لماذا تصمت الحملان؟ كيف تدمر ديمقراطية النخبة والنيوليبرالية مجتمعنا وأسس حياتنا
لماذا تصمت الحملان؟ كيف تدمر ديمقراطية النخبة والنيوليبرالية مجتمعنا وأسس حياتنا كتاب الفيلسوف وعالم النفس الألماني راينر ماوسفيلد. إن هذا الكتاب ليس مجرد نقد سياسي عابر، بل هو تشريح دقيق للنفس البشرية في ظل آليات التحكم الحديثة، وهو دعوة مطمئنة في جوهرها للاستيقاظ واستعادة إنسانيتنا المسلوبة بوعي وهدوء.
ينطلق ماوسفيلد من تساؤل جوهري وموجع: لماذا تقبل الأغلبية الساحقة من الناس بظروف الاستغلال وانعدام المساواة وتدمير أسس الحياة دون مقاومة تذكر؟ لماذا تتصرف الجماهير كالحملان الوديعة التي تُساق إلى مصيرها بصمت؟ يجيب الكاتب بأن هذا الصمت ليس نابعا من غباء متأصل أو رضا حقيقي، بل هو نتيجة لعملية هندسة نفسية واجتماعية معقدة وطويلة الأمد. لقد استبدلت أنظمة السلطة الحديثة القمع الجسدي الخشن بأدوات قمع نفسي ناعمة وغير مرئية. إن السلطة في عصرنا، وخاصة في ظل ما يسميه ديمقراطية النخبة، أدركت أن السيطرة على العقول أسهل بكثير وأقل تكلفة من السيطرة على الأجساد، وهنا يبرز دور علم النفس الحديث الذي تم توظيفه لخلق حالة من اللامبالاة المدروسة والعجز المُكْتَسَب لدى المواطنين.
يتعمق الكتاب في تفكيك مفهوم الديمقراطية التمثيلية، مشيرا إلى أنها في حقيقتها مجرد واجهة لديمقراطية نخبوية، حيث تم تفريغ المفهوم الأصلي للديمقراطية، والذي يعني حكم الشعب، من مضمونه ليصبح مجرد آلية لاختيار أعضاء النخبة الحاكمة كل بضع سنوات. النيوليبرالية، كما يطرحها ماوسفيلد، ليست مجرد نظام اقتصادي، بل هي أيديولوجيا شمولية تسعى إلى تسليع كل جانب من جوانب الحياة البشرية، وتحويل الإنسان من كائن اجتماعي أخلاقي إلى مجرد مستهلك أو ترس في آلة اقتصادية ضخمة. هذه العملية تؤدي إلى تفتيت المجتمع وعزل الأفراد، مما يجعلهم أكثر عرضة للخوف والقلق، وبالتالي أكثر قابلية للانقياد. يستخدم النظام النيوليبرالي تقنيات مثل إدارة الانتباه، وتوليد الخوف المستمر، وتقييد نطاق النقاش المسموح به، لخلق وهم الحرية. المواطن يعتقد أنه حر لأنه يستطيع الاختيار بين سلع متعددة، أو بين أحزاب سياسية تتبنى نفس الجوهر الاقتصادي، لكنه في الواقع مسلوب الإرادة فيما يخص القرارات المصيرية التي تمس حياته.
ولكي نقترب أكثر من روح هذا العمل، دعونا نتأمل بعض الاقتباسات المركزية التي تعكس عمق الطرح الفلسفي والسيكولوجي لدى ماوسفيلد.
يقول في أحد فصول الكتاب موضحا طبيعة السلطة الخفية:
إن أعمق أشكال السلطة وأكثرها استقرارا هي تلك التي لا يتم إدراكها كسلطة على الإطلاق. إنها السلطة التي تنجح في جعل المقهورين يتبنون وجهة نظر قاهريهم، بل ويعتبرونها النظام الطبيعي والحتمي للأشياء.
هذا المقطع الاستثنائي يتناغم بشكل مذهل مع مفهوم الهيمنة الثقافية لدى غرامشي، ومفهوم السلطة الحيوية لدى ميشيل فوكو. يشرح لنا ماوسفيلد هنا أن العبودية الحديثة هي عبودية طوعية، حيث يتم ترويض العقل ليتقبل القيود باعتبارها ضمانات للأمن، ويتم تزييف الوعي لدرجة أن الحملان لا تدرك وجود السياج من الأساس.
