في ظلال الوعي ورحلة التصالح مع الذات \ ماثيو ماكسويل

 





كتاب كيفية حمل صرصور للكاتب ماثيو ماكسويل عمل يبدو في ظاهره بسيطاً كقصص الأطفال ولكنه في جوهره يحمل ثقل المخطوطات الفلسفية العتيقة التي تبحث في معضلة المعاناة والحرية، ليس مجرد كتاب مصور بل هو مانيفستو وجودي يدعونا لاختبار واحدة من أصعب التجارب الإنسانية وهي احتضان ما نرفضه وما نشمئز منه داخل ذواتنا. العنوان بحد ذاته يشكل صدمة معرفية، فالصرصور هنا ليس تلك الحشرة البيولوجية التي تثير التقزز وحسب بل هو الرمز الأبدي لكل ما هو قبيح ومرفوض ومخيف داخل النفس البشرية إنه يمثل الصدمات والمخاوف والذكريات المؤلمة والجانب المظلم الذي دعاه كارل يونغ بالظل.



تبدأ رحلتنا مع هذا العمل من مقدمته التي تؤسس لمفارقة الحرية حيث يشير ماكسويل إلى أن هذا الكتاب مخصص لأولئك الذين هم أحرار ولا يعرفون ذلك وهي إشارة مباشرة لفلسفة الرواقية التي ترى أن السجن الحقيقي هو سجن الذهن وأن القيود التي نضعها حول مخاوفنا هي التي تكبلنا لا المخاوف نفسها. 

القصة تدور حول بطل بلا اسم قد يكون أنا أو أنت أو أي إنسان يسير في هذا العالم يجد نفسه فجأة في مواجهة صرصور. في الفصول الأولى أو المشاهد الأولى للكتاب نرى تجسيداً لمرحلة الإنكار والمقاومة. البطل لا يريد الصرصور إنه يرغب في التخلص منه وطرده أو قتله. هنا يضعنا الكاتب أمام مرآة صادمة لطبيعتنا البشرية فنحن نقضي الشطر الأكبر من حياتنا ونحن نحاول الهروب من مشاعرنا السلبية. 

نقتبس من جوهر هذا الفصل تلك الحالة التي يصف فيها الكاتب ظهور الصرصور حيث يقول ما معناه لقد ظهر فجأة دون دعوة ودون سابق إنذار كضيف ثقيل لا يغادر. 

هذا الاقتباس يجسد طبيعة المعاناة النفسية فهي لا تستأذن ولا تطرق الباب بل تقتحم وعينا عنوة.


من الناحية النفسية يمثل هذا الصرصور ما نسميه في علم النفس التحليلي بالمحتوى المكبوت. محاولة البطل المستمرة لتجاهل الصرصور أو الهرب منه تؤدي لنتيجة عكسية تماماً وهي تضخم حجم الصرصور في عينيه وهيمنته على مساحة حياته. وهنا ننتقل إلى مرحلة أو فصل الصراع حيث يحاول البطل استخدام القوة والسيطرة. 

نجد هنا اقتباساً مفصلياً في المعنى يقول ما مضمونه كلما حاولت إخراجه بالقوة كلما تشبث أكثر وكلما ركضت أسرع وجدته يسبقني هناك. 

هذا النص يشرح بدقة قانون الجهد المعكوس فمقاومة الألم تولد المزيد من الألم ومحاولة الهروب من القلق هي بحد ذاتها قلق. فلسفياً هذا يعيدنا إلى الفكر الطاوي الذي يؤمن بأن المرونة تغلب الصلابة وأن القبول يذيب الصراع.



مع تقدم السرد وتوغلنا في صفحات الكتاب نصل إلى نقطة التحول الكبرى وهي لحظة الانهيار والاستسلام الإيجابي. يدرك البطل أن الصرصور باقٍ وأنه لا مفر منه. في هذا الفصل يتغير التكتيك من المقاومة إلى المراقبة. يبدأ البطل في النظر إلى الصرصور ليس كعدو بل ككيان موجود وحسب. 

يقول النص في إحدى أعمق لحظاته ما معناه نظرت إليه طويلاً حتى تلاشت ملامح الرعب وبقيت ملامح الكائن فقط إنه مجرد صرصور وأنا مجرد إنسان ونحن نتشارك هذا الحيز من الوجود. هذه اللحظة هي ما يطلق عليه الفلاسفة الوجوديون لحظة الأصالة حيث يتوقف الإنسان عن لعب دور الضحية أو الجلاد ويبدأ في رؤية الأشياء كما هي بتجرد ما يسمى بالظاهراتية أو الفينومنولوجيا أي رؤية الظاهرة دون إطلاق أحكام مسبقة عليها.


