عواطف الأشخاص الطبيعيين أو انفعالات الأسوياء

 






كتاب عواطف الأشخاص الطبيعيين أو انفعالات الأسوياء للعالم والطبيب النفسي والفيلسوف ويليام مولتون مارستون الصادر عام 1928. إن هذا الكتاب ليس مجرد نص علمي عابر، بل هو ثورة فلسفية وسيكولوجية حقيقية تمردت على المدارس التي سادت في مطلع القرن العشرين، وتحديدا مدرسة التحليل النفسي الفرويدية التي استمدت نظرياتها عن الإنسان من خلال دراسة المرضى والمضطربين نفسيا. لقد جاء مارستون ليطرح أطروحة مغايرة تماما، وهي أننا لا يمكننا فهم الطبيعة البشرية إلا من خلال دراسة الأصحاء والأسوياء، ومن هنا تنبع القيمة الفلسفية العظمى لهذا السفر الخالد.



هناك حقيقة قد يجهلها الكثيرون، وهي أن مارستون لم يكن مجرد منظر نفسي، بل هو المخترع الأول لجهاز كشف الكذب بناء على تغيرات ضغط الدم الانقباضي، وهو ذاته المبتكر لشخصية المرأة الخارقة في القصص المصورة، وقد وظف كلتا التجربتين لتجسيد نظرياته الفلسفية حول الحقيقة، وقوة الخُضوع الطوعي، والقيادة النسوية التي كان يرى أنها تحمل توازنا انفعاليا أسمى من العدوانية الذكورية. إن فهم هذه الخلفية يجعلنا نقرأ كتابه لا ككلمات مطبوعة، بل كخلاصة حياة عبقري سعى لفهم محركات الروح الإنسانية.



ينقسم الكتاب في جوهره إلى فصول تتدرج من التشريح العصبي للانفعالات إلى التجليات السلوكية المعقدة، مؤسسا لما يعرف اليوم بنظرية الديسك التي تصنف السلوك الإنساني إلى أربعة أبعاد رئيسية. يبدأ مارستون في فصوله التأسيسية الأولى بوضع القاعدة البيولوجية والعصبية للعواطف، رافضا الثنائية الديكارتية التي تفصل بين الجسد والروح، ومقترحا نظرية الوعي الحركي. يرى مارستون في هذا الجزء أن العاطفة ليست حالة شعورية باطنية غامضة، بل هي حالة وعي تنتج عن نشاط حركي داخل المشابك العصبية في الدماغ.



في هذا السياق التأسيسي، يطرح مارستون اقتباسا بالغ الأهمية حيث يقول:

" إن الانفعالات الأساسية للإنسان السوي ليست استجابات عشوائية لبيئة فوضوية، بل هي آليات بيولوجية محكمة غايتها تحقيق التناغم بين طاقة الفرد وقوى البيئة المحيطة، فالمحرك الأساسي للوعي هو الحركة، والعاطفة هي ترجمة هذا الوعي."

يشرح هذا الاقتباس رؤية مارستون الميكانيكية الحيوية للوجود الإنساني. إنه يرى الإنسان ككائن فاعل يتفاعل مع بيئته، وأن العاطفة هي البوصلة التي توجه هذه الطاقة. لا توجد عاطفة سيئة في حد ذاتها عند الشخص السوي، بل هناك توجيه خاطئ للطاقة، وهذا الرأي يحرر الإنسان من عقدة الذنب تجاه مشاعره الطبيعية.



ينتقل الكتاب بعد ذلك إلى الفصل المخصص للبعد الأول من أبعاد السلوك الإنساني، وهو السيطرة أو الهيمنة. يناقش مارستون في هذا الفصل كيف يتصرف الإنسان السوي عندما يواجه بيئة معادية أو صعبة ويكون هو في موقف أقوى منها. السيطرة هنا تعني النشاط المضاد، حيث يولد الفرد طاقة تفوق طاقة البيئة لتطويعها وتشكيلها حسب إرادته. إنها طاقة البناء والهدم، طاقة القادة والمغيرين.



