تجليات الفناء والخلود: ويليام بتلر ييتس
في عام ألفٍ وثمانمئةٍ وتسعةٍ وتسعين، وبينما كان العالم يقف على أعتاب قرن جديد، كان ويليام بتلر ييتس ينسج في مجموعته "الريح بين القصب" عالماً موازياً يمتزج فيه الفلكلور الأيرلندي بالهرمسية السحرية. من خلال قناع "مايكل روبرتس" — تلك الشخصية التي تمثل الجانب الباطني، الغامض، والمتمرد من روح ييتس — نلتقي بنص "Michael Robartes Bids His Beloved Be at Peace". هذه القصيدة ليست مجرد مناجاة غرامية، بل هي "تعويذة" وجودية تهدف إلى عزل المحبوبين عن ضجيج الأكوان المتصارعة. إنها صرخة الكائن الإنشائي الهش في وجه قوى "الطامة" التي تجتاح الوجود.
أسمعُ خيولَ الظلال
أعرافُها الطويلةُ تضطرب
حوافرُها ثقيلةٌ بالصخب
وعيونُها بيضاءُ باللهب
الشمالُ يفسرُ لها: "ليلٌ" أو "موتٌ" أو "نوم"
الشرقُ يصيح: "فرحٌ" أو "نورٌ" أو "حياة"
الغربُ يصيح: "خوفٌ" أو "كآبةٌ" أو "حزن"
الجنوبُ يصيح: "نارٌ" أو "حمى" أو "حب"
يا لعبثِ النوم
والأمل، والحلم، والتوقِ السرمدي
يا نهايةَ السكون
الأمل، الحلم، والتوقِ السرمدي
خيولُ الطامةِ تخوضُ خلالَ الطينِ الكثيفِ الثقيل
يا محبوبتي
أغمضي جفنيكِ
ودعي عينيكِ تنغلقانِ نصفَ إغماضة
وليخفقْ قلبُكِ فوقَ قلبي
وليتساقطْ شعرُكِ فوقَ صدري
مُغرقاً في غسقِ الراحةِ العميقِ ساعةَ الحبِّ الوحيدة
ومُخفياً الأعرافَ المضطربةَ والأقدامَ الصاخبة
حين يدهس المطلقُ الطينَ البشري:
أولاً: رمزية الخيول والجهات الأربع:
يبدأ ييتس برسم لوحة سمعية مرعبة؛ "خيول الظلال" ليست خيولاً مادية، بل هي "القوى العنصرية" التي تحكم الكون. في فلسفة ييتس، تمثل هذه الخيول حتمية التاريخ والقدر. حوافرها "ثقيلة بالصخب" لأنها تحمل وزر الأبدية. استخدام الجهات الأربع (الشمال، الشرق، الغرب، الجنوب) ليس جغرافياً، بل هو إحاطة شاملة بالوجود البشري: الشمال يمثل السكون العدمي والموت، الشرق يمثل الانبعاث المتجدد والحياة، الغرب يمثل الغروب والزوال والكآبة، والجنوب يمثل العاطفة المحرقة والحمى. بجمع هذه الجهات، يعلن ييتس أن الفوضى والاضطراب يحيطان بالإنسان من كل جانب، ولا مهرب منها إلا بالانكفاء نحو الداخل.
ثانياً: فلسفة العبث و"خيول الطامة":
يصرخ ييتس: "يا لعبث النوم، والأمل، والحلم، والتوق السرمدي".
هنا نلمس نزعة عدَمية تتجاوز الرومانسية التقليدية. إن كل المحاولات البشرية للسمو (التوق السرمدي) أو الهروب (النوم والحلم) هي عبثية أمام حقيقة أن "خيول الطامة تخوض خلال الطين الكثيف". الطين الكثيف هو الرمز الييتسي للمادة، للجسد، للواقع الأرضي الثقيل الذي يمنع الروح من التحليق. خوض الخيول في الطين هو تصوير مروع لكيفية قيام القوى الكونية العظمى بدهس المادة البشرية الضعيفة. إنها "الطامة" التي تعني في أصلها اللغوي اليوناني "انفصال النجوم" أو "سقوط القدر"، مما يجعل الكارثة كونية لا مفر منها.
ثالثاً: ستائر الحب والستار الشعري:
الخلاص عند ييتس ليس في المواجهة، بل في "نصف الإغماضة". يطلب من حبيبته — التي هي تجسيد للجمال والملاذ — أن تسدل شعرها فوق صدره. الشعر هنا يتحول إلى "خيمة صوفية"، "غسق عميق" يحجب رؤية الدمار الكوني. إن "ساعة الحب الوحيدة" هي الانتصار الوحيد الممكن على الأبدية الصاخبة. هو لا يبحث عن سلام أبدي، بل عن "ساعة" واحدة يسرقها من بين حوافر الخيول، محاولاً تغييب الوعي بالخطر عبر الالتحام العاطفي.
يرى النقاد أن القصيدة تعكس قلق ييتس الميتافيزيقي من "نهاية الدورة التاريخية"؛ فخيول الطامة هي نذير بدمار الحضارة القديمة وبداية عصر جديد عنيف، وهي فكرة طورها لاحقاً في قصيدته الشهيرة "المجيء الثاني". كما أن القصيدة ترفض المثالية المطلقة؛ فاعتراف ييتس بوجود "الطين الكثيف" هو اعتراف بثقل المعاناة الإنسانية المادية التي لا يمكن للحلم وحده أن يمحوها، بل يحتاج الإنسان فيها إلى "التلامس الجسدي" كدرع أخير. الخلاصة أن القصيدة هي ترويض للرعب بواسطة الجمال، ومحاولة لتخليد اللحظة العاطفية في وجه الإعصار الكوني.
تظل كلمات ييتس في هذه القصيدة منارة لكل روح تشعر بوطأة الوجود. لقد صاغ ييتس ببراعة ذاك التوتر القائم بين "الأحلام الكبرى" و"الواقع المحطم"، ليخبرنا في النهاية أن الحب — رغم هشاشته أمام خيول القدر — هو الستار الوحيد الذي يجعل الحياة قابلة للاحتمال.
في هذا التأمل الأدبي: بعد أن استعرضنا كيف أن "شعر الحبيبة" كان هو الحجاب الذي حمى الشاعر من "رؤية الطامة"، هل تعتقد أن الفن (كالشعر والموسيقى) يقوم بنفس الدور في حياتنا المعاصرة، أم أن "خيول الطامة" في عصرنا الحالي أصبحت أسرع من أن يحجبها أي فن؟

تعليقات
إرسال تعليق