نصل بعد ذلك إلى ذروة العمل الفلسفية وهي الفصل المتعلق بـ حمل الصرصور. العنوان لم يقل كيف تقتل الصرصور أو كيف تطرد الصرصور بل كيف تحمله. الحمل هنا فعل يتطلب القرب ويتطلب التلامس ويتطلب الحميمية مع الألم. يمد البطل يده ليرفع هذا الكائن المخيف. هذا الفعل يرمز إلى ما يسمى في العلاج النفسي بالتعرض والتقبل الجذري. 

الاقتباس الذي يخلد هذه اللحظة يحمل معنى عميقاً جداً حيث يشير الكاتب إلى أن الرعب لم يكن في الصرصور بل في المسافة التي كانت بيني وبينه، بمجرد أن لمسته اختفت المسافة واختفى الخوف. 

هذا الطرح ينسف فكرة أن الخوف خارجي ويؤكد أنه صناعة داخلية بحتة تعتمد على ابتعادنا عن ذواتنا الحقيقية. عندما نحتضن مخاوفنا فإننا ندمج ظلنا مع نورنا لنصبح كائنات كاملة.



في الفصول الختامية للكتاب نرى تحولاً في العلاقة بين البطل والصرصور. لم يعد الصرصور وحشاً بل صار رفيقاً ومعلماً. يعلمنا الكتاب أن الحرية لا تعني خلو الحياة من الصراصير أو المشاكل أو الأحزان بل تعني القدرة على العيش معها بسلام دون أن نسمح لها بتعكير صفو روحنا. الحرية هي أن تحمل صرصورك بيدك وتبتسم مدركاً أنه لا يملك السلطة لإيذائك إلا إذا منحته أنت تلك السلطة. 

يختتم الكتاب برؤية نورانية حيث يدرك البطل أنه كان حراً طوال الوقت لكنه كان مشغولاً جداً بالخوف من ملاحظة ذلك.



 هذا العمل هو أنه يمثل جرعة دواء مركزة للنفس البشرية المعاصرة الغارقة في وهم السيطرة والكمالية. نحن نعيش في عصر يبيع لنا فكرة السعادة الدائمة والخلو من الألم وهذا الكتاب يأتي ليهدم هذا الصنم ويعلن أن الألم جزء أصيل من التجربة وأن القبح وجه آخر للجمال. قوة الكتاب تكمن في بساطته المخادعة فهو يختزل نظريات معقدة في التحليل النفسي والعلاج بالقبول والالتزام في قصة مصورة يمكن لطفل أن يقرأها ولفيلسوف أن يعتكف عليها. الرسومات في الكتاب بخطوطها غير المكتملة أحياناً وألوانها الترابية تخدم الفكرة تماماً فهي تعكس عدم كمال الحياة وخشونتها.



 إن كتاب كيفية حمل صرصور هو دعوة للتواضع أمام غموض الحياة ودعوة للتوقف عن الهروب. إنه يخبرنا أن الوحوش التي تعيش تحت أسرتنا أو في خزائن عقولنا هي في الحقيقة أجزاء تائهة منا تبحث عن الحب والقبول. عندما نحمل الصرصور فنحن في الحقيقة نحمل أنفسنا بكل عيوبها ونقول لها أنا أقبلك كما أنت.


والآن أتركك عزيزي القارئ مع هذا السؤال للتأمل والذي قد يكون بداية رحلتك الخاصة نحو الحرية ما هو الصرصور الذي تعيش معه الآن وتهرب منه كل يوم وهل تملك الشجاعة لتمتنع عن قتله وبدلاً من ذلك تمد يدك لتحمله برفق وتتعرف عليه؟

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

موت إيفان إيليتش للأديب الروسي ليو تولستوي

استراتيجية تفكيك هيمنة المال واستعادة السيادة البشرية

شفرة أوكام لماذا الحل الأبسط هو الصحيح غالبًا

مفهوم التدفق (Flow): سيكولوجية السعادة القصوى وآليات الإبداع الفائق

ظاهرة التفكير الزائد "وباء العصر الصامت"

هندسة الروح وعودة الوعي الكلي..خريطة ما بعد الحياة

ثقافة النرجسية \ كريستوفر لاش

كتاب من أين تأتي الأفكار الجيدة \ ستيفن جونسون

جدلية الحرية والاغتراب بين أريك فروم وكارل يونج

العزلة الكبرى من تكتل الحضارات إلى زنزانة الأنا: رحلة البشرية في بناء الجدران وتقديس الانفصال