أنطولوجيا التصدع العظيم: جدلية الانهيار الحضاري والترابط العضوي للأزمات العالمية المعاصرة

 





 في تشريح اللحظة التاريخية الراهنة لم يعد بالإمكان النظر إلى أحوال العالم بوصفها سلسلة من الحوادث المنفصلة أو الكوارث العشوائية التي تضرب هنا وهناك بل أصبحنا أمام مشهد بانورامي واحد متصل الحلقات يشكل ما يصطلح عليه فلاسفة السياسة والاقتصاد اليوم بمفهوم الأزمة المتعددة أو البولي كرايسيس إن الواقع المعاصر الذي نعيشه يتجاوز مجرد ك كونه تراكما للأحداث بل هو بنية معقدة وشديدة الهشاشة تتداخل فيها ميكانزمات التدمير الذاتي بشكل عضوي حيث يغذي كل انهيار الانهيار الذي يليه في متوالية هندسية مرعبة. الدلالات التي تربط بين العسكرة المفرطة والاختلال البيئي والتوحش الرأسمالي والهيمنة الرقمية وغضب الشعوب باعتبارها جميعا أضلاع لشكل هندسي واحد آيل للتصدع والسقوط.



الفصل الأول: ميتافيزيقا العنف وعسكرة الوجود البشري 


عندما نتأمل حال العالم اليوم نجد أن الحرب قد غادرت تعريفها الكلاسيكي الذي وضعه كارل فون كلاوزفيتز بوصفها استمرارا للسياسة بوسائل أخرى لتتحول إلى حالة وجودية دائمة ومستقرة أو ما يمكن تسميته بالحرب اللانهائية إن النزعة العسكرية الحديثة لم تعد تكتفي بالسيطرة على الجغرافيا بل تسعى لإفناء إمكانية الحياة ذاتها وهذا ما يقودنا إلى استحضار أطروحات الفيلسوف الألماني غونتر أندرس الذي رأى في كتابه جمود القنبلة أن البشرية قد دخلت مرحلة القدرة المطلقة على التدمير دون أن تمتلك القدرة العقلية والأخلاقية لتخيل حجم هذا الدمار إن وجود الترسانات النووية والأسلحة البيولوجية والتقليدية الفتاكة ليس مجرد أدوات ردع بل هو تعبير عن نيهيليزية عدمية كامنة في قلب الحداثة التقنية حيث يصبح الإنسان مجرد رقم في معادلة لوجستية وضحية محتملة لقرار يتم اتخاذه في غرف مغلقة بعيدة عن أي وازع إنساني وهو ما حذرت منه حنة أرنت حين تحدثت عن تفاهة الشر حيث يصبح القتل عملا بيروقراطيا بحتا منفصلا عن أي شعور بالذنب.



الفصل الثاني: الكابيتالوسين وجدلية الثأر الطبيعي 


إن الحديث عن الأزمة البيئية بمعزل عن النظام الاقتصادي والسياسي هو ضرب من العبث الفكري فما يشهده الكوكب من حرائق وفيضانات وتلوث ليس غضب الطبيعة المجرد بل هو نتاج مباشر لما يسميه عالم الاجتماع جيسون مور بعصر الكابيتالوسين أي العصر الذي تشكلت فيه جيولوجيا الأرض بفعل منطق التراكم الرأسمالي إن المداخن التي تنفث السموم والغابات التي تتحول إلى رماد هي الشاهد الحي على ما أسماه كارل ماركس بالصدع الأيضي أو الميتابوليك ريفت حيث يتم استنزاف التربة والموارد بسرعة تفوق قدرة الطبيعة على تجديد نفسها وهذا يقودنا إلى قراءة كتاب برونو لاتور مواجهة غايا الذي يطرح فكرة أن الأرض لم تعد مجرد مسرح خلفي للأحداث البشرية بل أصبحت فاعلا سياسيا ثائرا ينتقم من محاولات تدجينه والسيطرة عليه إننا نشهد لحظة ارتداد العنف البشري الموجه ضد الطبيعة ليعود إلى الإنسان نفسه في صورة كوارث لا يمكن التنبؤ بها ولا يمكن صدها بأي ترسانة عسكرية.



