المشاركات

رمضان: في حضرة المعنى وأمام تجليات الروح والنفس البشرية

صورة
  في حضرة المعنى وأمام تجليات الروح والنفس البشرية يقف شهر رمضان لا كمجرد شعيرة دينية تعبدية فحسب بل كمحطة وجودية كبرى ومختبر نفسي عميق يعيد تشكيل علاقة الإنسان بذاته وبالمادة وبالزمن إننا حين نتحدث عن رمضان فإننا نناقش جدلية الأزل بين الطين والنفخة وبين الثقل الأرضي والتحليق السماوي وبين حتمية الغريزة وحرية الإرادة. أن هذا الشهر يمثل الفرصة السنوية الأهم لما يمكن تسميته بإعادة الهيكلة الوجودية للكائن البشري حيث تتشابك خيوط علم النفس السلوكي مع الميتافيزيقا لتنسج ثوباً جديداً للوعي الإنساني. إن المدخل الأول لفهم هذا البعد العميق هو فلسفة الإرادة فالإنسان في حالته الطبيعية يقع تحت سطوة ما أسماه الفيلسوف آرثر شوبنهاور إرادة الحياة وهي تلك القوة العمياء التي تدفعنا لإشباع رغباتنا البيولوجية من طعام وشراب وتكاثر للبقاء على قيد الحياة وهنا يأتي الصيام ليمثل ما يمكن أن نطلق عليه الرفض الواعي أو التمرد النبيل ففي اللحظة التي يقرر فيها الصائم الامتناع عن المباحات الضرورية للبقاء هو يمارس أعلى درجات الحرية الإنسانية فالإرادة الحقيقية ليست أن تفعل ما تريد وقتما تريد بل القدرة على ألا تفعل ما...

تشريح الظلام البشري بين الميتافيزيقا والنيورولوجيا: كتاب القسوة الشر البشري والدماغ البشري للكاتبة كاثلين تايلور

صورة
  لطالما وقفت طويلاً أمام معضلة "الشر". هل هو كيان خارجي يلوث الروح؟ أم هو خلل وظيفي في الآلة البيولوجية التي نحملها داخل جماجمنا؟ يأتي كتاب "القسوة: الشر البشري والدماغ البشري" لعالمة الأعصاب كاثلين تايلور ليمثل جسراً متيناً وشجاعاً بين الفلسفة الأخلاقية وعلم الأعصاب الحديث. هذا الكتاب ليس مجرد سرد علمي جاف، بل هو رحلة استقصائية وقورة تحاول نزع الغموض عن الجانب المظلم للطبيعة البشرية، لا لتبريره، بل لفهمه، فالفهم هو الخطوة الأولى نحو الطمأنينة والسيطرة.  من شيطنة الشر إلى تشريح القسوة: تبدأ تايلور كتابها بفرضية جريمة فلسفياً وعلمياً، وهي ضرورة التخلي عن مصطلح "الشر" (Evil) لصالح مصطلح أكثر دقة وقابلية للدراسة وهو "القسوة" (Cruelty). تجادل الكاتبة بأن كلمة "شر" هي كلمة "توقف عن التفكير"، فهي تضع ظاهرة ما في صندوق غيبي مغلق يمنعنا من البحث عن أسبابها، وكأننا نقول "لقد فعل ذلك لأنه شرير" ونكتفي، وهذا دوران في حلقة مفرغة لا يفسر شيئاً. أما القسوة، فهي فعل، وسلوك، وعملية يمكن رصدها وتحليل جذورها في الدماغ والمجتمع. الكتا...

في ظلال الوعي ورحلة التصالح مع الذات \ ماثيو ماكسويل

صورة
  كتاب كيفية حمل صرصور للكاتب ماثيو ماكسويل ع مل يبدو في ظاهره بسيطاً كقصص الأطفال ولكنه في جوهره يحمل ثقل المخطوطات الفلسفية العتيقة التي تبحث في معضلة المعاناة والحرية، ليس مجرد كتاب مصور بل هو مانيفستو وجودي يدعونا لاختبار واحدة من أصعب التجارب الإنسانية وهي احتضان ما نرفضه وما نشمئز منه داخل ذواتنا. العنوان بحد ذاته يشكل صدمة معرفية، فالصرصور هنا ليس تلك الحشرة البيولوجية التي تثير التقزز وحسب بل هو الرمز الأبدي لكل ما هو قبيح ومرفوض ومخيف داخل النفس البشرية إنه يمثل الصدمات والمخاوف والذكريات المؤلمة والجانب المظلم الذي دعاه كارل يونغ بالظل. تبدأ رحلتنا مع هذا العمل من مقدمته التي تؤسس لمفارقة الحرية حيث يشير ماكسويل إلى أن هذا الكتاب مخصص لأولئك الذين هم أحرار ولا يعرفون ذلك وهي إشارة مباشرة لفلسفة الرواقية التي ترى أن السجن الحقيقي هو سجن الذهن وأن القيود التي نضعها حول مخاوفنا هي التي تكبلنا لا المخاوف نفسها.  القصة تدور حول بطل بلا اسم قد يكون أنا أو أنت أو أي إنسان يسير في هذا العالم يجد نفسه فجأة في مواجهة صرصور. في الفصول الأولى أو المشاهد الأولى للكتاب نرى تجسيداً...