تشريح الظلام البشري بين الميتافيزيقا والنيورولوجيا: كتاب القسوة الشر البشري والدماغ البشري للكاتبة كاثلين تايلور
لطالما وقفت طويلاً أمام معضلة "الشر". هل هو كيان خارجي يلوث الروح؟ أم هو خلل وظيفي في الآلة البيولوجية التي نحملها داخل جماجمنا؟ يأتي كتاب "القسوة: الشر البشري والدماغ البشري" لعالمة الأعصاب كاثلين تايلور ليمثل جسراً متيناً وشجاعاً بين الفلسفة الأخلاقية وعلم الأعصاب الحديث. هذا الكتاب ليس مجرد سرد علمي جاف، بل هو رحلة استقصائية وقورة تحاول نزع الغموض عن الجانب المظلم للطبيعة البشرية، لا لتبريره، بل لفهمه، فالفهم هو الخطوة الأولى نحو الطمأنينة والسيطرة.
من شيطنة الشر إلى تشريح القسوة:
تبدأ تايلور كتابها بفرضية جريمة فلسفياً وعلمياً، وهي ضرورة التخلي عن مصطلح "الشر" (Evil) لصالح مصطلح أكثر دقة وقابلية للدراسة وهو "القسوة" (Cruelty). تجادل الكاتبة بأن كلمة "شر" هي كلمة "توقف عن التفكير"، فهي تضع ظاهرة ما في صندوق غيبي مغلق يمنعنا من البحث عن أسبابها، وكأننا نقول "لقد فعل ذلك لأنه شرير" ونكتفي، وهذا دوران في حلقة مفرغة لا يفسر شيئاً. أما القسوة، فهي فعل، وسلوك، وعملية يمكن رصدها وتحليل جذورها في الدماغ والمجتمع. الكتاب يدعونا برفق ولكن بحزم لننظر إلى الفظائع البشرية ليس كمس من الجنون أو الشيطان، بل كنتاج لعمليات دماغية تطورية انحرفت عن مسارها أو نَشطت في السياق الخاطئ.
تعريف الوحش الكامن:
في الفصول الأولى، تؤسس تايلور لتعريف القسوة. هي لا تصفها فقط بإيلام الآخرين، بل هي "إيلام غير مبرر للآخرين دون اكتراث بمعاناتهم". وهنا تكمن النقطة الفلسفية الجوهرية: القسوة تتطلب "الآخر". لكي تكون قاسياً، يجب أن تفصل نفسك عن الضحية.
من جوهر طرحها في هذا السياق:
"إن القسوة ليست مجرد حدث عشوائي، بل هي نتاج نظام عقائدي وعصبي يُخرج الضحية من دائرة الالتزام الأخلاقي. نحن لا نكون قساة مع (نحن)، بل نكون قساة مع (هم). تلك اللحظة التي يتوقف فيها الدماغ عن رؤية الشخص المقابل كإنسان مساوٍ، هي لحظة ولادة القسوة".
تشرح تايلور هنا ببراعة كيف أن الدماغ البشري مصمم تطورياً للتعاطف مع "المجموعة الداخلية" (القبيلة، العائلة)، بينما هو مجهز أيضاً لإغلاق هذا التعاطف عندما يواجه "المجموعة الخارجية" التي يراها كتهديد.
آلية التشييء ونزع الإنسانية:
تنتقل الكاتبة إلى واحد من أعمق المفاهيم في الكتاب، وهو "التشييء" (Reification) أو نزع الصفة البشرية. كيف يمكن لإنسان سوي أن يرتكب مجازر؟ الجواب يكمن في الدماغ الذي يصنف الضحية كـ "شيء" أو "حيوان" أو "مرض".
تستخدم تايلور مصطلح "التلوث" (Pollution) لوصف كيف يرى القاسي ضحيته. الضحية ليست مجرد عدو، بل هي "قذارة" يجب تطهير المجتمع منها.
هذا التحليل يفسر لغة الإبادة الجماعية عبر التاريخ التي تصف الآخرين بالصراصير أو الجرذان أو السرطان.
ومن الاقتباسات العميقة التي تلخص هذه الفكرة في الكتاب:
"إن الدماغ البشري بارع بشكل مرعب في إعادة تصنيف الكائنات الحية. عندما نُقنع أنفسنا بأن الآخر يشكل تهديداً لسلامتنا أو نقائنا، فإن اللوزة الدماغية (Amygdala) تنشط استجابات الخوف والغضب، بينما يقوم القشرة الجبهية (Prefrontal Cortex) بتبرير هذا العنف كضرورة أخلاقية. القسوة هنا لا تبدو للفاعل كجريمة، بل كواجب". هذا الطرح يهزنا من الأعماق، لأنه يخبرنا أن القسوة قد ترتدي عباءة الفضيلة في عين صاحبها.