الفصل الثالث: طغيان التفاوت وهندسة الفقر الممنهج 


في قلب هذا المشهد المتداعي تبرز قضية العدالة التوزيعية كجرح نازف في جسد الإنسانية إن التمركز الهائل للثروة في يد قلة قليلة عالميا مقابل اتساع رقعة البؤس ليس مجرد خلل في السوق بل هو نتيجة حتمية لمنظومة اقتصادية تقوم على ما أسماه الجغرافي ديفيد هارفي التراكم عن طريق السلب حيث يتم انتزاع الثروة من الفضاءات العامة ومن جيوب الفقراء والطبقات العاملة لتصب في خزائن النخب المالية إن هذا الفصل الطبقي الحاد يعيد للأذهان تحليلات توماس بيكيتي في كتابه رأس المال في القرن الحادي والعشرين الذي أثبت بالأرقام أن العائد على رأس المال يتجاوز دائما معدل النمو الاقتصادي مما يعني أن الماضي يلتهم المستقبل وأن الأغنياء يزدادون غنى تلقائيا بينما يغرق الباقون في ديون ودوامات الفقر وهذا الوضع يخلق حالة من الانفصال الشعوري حيث تعيش النخب في أبراج عاجية منفصلة تماما عن الواقع المأساوي الذي يعيشه السواد الأعظم من البشر.



الفصل الرابع: سجن البيانات ومجتمع المراقبة السائلة 


لم تكتف منظومات السيطرة العالمية باحتكار الثروة والسلاح بل امتدت لتشمل العقل والسلوك البشري من خلال شبكات رقمية معقدة تحاصر الفرد من كل جانب وهنا نستحضر مفهوم مجتمع المراقبة للفيلسوف ميشيل فوكو ولكن بصورة أكثر تطورا وفتكا حيث تحولنا من الانضباط الجسدي في السجون والمصانع إلى الانضباط الرقمي عبر الخوارزميات وكما تشرح شوشانا زوبوف في كتابها عصر رأسمالية المراقبة فإن التجربة البشرية ذاتها أصبحت المادة الخام المجانية التي يتم استخراجها وتحليلها وبيعها في أسواق السلوك المستقبلي إن هذه الشبكات العنكبوتية غير المرئية تربط بين كل الأزمات فهي التي توجه الصواريخ وهي التي تدير البورصات المالية وهي التي تتلاعب بالرأي العام مما يجعل الإنسان الحديث يعيش في وهم الحرية بينما هو محاصر ببياناته الخاصة التي تستخدم ضده لترسيخ النظام القائم ومنع أي إمكانية للتغيير الجذري.



الفصل الخامس: سيكولوجية الجماهير بين اليأس والأمل الثوري 


وسط هذه الدوائر المحكمة من النار والحديد والمال والمراقبة تقف الشعوب والجماعات البشرية في حالة من الذهول والغضب المكتوم إن الحركات الجماهيرية التي تملأ الشوارع والساحات هي تعبير عن وصول العقد الاجتماعي القديم إلى نهايته وكما يرى الفيلسوف آلان باديو فإننا نعيش في زمن عودة التاريخ حيث تبحث الشعوب عن فكرة جديدة توحدها ضد هذا التفتت ولكن الخطر يكمن فيما أسماه غوستاف لوبون في سيكولوجية الجماهير من إمكانية انزلاق هذا الغضب نحو الفوضى المدمرة أو وقوعه فريسة للشعبوية إن الجماهير اليوم محاصرة بين مطرقة الأنظمة القمعية وسندان الانهيار الاقتصادي والبيئي وتظل أيديهم المرفوعة معلقة بين كونها إشارة استسلام للقدر المحتوم أو قبضة مقاومة أخيرة تسعى لكسر دائرة الهيمنة.



