الوعي كحدث كوني
واحدة من أعظم المعضلات وأكثرها سحرا في تاريخ الفكر البشري، وهي مسألة الوعي الذي لا يعد مجرد ظاهرة بيولوجية عابرة أو استجابة عصبية ميكانيكية، بل هو في جوهره لحظة فارقة في تاريخ الكون بأسره. إننا عندما نتحدث عن الوعي، فإننا نتحدث عن انفجار داخلي عظيم يوازي في قوته وغموضه الانفجار الكوني العظيم الذي أوجد المادة والمكان والزمان، فكما تمدد الكون في الخارج ليخلق المجرات والنجوم، تمدد الوعي في الداخل ليخلق المعاني والأفكار والتأملات.
إن الكون في حقيقته كان أعمى وأصم حتى بلغ وعيه وذروة إدراكه من خلال الإنسان، الكائن الذي أصبح عين الكون التي يرى بها نفسه، وعقله الذي يتدبر به عظمته. هذه الرؤية الممتدة لا تجعلنا مجرد مراقبين لهذا الوجود، بل تجعلنا نحن الوجود ذاته في حالة يقظة. إن الوعي المتوسع هو رحلة لا تنتهي من إدراك الذات وإدراك ما يحيط بها، رحلة تتجاوز حدود الجسد المادي لتلامس آفاقا غير مرئية. في هذه المساحة الشاسعة من الإدراك، نكتشف الحركة الداخلية المستمرة، حيث الأفكار ليست كيانات صلبة بل هي طاقة في حالة سيولة تامة، تتشكل وتتفكك، تولد وتموت في كل لحظة، في تيار لا ينقطع يشبه نهر هرقليطس الذي لا يمكن أن ننزل فيه مرتين.
إن هذا التدفق المستمر للأفكار والمشاعر هو النبض الحقيقي للوجود الداخلي. ومن هنا، ندرك أن الكون ليس مجرد فضاء خارجي شاسع يحيط بنا، بل هو فضاء داخلي أعمق وأكثر تعقيدا يسكن فينا. نحن نحمل في داخلنا قوانين الطبيعة، وإيقاعات النجوم، وصمت الفراغ، وضجيج الانفجارات النجمية، كلها تنعكس في حالاتنا النفسية والروحية.
وفي خضم هذا الاستكشاف، تبرز فكرة الذات العليا، تلك النقطة المركزية الساكنة وسط عواصف الأفكار، الشاهد الصامت الذي يراقب كل شيء دون أن يتأثر به، وهي الذات التي ترتبط مباشرة بما يعرف بالوعي الجمعي، تلك الشبكة غير المرئية التي تربط عقول البشر وتجاربهم ومشاعرهم عبر الزمان والمكان، مما يجعلنا ندرك أننا لسنا جزرا منعزلة، بل قطرات في محيط واحد من الإدراك الكوني.
ولتعميق هذا الفهم، يقول الفيلسوف وعالم الفلك كارل ساغان:
" إننا نتاج الكون، المادة التي شكلت النجوم هي ذاتها التي تجري في عروقنا، نحن طريقة الكون في معرفة نفسه، فمن خلال أدمغتنا، يفكر الكون، ومن خلال أعيننا، يرى الكون جماله الخاص."
هذا الاقتباس ليس مجرد عبارة شعرية، بل هو تلخيص دقيق لفلسفة الوجود والوعي، فهو يلغي الثنائية المفتعلة بين الإنسان والطبيعة، ويؤكد أن الوعي البشري هو أداة كونية بامتياز، وكأن الكون بعد مليارات السنين من التطور الأعمى، قرر أن يخلق مرآة تعكس صورته، وهذه المرآة هي العقل البشري.
وفي السياق ذاته، نجد الإمام علي بن أبي طالب في تراثنا الفلسفي والروحي الإسلامي يقول في أبيات خالدة:
" أتحسب أنك جرم صغير، وفيك انطوى العالم الأكبر، ودواؤك فيك وما تبصر، وداؤك منك وما تشعر."
