التلاقي الوجودي و تقويم السلوك البشري
إن دراسة السلوك البشري ليست مجرد رصد للأفعال الظاهرة، بل هي غوص في أعماق المحركات الأولية التي تشكل هوية الإنسان. على مر العصور، لم تكن الأديان والفلسفات مجرد نظريات مجردة، بل كانت مختبرات حقيقية لصناعة "الإنسان السوي". العلاقة العضوية بين الوحي السماوي، والمنطق الفلسفي، والتحليل النفسي، وكيف تضافرت هذه الروافد لتهذيب الغريزة وتحويلها إلى قيم سامية تجعل الحياة ممكنة وأكثر جودة.
المحور الأول: الهيكل الديني وتقويم السلوك عبر الوحي
تمثل الأديان الثلاثة الكبرى المرجعية الأخلاقية الأولى التي نقلت السلوك البشري من العفوية والبدائية إلى الانضباط والقداسة. في الرؤية الإسلامية، يُعتبر السلوك ثمرة لعملية "التزكية"، وهي عملية هندسية تهدف إلى تطهير الباطن لينعكس بصلاح على الظاهر.
يقول النص القرآني في سورة الشمس: "قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا" (الآيات 9-10).
هنا نجد أن الفلاح مرتبط بالعمل السلوكي الواعي، فالتزكية هي كفاح مستمر ضد الرغبات الدنيا للوصول إلى مرتبة "النفس المطمئنة". هذا النموذج حوّل المجتمعات من التناحر القبلي إلى مفهوم "الأمة" القائم على العدل والرحمة، حيث يُصبح السلوك الفردي ميثاقاً مع الخالق.
أما في المنظور المسيحي، فإن تقويم السلوك ينبع من قوة "المحبة" كفعل تحويلي جذري. لم يكتفِ الوحي المسيحي بطلب الكف عن الأذى، بل ارتقى بالسلوك إلى مستوى التضحية والإيثار.
نجد هذا التجلي في موعظة الجبل في إنجيل متى (5: 44): "أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ".
هذا التوجيه ليس مجرد وعظ عاطفي، بل هو استراتيجية سلوكية لكسر دورة العنف وتأصيل السلام الداخلي كقوة اجتماعية قادرة على جعل الحياة أكثر طمأنينة وتقبلاً للآخر.
وفي التراث اليهودي، يتجلى السلوك في مفهوم "العمل والوصية"، حيث تُقدس الحياة عبر "الميتزفاه" أو الفعل الصالح. السلوك هنا هو تجسيد للعدالة الأرضية التي تعكس إرادة السماء.
كما جاء في سفر التثنية (16: 20): "الْعَدْلَ الْعَدْلَ تَتَّبِعُ، لِكَيْ تَحْيَا وَتَمْلِكُ الأَرْضَ". تكرار كلمة العدل يشير إلى ضرورة الدقة والمثابرة في السلوك الأخلاقي، فالحياة لا تستقيم إلا بفعل عادل يضمن كرامة الإنسان وصيانة المجتمع.
المحور الثاني: الجسر الفلسفي والقانون الأخلاقي
تأتي الفلسفة لتعطي السلوك بُعداً عقلانياً وتفسيرياً، حيث سعت عبر التاريخ إلى إيجاد "المنطق" وراء الفضيلة. يرى الفكر الفلسفي الأخلاقي أن الإنسان كائن يملك "الإرادة الحرة" التي تميزه عن بقية الكائنات، وهذه الإرادة هي التي تجعله مسؤولاً عن أفعاله.
الاقتباس الشهير لإيمانويل كانت: "شيئان يملآن قلبي بالإعجاب والرهبة المتجددين دائماً: السماء المرصعة بالنجوم فوقي، والقانون الأخلاقي في داخلي"
يلخص كيف أن السلوك ليس مجرد اتباع لأوامر، بل هو استجابة لنداء كوني داخلي يطمح للكمال.
