أزمة الزواج في العصر الحديث وتحولات العلاقة بين الرجل والمرأة

 




 تصدع الميثاق الغليظ:

يشهد العصر الحديث تحولات جذرية وعميقة في بنية الأسرة ومفهوم الزواج، لم يعد الزواج ذلك المسار الحتمي والمستقر الذي سارت عليه البشرية لقرون طويلة، بل تحول إلى ساحة للصراع والتجاذبات الفكرية والمادية والقانونية. تبرز في هذا السياق إشكالية كبرى يتم تداولها بكثافة في الأوساط الاجتماعية والفلسفية، وهي دور المرأة المعاصرة والتحولات التي طرأت على شخصيتها ومتطلباتها في عزوف الرجال عن الزواج أو ما يسمى بـ إضراب الرجال. إن الطرح القائل بأن النساء تسببن في إلغاء فكرة الزواج أو تعقيدها ليس مجرد اتهام عابر، بل هو نتيجة رصد لواقع معقد تداخلت فيه المطالب المادية التعجيزية مع القوانين التي غيرت موازين القوى داخل الأسرة، بالإضافة إلى الانفتاح الثقافي الذي غير مفهوم العفة والستر. 



الفصل الأول: الجدار المادي وتناقضات الاستقلال الاقتصادي


يواجه الرجل في المجتمعات العربية تحديدا منظومة مادية معقدة جعلت من الزواج مشروعا تجاريا عالي المخاطر. لم يعد الزواج مجرد ارتباط روحي، بل تحول إلى صفقة مثقلة بالشروط. تبرز هنا إشكالية قائمة المنقولات الزوجية والمهر والشبكة والسكن المستقل بمواصفات عالية. يجادل الكثير من المحللين الاجتماعيين بأن المرأة المعاصرة، أو بالأحرى أهلها ومنظومتها الاجتماعية، يمارسون نوعا من الانفصام المادي. فمن جهة، تطالب المرأة بالمساواة الكاملة مع الرجل في الحقوق، وتخرج للعمل وتستقل بذمتها المالية، ومن جهة أخرى، تتمسك بكافة الامتيازات التقليدية التي كانت تمنح للمرأة التي لا تعمل، مثل إلزام الرجل بالإنفاق الكامل على البيت والزوجة والأولاد، وتجهيز المنزل.

هنا تظهر المعادلة الصعبة: المرأة تريد أن تعمل وتكسب المال، ولكن مالها لها وحدها، بينما مال الزوج لها وللبيت. هذا النموذج الهجين الذي يجمع بين حرية المرأة الغربية والامتيازات المالية للمرأة الشرقية التقليدية، خلق شعورا بالغبن لدى الرجل. فهو مطالب بأن يكون "رجل البيت" عند الدفع، وأن يكون "شريكا متساويا" عند اتخاذ القرار. إن كثرة المطالب المادية، من حفلات زفاف باهظة وشروط سكن تعجيزية، جعلت الرجل ينظر للزواج كعبء اقتصادي لا طائل منه، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية العالمية الصعبة. أصبح الرجل يرى نفسه مجرد "ممول" لمشروع اجتماعي تفقد فيه صلاحياته القيادية بمجرد توقيع العقد.




الفصل الثاني: القوانين وسقوط القوامة وتغول الدولة في الأسرة


لعل أخطر ما واجه مؤسسة الزواج في العقود الأخيرة هو تدخل القوانين الوضعية في صلب العلاقة الزوجية بطريقة أدت، بحسب رأي قطاع واسع من الرجال، إلى نزع القوامة وتجريد الرجل من أدواته في إدارة الأسرة. قوانين الأحوال الشخصية الحديثة في العديد من الدول العربية والغربية مالت كفتها بشكل كبير لصالح المرأة تحت شعار التمكين والحماية، ولكن النتيجة العكسية كانت تخويف الرجال من الارتباط.

