حراس المعبد الوهمي وهندسة الخوف العكسية.. رحلة في سراديب العقل الباطن

 





هل تساءلت يوماً كم حقيقة دفنها عقلك حيةً لا لأنها خاطئة بل لأنها مرعبة؟ نحن نميل للاعتقاد بأننا نرفض الأفكار لأنها غير منطقية لكن الحقيقة النفسية الأكثر قسوة هي أن المنطق غالباً ما يكون مجرد حارس ليلي يستأجره الخوف. العقل البشري بارع في ممارسة ما يمكن تسميته الهندسة العكسية للرفض حين تواجهنا فكرة تهدد استقرارنا الاجتماعي أو تهز قناعاتنا المريحة لا يعترف العقل بخوفه بل يسارع لنسج مبررات عقلانية محكمة لدفن تلك الفكرة موهماً إيانا بأننا اتخذنا قراراً تحليلياً صائباً. 


المشكلة تكمن في أننا كائنات عاطفية تدعي العقلانية ولسنا كائنات عقلانية تشعر بالعاطفة. إن المعضلة الأساسية هنا ليست في عدم قدرتنا على فهم الحقائق بل في عدم قدرتنا على تحمل تكلفتها النفسية. العقل البشري مصمم بيولوجياً وتطورياً للحفاظ على البقاء والبقاء هنا لا يعني فقط التنفس والأكل بل يعني أيضاً البقاء النفسي والاجتماعي. عندما تقترب منا حقيقة قد تجبرنا على تغيير نمط حياتنا أو الاعتراف بخطأ استمر لسنوات أو مواجهة نبذ محتمل من قبيلتنا الفكرية أو الاجتماعية فإن اللوزة الدماغية المسؤولة عن الخوف تطلق إنذاراً مبكراً قبل أن تصل المعلومة إلى القشرة الجبهية المسؤولة عن التحليل المنطقي. في تلك اللحظة الحرجة يتخلى العقل عن دور القاضي النزيه ويتقمص دور المحامي البارع الذي مهمته الوحيدة هي تبرئة موكله "الأنا" من أي تهمة بالجهل أو الخطأ وتبرير الرفض بأي ثمن. نحن لا نرى العالم كما هو بل نراه كما نحن وكما نخشى أن نكون.


تفاقم هذه الحالة يؤدي بنا إلى العيش في ما أسماه الفلاسفة كهف أفلاطون ولكن بنسخة نفسية معاصرة. إن الخطر الحقيقي لهذه الهندسة العكسية للرفض لا يتوقف عند حد الجهل ببعض الحقائق بل يتعداه إلى تشكيل "الذات الزائفة". عندما ندفن الحقائق المرعبة عاماً تلو الآخر تتراكم هذه الحقائق المكبوتة لتشكل ما أسماه كارل يونغ "الظل". كلما زاد سمك جدران الإنكار التي نبنيها زادت عزلتنا عن الواقع وعن ذواتنا الحقيقية. نصبح أسرى لفقاعات معرفية ننتقي فيها فقط ما يعزز مخاوفنا المقنعة بالمنطق. هذا التفاقم يخلق مجتمعات هشة نفسياً حيث يعتبر أي سؤال عميق تهديداً وجودياً وحيث يتحول الحوار من تبادل للأفكار إلى حرب خنادق للدفاع عن الهويات المهددة. إننا ندفع ضريبة باهظة من صحتنا النفسية لأن الطاقة المستهلكة في كبت الحقيقة أكبر بكثير من الطاقة اللازمة لمواجهتها مما يولد حالات من القلق المزمن والاكتئاب الوجودي غير المفسر والشعور الدائم بعدم الأصالة.


الحل يكمن في ممارسة شجاعة تفكيك الذات أو ما يمكن تسميته "التواضع الراديكالي". إن الخطوة الأولى للشفاء من هذا العمى الطوعي هي الاعتراف بأن شعورنا بالنفور من فكرة ما قد يكون هو الدليل الأقوى على صحتها أو على الأقل على أهميتها. الحل يبدأ بمراقبة "الارتكاس العاطفي"؛ حين تسمع فكرة وتشعر بغضب مفاجئ أو رغبة عارمة في السخرية منها توقف واسأل نفسك: ما الذي يهدده هذا الطرح في كياني؟ هل يهدد صورتي أمام نفسي؟ أم يهدد انتمائي للجماعة؟ يجب علينا تدريب عقولنا على فصل "الفكرة" عن "الهوية". المنهجية العلاجية هنا تتطلب منا أن نستبدل "الرفض التلقائي" بـ "الشك الفضولي". علينا أن نعتنـق مبدأ أن الحقيقة دواء مر وأن الراحة الذهنية غالباً ما تكون علامة على الركود لا على الوصول لليقين. إن النمو النفسي والروحي الحقيقي يحدث فقط في تلك المنطقة غير المريحة حيث تتساقط أوهامنا وتتعرى مخاوفنا أمام نور الوعي.


ومن أهم المؤلفات التي شرحت هذه الظاهرة بعمق كتاب "إنكار الموت" للمفكر إرنست بيكر.

في هذا السفر الفلسفي النفسي العظيم يطرح بيكر أطروحة مزلزلة مفادها أن معظم البناء الحضاري والثقافي والنفسي للإنسان هو مجرد آلية دفاعية ضخمة ومعقدة لإنكار حقيقة فنائنا المرعبة. بيكر يجادل بأننا نرفض الكثير من الحقائق البيولوجية والوجودية ليس لأنها غير منطقية بل لأن قبولها يعني مواجهة عجزنا وتفاهتنا في هذا الكون الشاسع. 

