال) وفي عصر الحداثة السائلة كما يسميه زيجمونت باومان بدأت حتى الأسرة النووية في التفكك. النزعة الفردية المتطرفة التي غذتها الليبرالية الحديثة وثقافة الاستهلاك جعلت من "تحقيق الذات" الهدف الأسمى ولو كان على حساب الروابط الأسرية. أصبح الزواج "عقدا للمصلحة المتبادلة" يمكن فسخه بمجرد زوال المنفعة أو الشعور بالملل. المنازل الحديثة صممت لتفصل الأفراد حتى داخل البيت الواحد لكل فرد غرفته وشاشته وعالمه الافتراضي الخاص. انقطع الحوار وحل محله التواصل الرقمي. هذا التفتت الأسري هو المرحلة ما قبل الأخيرة في رحلة العزلة حيث يتم تدريب الفرد منذ الصغر على أن استقلاليته وخصوصيته هما أقدس ما يملك وأن التنازل من أجل الجماعة هو نوع من الضعف أو الخسارة.
الفصل الخامس: الكينونة الفردية وسجن الأنا من "نحن" إلى "أنا" المطلقة
نصل هنا إلى قاع البئر إلى نهاية الرحلة حيث يقف الفرد وحيدا أمام مرآته. في عصر ما بعد الحداثة وعصر وسائل التواصل الاجتماعي وصل الانقسام البشري إلى ذروته الذرية. لم يعد الانقسام بين طوائف بل بين "أفراد". أصبح كل فرد يرى في نفسه "مركز الكون" وما يعرف بـ "الذاتية المفرطة" أو Solipsism النفسي. منصات التواصل الاجتماعي غذت وهما خطيرا وهو أن الفرد هو نجم عرضه الخاص وأن الآخرين مجرد جمهور أو أدوات لتعزيز هذا العرض. تحول "الآخر" من عدو أو صديق إلى "متابع" أو "شيء" يتم استهلاكه. هذه هي الوحدة المطلقة المقنعة بآلاف العلاقات السطحية. الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر قال عبارته الشهيرة "الجحيم هو الآخرون" لكن في عصرنا هذا يمكن تعديلها لتصبح "الجحيم هو الأنا المعزولة". الفردانية المفرطة حولت الإنسان إلى كينونة هشة نرجسية مرعوبة من أي نقد ومنغلقة في فقاعة من الخوارزميات التي لا تريه إلا ما يحب ولا تسمعه إلا صدى صوته. لقد وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها الإنسان عاجزا عن "التعاطف" الحقيقي لأن التعاطف يتطلب الخروج من الذات وهو أمر أصبح شاقا جدا على إنسان العصر الحديث المتمحور حول ذاته.
كتب مرجعية ورؤى فلسفية لفهم هذه الظاهرة:
أولا: كتاب الليفيثان لتوماس هوبز
يقدم هوبز رؤية سوداوية ولكن واقعية للطبيعة البشرية حيث يرى أن حالة الطبيعة هي "حرب الكل ضد الكل". الإنسان في نظر هوبز ذئب لأخيه الإنسان وأن التجمعات البشرية والدول لم تنشأ حبا في الاجتماع بل خوفا من الموت العنيف. الانقسام والتحصن هما الأصل والسلام الاجتماعي هو استثناء مفروض بالقوة.
من الكتاب :
"حياة الإنسان في حالتها الطبيعية منعزلة، فقيرة، مقرفة، بهيمية، وقصيرة".
هذا يفسر لماذا نبني الجدران لأننا لا نثق في نوايا الآخرين العميقة.
ثانيا: كتاب قلق في الحضارة لسيجموند فرويد:
في هذا العمل الخالد يجادل فرويد بأن الحضارة تفرض قيودا صارمة على الغرائز البشرية (الجنس والعدوان) ومقابل الأمن الذي توفره الحضارة يدفع الإنسان ثمنه من سعادته وحريته مما يولد كبتا وعدوانية مكبوتة تنفجر لاحقا في شكل حروب أو كراهية للأقليات. فرويد يرى أن العداء للآخر هو منفذ ضروري لتفريغ غريزة الموت الموجودة بداخلنا.