ظهور قوانين مثل "الخلع" التي تتيح للمرأة إنهاء الزواج بإرادتها المنفردة مع احتفاظها بجزء كبير من المكتسبات، وقوانين الحضانة التي غالبا ما تحرم الأب من رؤية أطفاله إلا لساعات معدودة في أماكن عامة أشبه بالسجون، وقوانين النفقات التي قد تؤدي بالرجل إلى السجن في حال تعثره ماديا، كل هذا حول الزواج من سكن ومودة إلى "كمين قانوني". أصبحت "قائمة المنقولات" في بعض الدول العربية سيفا مسلطا على رقبة الزوج، حيث يمكن للزوجة في أي لحظة خلاف أن تتهمه بتبديد المنقولات وتزج به في الحبس. هذا الترسانة القانونية جعلت الرجل يشعر أنه الطرف الأضعف، وأن الزواج مغامرة غير محسوبة العواقب قد تنتهي به خلف القضبان أو مفلسا ومحروما من أطفاله، مما دفع الكثيرين لتبني شعار "العزوبية هي الحرية".




الفصل الثالث: انهيار الصورة الذهنية.. العري والاستباحة


من المحاور الشائكة جدا والتي يتم تداولها في علم النفس التطوري وعلم الاجتماع، هو تأثير العري والانفتاح المفرط على قيمة المرأة في عين الرجل وعلى الدافع الغريزي للزواج. قديما، كان الزواج هو السبيل الوحيد للرجل للوصول إلى المرأة، وكان الحجاب والستر يضفيان هالة من القدسية والغموض والجاذبية على المرأة، مما يجعل الرجل يسعى جاهدا ويبذل الغالي والنفيس للظفر بها.


أما في العصر الحديث، ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي وظهور النساء بشكل مستباح ومبتذل، وعرض مفاتنهن للعامة بحثا عن الإعجاب والترند، حدث ما يمكن تسميته "تضخم المعروض ورخص القيمة". يرى الكثير من الرجال أن المرأة التي تعرض جسدها وتفاصيل حياتها للجميع لم تعد تمثل ذلك الكنز المكنون الذي يستحق العناء. لقد أدى هذا "الاستباحة" إلى إشباع بصري مجاني للرجال، مما قلل من الحافز الجنسي والنفسي للزواج. علاوة على ذلك، خلقت هذه الظاهرة أزمة ثقة عميقة؛ فالرجل أصبح يشك في قدرة المرأة المعاصرة، المشبعة بثقافة الاستعراض، على أن تكون أما صالحة وزوجة مخلصة تحفظ بيته وعرضه. إن فكرة "المرأة المتاحة" أو "السهلة" التي يمكن الوصول إليها أو مشاهدتها بضغطة زر، ضربت في مقتل فكرة الزواج كححصن وحيد للعلاقة بين الجنسين، ونتج عن ذلك، للمفارقة، زيادة في التحرش والعلاقات غير الشرعية (الزنا) لأن الروادع الأخلاقية انهارت، والحواجز النفسية تلاشت.




الفصل الرابع: المرأة الغربية والمرأة العربية.. مقارنة مؤلمة


عند عقد مقارنة بين المرأة في أوروبا والمرأة العربية، نجد أن الرجل العربي وقع في فخ مزدوج. في الغرب، ورغم تفكك الأسرة، إلا أن هناك وضوحا في العقد الاجتماعي؛ فالمرأة الغربية عندما تطالب بالمساواة، فهي غالبا تشارك في دفع الفواتير مناصفة (50/50)، ولا تطالب بمهر أو شبكة أو قائمة منقولات، والعلاقة تقوم على الشراكة المادية الكاملة. ومع ذلك، ظهرت في الغرب حركات ذكورية مثل (MGTOW) أي "الرجال الذين يذهبون في طريقهم الخاص" كرد فعل على القوانين النسوية المجحفة هناك أيضا.