ويستطرد في اقتباس آخر ليصف دور المثقفين ووسائل الإعلام قائلا:
يتمثل الدور الرئيسي لوسائل الإعلام والمؤسسات التعليمية في المجتمعات النيوليبرالية في وضع حدود صارمة لما يمكن التفكير فيه، وتأطير النقاش العام بطريقة تجعل أي بديل جذري للنظام القائم يبدو سخيفا أو مستحيلا. إنهم يخلقون وهما بالنقاش الحيوي والديمقراطي، بينما يتأكدون من أن هذا النقاش لا يمس أبدا مراكز القوة الحقيقية.
من الناحية الفلسفية، هذا الطرح يعيد إلى الأذهان أفكار نعوم تشومسكي حول صناعة الموافقة. إن النظام لا يمنعك من الكلام، بل يجعلك تتكلم في دوائر مفرغة صُمِّمَت خصيصا لاستيعاب غضبك دون إحداث أي تغيير حقيقي.
إنها سيكولوجيا الإلهاء، حيث يتم إغراق العقل بآلاف التفاصيل التافهة أو الصراعات الجانبية، لكي يعجز عن رؤية الصورة الكلية المروعة.
وفي اقتباس يلامس الجانب النفسي العميق، يكتب ماوسفيلد:
إن الشعور بالخوف وانعدام الأمن هو المادة الخام التي تصنع منها الطاعة. من خلال إبقاء الجماهير في حالة دائمة من القلق بشأن مستقبلهم الاقتصادي وأمنهم الشخصي، يتم شل قدرتهم على التضامن والفِعْل السياسي الحقيقي، ليتحول المجتمع إلى جزر معزولة من الأفراد المذعورين الذين يبحثون عن الخلاص الفردي بدلا من التغيير الجماعي.
هنا يشرح لنا الكاتب آلية العجز المتعلم في علم النفس، حيث يتعرض الفرد لصدمات وضغوط مستمرة تجعله يستسلم للاعتقاد بأنه لا يملك أي سيطرة على مصيره.
النيوليبرالية تزرع هذا العجز من خلال سياسات التقشف، وتهديدات البطالة، والأزمات المفتعلة، مما يجعل الإنسان يبحث فقط عن النجاة اليومية بدلا من التفكير في تغيير النظام الذي يخنقه.
عمل راينر ماوسفيلد يشكل جرس إنذار بالغ الأهمية، لكنه ليس دعوة لليأس، بل على العكس تماما، هو دعوة للتحرر. إن فهم آليات التلاعب هو الخطوة الأولى والأهم نحو إبطال مفعولها. عندما ندرك كيف يتم توجيه انتباهنا، وكيف يتم استغلال مخاوفنا، نبدأ في استعادة سيادتنا الفكرية والنفسية. إن التحدي الأكبر الذي يواجهنا في هذا العصر ليس تحديا تكنولوجيا أو اقتصاديا فحسب، بل هو تحد روحي وأخلاقي يتعلق بقدرتنا على إعادة اكتشاف روابطنا الإنسانية، وبناء مساحات حقيقية للتضامن والحوار خارج الأطر التي تفرضها النخبة.
لا يجب أن نخاف من هذا التحليل القاسي للواقع، فالحقيقة، وإن كانت مؤلمة في البداية، هي الدواء الوحيد الذي يشفينا من أوهامنا.
يقدم هذا الكتاب مرآة قوية نرى فيها واقعنا السياسي والاجتماعي دون مساحيق تجميل. إنه يطالبنا بالتخلي عن سلبية الحملان، واستعادة شجاعة الكائنات المفكرة الحرة. إن الديمقراطية الحقيقية ليست منحة تأتي من الأعلى، بل هي ممارسة يومية للوعي والنقد البناء والمطالبة بالحق في تشكيل مصيرنا المشترك. إن النيوليبرالية قد تبدو قوة لا تقهر، لكنها تعتمد في استمرارها بالكامل على وهمنا واعترافنا بها، وبمجرد أن نسحب هذا الاعتراف الواهم، يبدأ البناء بأكمله في التهاوي.
والآن، وبعد هذه الرحلة الهادئة والعميقة في دهاليز هذا الكتاب الثري، في ظل هيمنة وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام الحديث، ما هي الخطوات العملية والنفسية التي يمكن للفرد منا اتخاذها لحماية عقله من التلاعب الممنهج، والبدء في بناء وعي نقدي مستقل يرفض أن يكون مجرد حمل صامت؟

تعليقات
إرسال تعليق