يقول مارستون في فصل السيطرة:

" إن غاية السيطرة الحقيقية ليست تدمير المعارض، بل تفكيك مقاومته وإعادة هيكلتها لتصبح جزءا من إرادة المسيطر، إن الغلبة هنا ليست انتصارا دمويا، بل هي امتصاص بيولوجي واجتماعي لطاقة الآخر."

 التفسير لهذا الاقتباس يكمن في إدراك مارستون لمفهوم القوة. القوة السوية ليست استبدادا، بل هي قدرة على دمج المتناقضات. إن الشخص المسيطر بشكل طبيعي لا يسعى لإبقاء العالم في حالة صراع دائم، بل يستخدم صراعه النشط لخلق نظام جديد، وهو ما يتوافق مع الديالكتيك الهيجلي حيث ينتج عن صراع الأضداد حالة جديدة أكثر تطورا.



بعدها يغوص الكتاب في فصل التأثير أو الجاذبية، وهو البعد الثاني. هنا يتناول مارستون استجابة الإنسان في بيئة صديقة ومواتية، حيث يكون الفرد نشطا والبيئة إيجابية. العاطفة هنا لا تتجه نحو الكسر والتطويع، بل نحو الجذب والإقناع والتحفيز. إنها طاقة التواصل اللفظي والاجتماعي، حيث يستخدم الفرد سحره الشخصي وحجته لدفع الآخرين نحو التعاون الطوعي.



وقد اقتطفت من هذا الفصل قوله العميق حيث يذكر:

" أن الجاذبية أو التأثير هي القدرة على جعل إرادة الآخر تتماهى مع إرادتك ليس خوفا من عقاب، بل طمعا في نشوة التوافق، إنها السيطرة الناعمة التي تتنكر في زي الصداقة، وتعمل من خلال تحفيز مراكز المتعة العصبية لدى المتلقي."

 نجد أن مارستون هنا يفكك آليات القوة الناعمة قبل أن يصاغ هذا المصطلح عقودا في عالم السياسة والاجتماع. إنه يرى أن الإقناع أداة بقاء أعلى شأنا وأكثر تعقيدا من القوة الغاشمة، لأن التأثير يبني شبكات بقاء مستدامة تعتمد على الرضا المتبادل، مما يعكس فهما عميقا للعقد الاجتماعي.



ثم نصل إلى الفصل الأكثر إثارة للجدل والأكثر عمقا في الكتاب بأكمله، وهو فصل الخُضوع. في هذا الفصل، يقلب مارستون الموازين التقليدية التي تعتبر الخضوع ضعفا أو استكانة. بالنسبة له، الخضوع استجابة طبيعية وسوية لبيئة صديقة أقوى من الفرد. إنه الاستعداد الطوعي للتنازل عن القيادة لمن هو أكثر كفاءة أو حكمة، وهو أساس كل العلاقات الإنسانية العميقة، بما فيها الحب والصداقة الحقيقية والتعلم.


يصيغ مارستون هذه الفكرة في اقتباس صادم ورائع قائلا:

" إن الخضوع الطوعي لقوة خيرة ليس انكسارا للإرادة، بل هو أسمى درجات التحرر العاطفي، ففي قدرة الإنسان على التخلي عن تسلحه الدفاعي وتسليم قياده لمن يثق به، يكمن السر الحقيقي للسلام الداخلي ولتطور النوع البشري بأكمله."

 هذا الاقتباس يأخذنا إلى جذور التصوف والروحانيات الشرقية وحتى الفلسفة الرواقية. مارستون يرى أن مقاومة كل شيء هي إهدار للطاقة، وأن الإنسان السوي يعرف متى يقود ومتى ينقاد. الخضوع هنا هو تسليم للذات في محراب الحب أو الحكمة، وهو قوة بحد ذاته لأنه يتطلب شجاعة هائلة للتخلي عن السيطرة.