أما في العالم العربي، فالمشكلة مركبة. المرأة العربية، متأثرة بالإعلام والمسلسلات والنزعات النسوية المستوردة، تريد "حريات" المرأة الغربية (سفر، عمل، خروج، استقلال بالرأي)، لكنها في الوقت ذاته تتمسك بـ "امتيازات" المرأة الشرقية (نفقة كاملة، مهر، عدم المشاركة في المصاريف). الرجل هنا يجد نفسه أمام شريك يريد كل الحقوق ولا يريد أي واجبات. هذا التشوه في النموذج جعل الرجل العربي ينفر، فهو لا هو تزوج امرأة تقليدية تطيعه وتحفظ بيته مقابل رعايته لها، ولا هو تزوج امرأة غربية تشاركه هموم الحياة المادية مقابل حريتها. هذا التناقض هو أحد أهم أسباب الطلاق السريع والخلع، حيث تكتشف المرأة أن الحرية تتطلب مسؤولية لا تطيقها، ويكتشف الرجل أن القوامة أصبحت تكليفا بلا تشريف.




الفصل الخامس: فلسفة الرفض.. قراءات في كتب 


لم يكن هذا التحول بعيدا عن أعين المفكرين الذين رصدوا تغير طبيعة المرأة وتأثير ذلك على الحضارة.


1. كتاب "الرجل المروض" (The Manipulated Man) للكاتبة إستر فيلار:

تعد إستر فيلار من أهم الأصوات النسائية التي انقلبت على السردية النسوية التقليدية. في كتابها هذا، تجادل فيلار بأن الرجل ليس هو الظالم، بل هو ضحية يتم استغلالها من قبل المرأة. تقول فيلار إن المرأة تستخدم الجنس والعاطفة لترويض الرجل ودفعه للعمل الشاق طوال حياته لتوفير الرفاهية لها ولأطفالها، بينما هي تعيش حياة أكثر راحة. وتضيف أن الرجال يتم برمجتهم اجتماعيا ليروا أن قيمتهم تكمن في مدى قدرتهم على الإنفاق، بينما المرأة لا تحتاج لإثبات شيء سوى وجودها. هذا الكتاب يشرح بعمق لماذا يشعر الرجال اليوم بأنهم مجرد "آلات صرافة" ومصادر للإمداد وليسوا شركاء محبوبين لذواتهم.

2. آرثر شوبنهاور ومقالة "حول النساء":

الفيلسوف الألماني شوبنهاور كان له آراء حادة جدا في طبيعة المرأة. يرى شوبنهاور أن النساء بطبيعتهن يفتقرن للنظرة البعيدة المدى، وأنهن يركزن على اللحظة الحالية والمظاهر. يقول شوبنهاور: "النساء يبقين أطفالا طوال حياتهن"، مشيرا إلى حاجتهن الدائمة للحماية والرعاية دون تقديم مقابل فكري أو منطقي مواز. ورغم قسوة طرحه، إلا أن الكثير من الرجال اليوم يستعيدون مقولاته عند الحديث عن "سطحية" اهتمامات الكثير من الفتيات المعاصرات وتركيزهن على المظاهر (الميك أب، البراندات، حفلات الزفاف الأسطورية) دون الاهتمام بجوهر بناء الأسرة.

3. زيجمونت باومان و"الحب السائل":

في كتابه "الحب السائل"، يتحدث عالم الاجتماع زيجمونت باومان عن هشاشة الروابط الإنسانية في العصر الحديث. يشرح كيف أن العلاقات أصبحت استهلاكية، حيث يبحث الأفراد (رجالاً ونساءً) عن الإشباع الفوري دون تحمل أعباء الالتزام طويل الأمد. هذا يفسر لماذا تفضل النساء اليوم "الوصول لكل شيء" دون تضحية، ولماذا يفضل الرجال الانسحاب بدلا من التورط في علاقة "صلبة" وثقيلة.



يقول نيتشه: "عندما تذهب إلى المرأة، لا تنس السوط". 

ورغم أن هذه العبارة يساء فهمها كثيرا وتؤخذ حرفيا، إلا أن بعض التفسيرات الفلسفية تشير إلى ضرورة الحزم والقيادة عند التعامل مع الطبيعة المتقلبة للمرأة، وهو ما يفتقده الرجل المعاصر الذي كبلته القوانين ونزع سلاحه المعنوي، فأصبح بلا "سوط" ولا سلطة، مما أدى لاختلال التوازن.


