الوعي كحدث كوني
واحدة من أعظم المعضلات وأكثرها سحرا في تاريخ الفكر البشري، وهي مسألة الوعي الذي لا يعد مجرد ظاهرة بيولوجية عابرة أو استجابة عصبية ميكانيكية، بل هو في جوهره لحظة فارقة في تاريخ الكون بأسره. إننا عندما نتحدث عن الوعي، فإننا نتحدث عن انفجار داخلي عظيم يوازي في قوته وغموضه الانفجار الكوني العظيم الذي أوجد المادة والمكان والزمان، فكما تمدد الكون في الخارج ليخلق المجرات والنجوم، تمدد الوعي في الداخل ليخلق المعاني والأفكار والتأملات. إن الكون في حقيقته كان أعمى وأصم حتى بلغ وعيه وذروة إدراكه من خلال الإنسان، الكائن الذي أصبح عين الكون التي يرى بها نفسه، وعقله الذي يتدبر به عظمته. هذه الرؤية الممتدة لا تجعلنا مجرد مراقبين لهذا الوجود، بل تجعلنا نحن الوجود ذاته في حالة يقظة. إن الوعي المتوسع هو رحلة لا تنتهي من إدراك الذات وإدراك ما يحيط بها، رحلة تتجاوز حدود الجسد المادي لتلامس آفاقا غير مرئية. في هذه المساحة الشاسعة من الإدراك، نكتشف الحركة الداخلية المستمرة، حيث الأفكار ليست كيانات صلبة بل هي طاقة في حالة سيولة تامة، تتشكل وتتفكك، تولد وتموت في كل لحظة، في تيار لا ينقطع يشب...