أخيرا، يفرد مارستون فصلا شاملا لمناقشة الامتثال أو التوافق. وهو استجابة الإنسان لبيئة معادية أقوى منه، حيث يتبنى الفرد موقفا سلبيا لتجنب الصدام الذي سيخسره حتما. الامتثال هو طاقة الحذر والدقة والالتزام بالقوانين والقواعد لتجنب الخطر. إنه أساس الحضارة المادية والتقدم العلمي الذي يتطلب اتباعا صارما لقوانين الطبيعة دون التمرد عليها.


ومن أجمل ما كتب في هذا الفصل قوله:

" إن الامتثال لقوانين الطبيعة أو المجتمع ليس جبنا، بل هو التكيف الاستراتيجي للعقل المحاصر، إنها القدرة على الانحناء للعاصفة حتى تمر، واختزان الطاقة لفعل قادم، فالقواعد هي الملاذ الآمن لمن يفتقر إلى القوة اللحظية."

 يشير هذا الاقتباس إلى حكمة التكيف الدارويني. الامتثال عند مارستون هو أداة للنجاة، وهو يعلمنا أن الانضباط والخوف المنطقي المبرر هما آليتان تحميان الوجود الإنساني من التهور المدمر.



 بعد ثلاثة عقود من التأمل في هذه النظريات، سؤالا جوهريا ومفتوحا للقارئ: إذا كانت استجاباتنا العاطفية الطبيعية محكومة سلفا بإدراكنا لقوة البيئة من حولنا ومدى وديتها أو عدائيتها وفقا لمصفوفة مارستون، فهل نحن حقا أحرار في انفعالاتنا، أم أننا مجرد آلات حيوية معقدة تنفذ استجابات حتمية لضمان البقاء، وأين يقع الوعي الحر الخالص في خضم هذه الشبكة العصبية الاستجابية؟


 يمكن القول بكل ثقة علمية إن كتاب عواطف الأشخاص الطبيعيين يمثل مرجعا لا غنى عنه لكل من يرغب في فهم الديناميكية الحقيقية للسلوك البشري بعيدا عن عدسات علم الأمراض. لقد نجح ويليام مولتون مارستون في تحويل العواطف من طلاسم غامضة إلى أبعاد حركية يمكن قياسها وفهمها وتوجيهها. إن هذا الكتاب يعلمنا أن السيطرة والتأثير والخضوع والامتثال هي ألوان الطيف التي تشكل النور الأبيض للنفس البشرية السوية، وأنه لا يوجد إنسان كامل يمتلك لونا واحدا، بل إن الصحة النفسية تكمن في القدرة على التنقل بمرونة بين هذه الأبعاد الأربعة وفقا لما تقتضيه لحظة الوجود ومصلحة البقاء والحب. إنها دعوة للتصالح مع ذواتنا ومع طبيعتنا بكل تناقضاتها الجميلة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

في ظلال الوعي ورحلة التصالح مع الذات \ ماثيو ماكسويل

موت إيفان إيليتش للأديب الروسي ليو تولستوي

استراتيجية تفكيك هيمنة المال واستعادة السيادة البشرية

شفرة أوكام لماذا الحل الأبسط هو الصحيح غالبًا

ظاهرة التفكير الزائد "وباء العصر الصامت"

هندسة الروح وعودة الوعي الكلي..خريطة ما بعد الحياة

لماذا تصمت الحملان؟ كيف تدمر ديمقراطية النخبة والنيوليبرالية مجتمعنا وأسس حياتنا

كتاب من أين تأتي الأفكار الجيدة \ ستيفن جونسون

جدلية الحرية والاغتراب بين أريك فروم وكارل يونج

تشريح الظلام البشري بين الميتافيزيقا والنيورولوجيا: كتاب القسوة الشر البشري والدماغ البشري للكاتبة كاثلين تايلور