وتقول إستر فيلار في اقتباس هام: "الرجل يبحث عن امرأة، والمرأة تبحث عن رجل يبحث عن امرأة". 

مشيرة إلى أن غاية الرجل هي المرأة ذاتها، بينما غاية المرأة هي الوضع الاجتماعي والمميزات التي يوفرها الرجل.




الفصل السادس: الحصاد المر.. عنوسة، تحرش، وانهيار مجتمعي


النتيجة الحتمية لهذا الصراع ليست انتصار طرف على آخر، بل خسارة الجميع. أدى ارتفاع سن الزواج وعزوف الشباب عنه إلى ظاهرة "العنوسة" المتفشية، ليس فقط بين النساء بل بين الرجال أيضا (عنوسة اختيارية). نتج عن ذلك احتقان جنسي وعاطفي هائل في المجتمع. هذا الكبت، بالتوازي مع سهولة الوصول للمحرمات وانتشار صور النساء بملابس فاضحة في الشوارع وعلى الهواتف، أدى إلى انفجار ظواهر سلبية مثل التحرش الجنسي، واللجوء للعلاقات غير الشرعية كبديل سهل ومجاني عن الزواج المكلف والمعقد.


أصبح المجتمع يعيش حالة من السيولة الأخلاقية؛ فالرجل غير قادر على الزواج وغير قادر على غض البصر بسبب التبرج المستشري، والمرأة تشتكي من التحرش وعدم وجود "رجل حقيقي"، بينما هي تساهم بوعي أو بدون وعي في تنفير الرجال من خلال الشروط المادية والسلوكيات الاستهلاكية. لقد تحول الزواج من حل لمشاكل المجتمع (العفة، الاستقرار، الذرية) إلى مشكلة بحد ذاتها يفر منها الجميع.




 هل من سبيل للعودة؟

 أن المحرك الأساسي للأزمة يكمن في تغير "وظيفة" الزواج و"عقيدته" لدى المرأة المعاصرة. عندما تحول الزواج من مودة ورحمة وتكامل أدوار، إلى صراع ندية، واستحقاق مادي، وتهديد قانوني، كان من الطبيعي أن ينسحب الطرف المطالب بالدفع والتحمل (الرجل). إن استعادة مؤسسة الزواج تتطلب ثورة تصحيحية تعيد للمرأة فطرتها في السكن والاحتواء، وتعيد للرجل قوامته وهيبته، وتنسف القوانين والأعراف التي حولت المودة إلى معركة قضائية وتجارية. بدون ذلك، سيتجه العالم نحو مزيد من الفردية، والانقراض البطيء للأسرة النواة، تاركين خلفهم مجتمعاً مفككاً تنهشه الغرائز والوحدة.


في ظل هذا الواقع القانوني والمادي المعقد، هل تعتقد أن الحل يكمن في مقاطعة الزواج تماماً لإجبار المجتمع على تغيير شروطه، أم أن هناك صيغة جديدة للزواج (مثل زواج المسيار أو الزواج المدني المشروط) يمكن أن تكون طوق النجاة للرجل والمرأة في هذا العصر؟

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ثقافة النرجسية \ كريستوفر لاش

موت إيفان إيليتش للأديب الروسي ليو تولستوي

استراتيجية تفكيك هيمنة المال واستعادة السيادة البشرية

شفرة أوكام لماذا الحل الأبسط هو الصحيح غالبًا

الإنسان المستلب في قفص الحداثة.. قراءة في فكر إريك فروم

مفهوم التدفق (Flow): سيكولوجية السعادة القصوى وآليات الإبداع الفائق

ظاهرة التفكير الزائد "وباء العصر الصامت"

هندسة الروح وعودة الوعي الكلي..خريطة ما بعد الحياة

نبوءة جان أنوي.. حينما يتحول التلفاز إلى مقصلة للعقل ومقبرة للطفولة

كتاب من أين تأتي الأفكار الجيدة \ ستيفن جونسون