الفصل السادس: فلسفة التصدع وجماليات النهاية 


إن الخيط الناظم لكل هذه الفصول هو مفهوم التصدع أو الشرخ الذي يضرب عمق البنية الحضارية إن هذا التصدع ليس مجرد عطب فني يمكن إصلاحه ببعض التعديلات السياسية أو التقنية بل هو تصدع أنطولوجي في صلب الوجود البشري الحديث وكما يجادل سلافوي جيجك في كتابه العيش في نهاية الأزمنة فإن النظام العالمي يقترب من نقطة الصفر حيث تتلاقى كل الأزمات لتشكل عاصفة كاملة لا تبقي ولا تذر إن الخطوط الحمراء التي نراها مجازيا في كل مكان من حولنا ليست تحذيرات بل هي إعلان عن أن الزمن القديم قد انتهى وأن محاولة الحفاظ على تماسك النظام الحالي هي محاولة يائسة تشبه محاولة ترميم مبنى يتهاوى أساسه بفعل زلزال إن الجمالية الوحيدة المتبقية في هذا المشهد هي جمالية الحقيقة العارية الحقيقة التي تقول بأننا استهلكنا كل الفرص ولم يعد أمامنا سوى مواجهة مصيرنا المشترك.




 نحو أفق ما بعد الكارثة:

 إن القراءة المتعمقة في ترابط هذه الملفات تقودنا إلى استنتاج واحد حاسم وهو أن البشرية تقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي غير مسبوق فإما الاستمرار في سياسات الإنكار والترقيع التي لن تؤدي إلا إلى تعميق التصدعات وتسريع الانهيار الشامل وإما الشروع في عملية تفكير جذري تعيد تعريف مفاهيم الربح والسيادة والتقدم والعلاقة مع الطبيعة إن هذا التقرير لا يهدف إلى نشر اليأس بقدر ما يهدف إلى تفكيك الأوهام فإدراك حجم الكارثة هو الخطوة الأولى نحو النجاة والترابط بين الاقتصاد والحرب والبيئة يعني أن الحلول يجب أن تكون مترابطة وشاملة أيضا فلا يمكن إنقاذ المناخ دون تفكيك الرأسمالية المتوحشة ولا يمكن إيقاف الحروب دون عدالة اجتماعية عالمية.




 في ضوء هذا التحليل الذي يربط مصير الإنسان بمصير الكوكب وبالنظم الاقتصادية هل يمكن اعتبار أن التصدع والانهيار الذي يلوح في الأفق هو في حد ذاته ضرورة تاريخية ومرحلة تطهير حتمية لا بد منها لكي تولد حضارة إنسانية جديدة أكثر وعيا وعدالة أم أن الاعتقاد بحتمية الانهيار هو استقالة أخلاقية وتخلي عن مسؤولية المقاومة والإصلاح حتى اللحظة الأخيرة؟

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ثقافة النرجسية \ كريستوفر لاش

موت إيفان إيليتش للأديب الروسي ليو تولستوي

استراتيجية تفكيك هيمنة المال واستعادة السيادة البشرية

شفرة أوكام لماذا الحل الأبسط هو الصحيح غالبًا

الإنسان المستلب في قفص الحداثة.. قراءة في فكر إريك فروم

مفهوم التدفق (Flow): سيكولوجية السعادة القصوى وآليات الإبداع الفائق

ظاهرة التفكير الزائد "وباء العصر الصامت"

هندسة الروح وعودة الوعي الكلي..خريطة ما بعد الحياة

نبوءة جان أنوي.. حينما يتحول التلفاز إلى مقصلة للعقل ومقبرة للطفولة

كتاب من أين تأتي الأفكار الجيدة \ ستيفن جونسون