ثالثا: كتاب الجين الأناني لريتشارد دوكينز
ينقلنا دوكينز من الفلسفة إلى البيولوجيا ليشرح أننا مجرد "آلات بقاء" مبرمجة لخدمة جيناتنا. الإيثار الذي نظهره تجاه أقاربنا هو في الحقيقة "أنانية جينية" لحماية نسخنا الوراثية.
هذا يفسر لماذا يضيق نطاق الولاء كلما ابتعدنا عن الدائرة الجينية القريبة ولماذا ننقسم إلى قبائل وعائلات فالجينات لا تهتم بالبشرية بل تهتم بنفسها فقط.
آراء فلسفية:
الفيلسوف الألماني شوبنهاور قدم تشبيها رائعا يعرف بـ "معضلة القنافذ"
يقول إن البشر يشبهون مجموعة من القنافذ في ليلة شتوية باردة. يقتربون من بعضهم طلبا للدفء (المجتمع) ولكن عندما يقتربون جدا توخزهم أشواك بعضهم البعض (الصراعات والمشاكل) فيبتعدون مجددا ليحاصرهم البرد (الوحدة). وتظل البشرية تتأرجح بين ألم الوخز وبرد العزلة دون أن تجد مسافة وسطى مثالية.
هذا هو ملخص تاريخنا الاجتماعي محاولة فاشلة للاقتراب ومحاولة مؤلمة للابتعاد.
الفيلسوف الوجودي مارتن هايدغر فيرى أن الانخراط في "الهم" (القطيع) يفقد الإنسان "أصالته"
بالنسبة له الانقسام والعودة للذات قد يكون الطريق الوحيد لعيش حياة أصيلة ومواجهة حقيقة الموت بدلا من الذوبان في تفاهة الحديث اليومي للجماعة. لكن هذه الأصالة تؤدي حتما إلى عزلة وجودية قاسية.
الانتحار البطيء عبر الانفصال:
إن المتأمل في مسار التاريخ البشري يرى خطا بيانيا واضحا يتجه نحو تفتيت الكتل الكبيرة إلى كتل أصغر فأصغر. بدأنا كقبائل بشرية هائمة ثم صنعنا الإمبراطوريات ثم فككناها إلى دول قومية ثم قسمنا الدول إلى مدن وطوائف ثم حبسنا أنفسنا في أسر نووية صغيرة وأخيرا انتهى بنا المطاف أفرادا يحدقون في شاشات هواتفهم داخل غرف مغلقة.
يبدو أن "الشرط البشري" محكوم عليه بجدلية التنافر. كلما زاد وعي الإنسان بذاته زادت رغبته في تمييز نفسه عن الآخرين وزاد خوفه منهم. إن التطور التكنولوجي والرفاهية المادية لم يجلبا التقارب بل وفرا الأدوات اللازمة ليعيش كل إنسان في "جزيرته المنعزلة" بكفاءة عالية. لقد انتصرت "الأنا" على "نحن" ولكنها انتصرت لتجد نفسها وحيدة في مواجهة عبثية الوجود. إننا نبني الجدران لنحمي أنفسنا لكننا في الحقيقة نحفر قبورنا الاجتماعية بأيدينا فالإنسان لا يكون إنسانا إلا عبر مرآة الآخر وحين نكسر كل المرايا لا يبقى سوى الفراغ.
إذا كان مسار التطور البشري والحضاري يتجه حتما نحو المزيد من الفردية والعزلة وتقديس "الأنا" وتفكيك الروابط الكبرى فهل نحن سائرون نحو انقراض جنسنا البشري ليس بيولوجيا بل "نفسيا" حيث يتحول العالم إلى مليارات من الزنازين المنفردة المتجاورة التي فقدت القدرة على الحب والتواصل الحقيقي؟ وهل يمكن لإنسان المستقبل أن يتحمل ثقل "الألوهية الفردية" التي صنعها لنفسه أم سينهار تحت وطأة وحدته المجيدة؟

تعليقات
إرسال تعليق