التفسير العصبي: هل الدماغ هو المذنب؟
تخصص تايلور مساحة واسعة للحديث عن "النيورولوجيا" أو علم وظائف الأعضاء. تشرح كيف أن العواطف ليست مجرد "متممات" للقرار، بل هي المحرك الأساسي. القشرة الجبهية، المسؤولة عن الكبح والتحكم والمنطق، قد تفشل في لجم اندفاعات الجهاز الحوفي (Limbic System) المسؤول عن الغرائز البدائية. لكنها تحذرنا من الوقوع في فخ "الحتمية البيولوجية". الدماغ ليس قدراً محتوماً، بل هو عضو مرن يتشكل بالثقافة والتربية.
تقول في جزء محوري من الكتاب ما مضمونه: "إن اكتشاف الأساس العصبي للقسوة لا يعني أننا مسلوبو الإرادة، ولا يعني أن (دماغي هو من فعل ذلك) كعذر مقبول. بل يعني أننا يجب أن ندرك هشاشة آليات الكبح لدينا. إن الثقافة التي تمجد العنف أو تروج للكراهية تقوم فعلياً بإعادة تشكيل الوصلات العصبية في أدمغة أفرادها لتجعل القسوة الطريق الأسهل".
هذا الرأي يمثل قمة الاتزان الفلسفي؛ فهو يجمع بين الحقيقة العلمية والمسؤولية الأخلاقية.
السادية والبرود العاطفي:
تميز الكاتبة بين أنواع القسوة، وتتطرق إلى "السادية" (Sadism) أي التلذذ بالألم، لكنها تشير إلى أن هذا النوع هو الأندر. النوع الأكثر شيوعاً وخطورة هو "القسوة الأداتية" (Instrumental Cruelty)، حيث يُستخدم العنف كوسيلة لتحقيق غاية (مال، سلطة، أمان). هنا يظهر "البرود العاطفي".
المشكلة ليست في وجود رغبة في الإيذاء، بل في "غياب" الرادع الشعوري. تشير تايلور إلى أن الكثير من الفظائع لا يرتكبها ساديون يضحكون وهم يعذبون، بل يرتكبها موظفون بيروقراطيون وجنود "ينفذون الأوامر" وقد عطلوا مؤقتاً نظام التعاطف لديهم. نقتبس روح ما جاء في هذا الفصل:
"إن أخطر أنواع القسوة هي تلك التي تُرتكب بوجوه جامدة وقلوب باردة، حيث يصبح الألم البشري مجرد رقم في معادلة، أو عقبة يجب إزالتها. عندما ينفصل العقل البارد عن القلب الحار، نكون أمام وصفة للكارثة".
هل من أمل؟
تختتم تايلور كتابها بنبرة لا تخلو من التفاؤل الحذر والمطمئن. إذا كانت القسوة نتاجاً لعمليات دماغية واجتماعية، فهذا يعني أنها ليست "لعنة أبدية". يمكننا التدخل. يمكننا تعليم الأدمغة التعاطف كما نعلمها الرياضيات. يمكننا بناء مجتمعات توسع دائرة "نحن" لتشمل البشرية جمعاء، بدلاً من حصرها في القبيلة أو العرق. الفلسفة التي يخرج بها القارئ هي أن الوحش ليس كائناً غريباً، بل هو إمكانية كامنة فينا جميعاً، والوعي بوجوده هو السلاح الأقوى لترويضه. تقول في ختام رحلتها الفكرية ما مؤداه:
"إن فهمنا لجذور القسوة في الدماغ البشري لا يقلل من فداحتها، لكنه يمنحنا الأدوات لمواجهتها. بدلاً من شيطنة الجناة، علينا أن نفهم الظروف والعقائد والعمليات العصبية التي أنتجتهم، لكي نمنع تكرار ذلك. المعرفة هي بداية الرحمة".
إن كتاب كاثلين تايلور "القسوة" هو عمل تأسيسي في مجال "الأخلاق العصبية" (Neuroethics). إنه يخرجنا من السذاجة التي تقسم العالم إلى "أخيار وأشرار" ويضعنا أمام حقيقة أننا جميعاً نمتلك القابلية للقسوة إذا توفرت الظروف البيولوجية والبيئية المناسبة. هذا الطرح، رغم قسوته الظاهرية، هو في الحقيقة مطمئن. لأنه ينقل الشر من عالم الغيبيات المخيف إلى عالم العلم القابل للفهم والمعالجة. الكتاب يدعو للتواضع؛ التواضع أمام تعقيد النفس البشرية، والحذر من يقيننا الأخلاقي الذي قد يكون، للمفارقة، سبباً في قسوتنا تجاه الآخرين المختلفين عنا.
في ضوء ما طرحته تايلور حول سهولة انزلاق الدماغ البشري نحو "تشييء" الآخرين عند الخوف أو الاختلاف، أترككم مع هذا السؤال الجوهري لتختبروا به ذواتكم: متى كانت آخر مرة جردت فيها شخصاً تختلف معه (سياسياً أو فكرياً) من إنسانيته واعتبرته مجرد "مشكلة" أو "خطر" يجب إزالته، وهل تدرك الآن أن هذا التفكير هو البذرة العصبية الأولى للقسوة التي نحذر منها؟

تعليقات
إرسال تعليق