الكتاب يشرح كيف نصنع "مشاريع الخلود" الرمزية وكيف نتمسك بأيديولوجيات قد تكون غير عقلانية تماماً فقط لأنها توفر لنا درعاً واقياً ضد رعب الفناء. قراءة هذا الكتاب تعتبر عملية تعرية قاسية ولكنها شافية للأوهام التي نختبئ خلفها.


كذلك نجد كتاب "التفكير، بسرعة وببطء" لعالم النفس الحائز على نوبل دانيال كانيمان الذي قدم الأساس العلمي العصبي لهذه الظاهرة. 

كانيمان يشرح وجود نظامين للتفكير: النظام الأول السريع والغرائزي والعاطفي والنظام الثاني البطيء والتحليلي والمنطقي. المشكلة التي يطرحها الكتاب هي أننا نستخدم النظام الأول لاتخاذ القرار بناءً على التحيزات والمخاوف ثم نستخدم النظام الثاني فقط لتبرير ما قرره النظام الأول. 

أي أن المنطق يأتي متأخراً ليعطي شرعية لقرار اتخذه الخوف أو الهوى. هذا الكتاب يثبت بالأدلة التجريبية أننا "محامون" عن قناعاتنا ولسنا "علماء" يبحثون عن الحقيقة المجردة.


أما من الناحية الفلسفية البحتة فلا يمكن تجاوز فريدريك نيتشه وكتابه "ما وراء الخير والشر". 

نيتشه كان رائداً في فضح النفس البشرية حين قال إننا غالباً ما نعتنق الأخلاق والمبادئ ليس حباً في الفضيلة بل خوفاً من الحياة أو رغبة في السيطرة. نيتشه يتحدث عن "إرادة الحقيقة" ويتساءل بجرأة: لماذا لا نفضل اللا-حقيقة؟ يرى نيتشه أن قدرة الإنسان على تحمل الحقيقة هي مقياس لقوة روحه وأن الأوهام هي ضرورات بقاء للنفوس الضعيفة التي لا تستطيع التحديق في الهاوية.





الكاتب الروسي فيودور دوستويفسكي في روايته الإخوة كارامازوف: "إن أهم شيء هو ألا تكذب على نفسك. الذي يكذب على نفسه ويصدق كذبته يصل إلى حالة لا يستطيع فيها تمييز الحقيقة لا في داخله ولا من حوله وهكذا يفقد احترامه لنفسه وللآخرين". 

هذا الاقتباس يجسد جوهر "الهندسة العكسية للرفض" حيث يبدأ الأمر بكذبة صغيرة لدفع الخوف وينتهي بفقدان كامل للاتصال بالواقع.


كارل يونغ عالم النفس التحليلي في اقتباس عميق جداً: "لا أحد يصبح مستنيراً بتخيل أشكال من النور ولكن بوعي الظلام. الإجراء الأخير غير سار وبالتالي غير شعبي". 

يونغ هنا يضع يده على الجرح تماماً؛ الوعي والنمو لا يأتيان من الشعور بالرضا والراحة والتحليق في الأفكار السامية بل يأتيان من النبش في "القبو" الخاص بنا ومواجهة تلك الحقائق المرعبة التي دفناها. إن وصفه للعملية بأنها "غير سارة وغير شعبية" يفسر لماذا يختار الغالبية العظمى من البشر طريق الإنكار المريح.




هناك حقيقة واحدة واضحة وهي أن المعركة الحقيقية للإنسان ليست مع العالم الخارجي بل مع حراسه الداخليين. إن النضج الإنساني يقاس بمدى قدرتنا على استضافة الأفكار التي تخيفنا والجلوس معها على طاولة واحدة دون أن نطردهـا فوراً بسياط المنطق المفتعل. إن الحرية الحقيقية هي حرية العقل من استبداد الخوف المقنع. الطريق شاق وموحش ويتطلب جلداً وصبراً ولكنه الطريق الوحيد نحو حياة أصيلة غير مزيفة. تذكر دائماً أن الجدار الذي تبنيه لتحمي نفسك من الحقيقة هو نفس الجدار الذي يحجب عنك ضوء الشمس.




والآن بعد أن قرأت هذا.. ما هي الفكرة الوحيدة التي طرأت على بالك أثناء القراءة وسارعت فوراً لطردها لأنها أشعرتك ببرودة غريبة في قلبك؟


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

موت إيفان إيليتش للأديب الروسي ليو تولستوي

استراتيجية تفكيك هيمنة المال واستعادة السيادة البشرية

شفرة أوكام لماذا الحل الأبسط هو الصحيح غالبًا

مفهوم التدفق (Flow): سيكولوجية السعادة القصوى وآليات الإبداع الفائق

ظاهرة التفكير الزائد "وباء العصر الصامت"

هندسة الروح وعودة الوعي الكلي..خريطة ما بعد الحياة

ثقافة النرجسية \ كريستوفر لاش

كتاب من أين تأتي الأفكار الجيدة \ ستيفن جونسون

جدلية الحرية والاغتراب بين أريك فروم وكارل يونج

العزلة الكبرى من تكتل الحضارات إلى زنزانة الأنا: رحلة البشرية في بناء الجدران وتقديس الانفصال