هذا الاقتباس العظيم يجسد فكرة الميكروكوزم والماكروكوزم، أي العالم الأصغر والعالم الأكبر، فكل إنسان هو كون مصغر، يحتوي في تركيبه المادي والروحي على كل أسرار الكون الواسع، وما الوعي المتوسع إلا محاولة لفك شفرات هذا الكون الداخلي الموازي للكون الخارجي.
ومن منظور الفلسفة التحليلية وعلم النفس العميق، يقدم لنا الفيلسوف والطبيب النفسي كارل غوستاف يونغ رؤية غير مسبوقة عن الوعي الجمعي حين يقول:
" إن وعينا الشخصي ليس سوى طبقة سطحية عائمة فوق محيط شاسع من الوعي الجمعي غير المدرك، وهو خزان ضخم يحتوي على كل التجارب الإنسانية والرموز والأساطير التي ورثناها من أسلافنا منذ فجر البشرية، إننا نتشارك في هذا العمق المظلم والمضيء في آن واحد، وما نعتبره أفكارا فردية أصلية، قد لا يكون سوى انعكاس لتيارات عميقة تسري في هذا المحيط الجمعي."
شرح هذا الاقتباس يقودنا إلى فهم أن الذات العليا ليست منقطعة عن الآخرين، بل هي متجذرة في الإنسانية جمعاء، وأن الحركة الداخلية للأفكار التي تتشكل وتتفكك ليست بمعزل عن تاريخ الفكر البشري بأكمله.
إن الآراء الفلسفية المتعددة حول هذه المسألة تثري نقاشنا، فالمدرسة الفينومينولوجية مع هوسرل وهايدغر ترى الوعي كقصدية مستمرة، أي أن الوعي يجب أن يكون دائما وعيا بشيء ما، مما يؤكد الانخراط المتبادل بين الذات والعالم، بينما تذهب المدرسة الشرقية في الفيدانتا والبوذية إلى أن الوعي النقي هو ما يتبقى عندما تتوقف الأفكار عن التشكل والتفكك، وأن إدراك الفراغ الداخلي هو قمة التماهي مع الكون، في حين ترى الفلسفة العضوية مع وايتهيد أن الكون كله عبارة عن صيرورة وحركة مستمرة من النبضات الواعية التي تتصل وتنفصل.
ضرورة إعادة النظر في ماهية أنفسنا، فلا ينبغي أن ننظر إلى وعينا كمنحة فردية نستخدمها في تسيير شؤوننا اليومية فقط، بل كأمانة كونية ونافذة يطل منها المطلق على المقيد. يطرح العقل المتأمل سؤالا جوهريا يفرض نفسه بقوة، إذا كان الوعي الفردي هو اللحظة التي يدرك فيها الكون ذاته، وإذا كانت أفكارنا هي ذاتها حركة الكون الداخلية المستمرة، فهل يعني الموت الجسدي نهاية هذا الوعي، أم أنه مجرد عودة للقطرة إلى محيط الوعي الجمعي والكوني الأكبر لتتشكل في صور أخرى من الوجود.
أن الإنسان ليس غريبا في هذا الكون، وليس حادثا عرضيا على هامش الزمان والمكان، بل هو الغاية الباطنية للوجود، والمركز الذي تلتقي فيه كل الخطوط. إن انفجار الوعي الداخلي هو المعادل الموضوعي للانفجار العظيم، وكل فكرة تتشكل في عقل الإنسان هي بمنزلة نجم يولد في سماء الكون الداخلي. إن إدراكنا للذات العليا وللوعي الجمعي يحررنا من سجن الأنا الضيقة، ويفتح أمامنا أبوابا لفهم أعمق لحركتنا الداخلية، وللكون الممتد في أعماقنا، في رحلة أبدية لا تتوقف من التجلي والارتقاء.

تعليقات
إرسال تعليق