الفلسفة ترى أن الأديان قدمت "المحتوى" الأخلاقي، بينما قدمت الفلسفة "القالب" المنطقي.
السلوك القويم في الفلسفة هو الذي يمكن تحويله إلى قانون عالمي؛ أي أن الفرد يسأل نفسه: ماذا لو فعل كل البشر مثلي؟ هذا السؤال الفلسفي يتماشى مع القاعدة الذهبية الدينية التي تحث على حب الخير للآخرين كما نحبه لأنفسنا، مما يعزز السلوك الذي يبني الحضارة ويحمي الضعفاء.
المحور الثالث: الرؤية النفسية والديناميكا السلوكية
علم النفس المعاصر، وخاصة المدرسة المعرفية السلوكية، يرى في التعاليم الدينية والفلسفية أدوات فعالة لضبط النفس (Self-Regulation). السلوك هو النتيجة النهائية لسلسلة من الأفكار والمعتقدات. عندما يتبنى الإنسان منظومة قيمية دينية، فإنه يمتلك ما يسمى "المرساة الوجودية" التي تحميه من التفكك النفسي عند الأزمات.
تؤكد الدراسات النفسية أن الإيمان والقيم الروحية تعمل كعازل ضد الاكتئاب والانحراف السلوكي لأنها تمنح "المعنى".
يقول عالم النفس فيكتور فرانكل: "إن الإنسان الذي يملك 'لماذا' ليعيش من أجلها، يمكنه تحمل أي 'كيف' تقريباً". الدين يمنح الإنسان هذه الـ "لماذا"، مما ينعكس على سلوكه بالصبر، والمثابرة، والقدرة على التحكم في الانفعالات الغاضبة. تقويم السلوك هنا يتم عبر إعادة هيكلة المعتقدات الكبرى للفرد حول الكون والغاية من وجوده.
المحور الرابع: كيف جعلت هذه الروافد الحياة أفضل؟
الحياة أصبحت أفضل لأن هذه المنظومات خلقت "الضمير". تخيل حياة بلا وازع أخلاقي أو ديني؛ ستكون غابة من المصالح الضيقة. القصص الكبرى في تاريخ البشرية ليست قصص الحروب، بل قصص التحولات السلوكية. قصة ذلك الذي يعفو عند المقدرة استناداً لآية، وقصة الذي يقتسم رغيفه مع جائع تأثراً بوصية، وقصة الذي يحافظ على بيئته وفاءً لمبدأ فلسفي.
هذه الروافد جعلت السلوك "مسؤولية" وليس "خوفاً". لقد حولت الخوف من العقاب القانوني إلى رغبة في السمو الروحي. فالدين هذّب الغضب بالصبر، وهذّب الطمع بالزكاة والصدقة، وهذّب الكبر بالتواضع، بينما جاءت الفلسفة وعلم النفس ليشرحا كيف نروض هذه المشاعر ونحولها إلى طاقة بناءة.
التكامل الملحمي:
إن تقويم السلوك البشري هو رحلة تكاملية؛ الدين يمنح الروح نورها وهدايتها، والفلسفة تمنح العقل منطقه واتساعه، وعلم النفس يمنح النفس أدوات فهم ذواتها. لا يمكن فصل هذه المحاور إذا أردنا بناء مجتمع إنساني عظيم. إن عظمة السلوك تكمن في قدرة الإنسان على الانتصار على دوافعه البدائية لصالح قيم متعالية تجعل من العيش المشترك تجربة مقدسة ومثمرة.
إذا كانت الأديان والفلسفات قد قدمت الخريطة الكاملة لتقويم السلوك البشري على مر آلاف السنين، فهل تكمن الأزمة المعاصرة في غياب "المعرفة" بهذه المبادئ، أم في العجز عن تحويل هذه المعرفة العظيمة إلى "ممارسة" حية في ظل ضجيج المادية الحديثة؟

تعليقات
إرسال تعليق