هل المعاناة قَدَرٌ ضروري لاكتمال الوجود الإنساني؟

 




في سكون التأمل وأمام تعقيدات النفس البشرية التي تتأرجح دائما بين سعيها الحثيث نحو السعادة وخوفها الدفين من الألم يقف واحد من أعمق الأسئلة الوجودية وأكثرها إلحاحا عبر تاريخ الفكر الإنساني هل المعاناة قَدَرٌ ضروري لاكتمال الوجود الإنساني؟ وهل هي الشرط الحتمي لولادة المعنى؟  نقف أمام هذا السؤال ليس موقف المنظر المتعالي من برجه العاجي بل موقف المرافق الذي يتفهم ثقل التجربة الإنسانية ويحترمها. إننا نعيش اليوم في عصر استهلاكي بامتياز يسوق للرفاهية المطلقة واللذة المستمرة كغاية عظمى محاولا تخدير كل ألم وإقصاء كل حزن ومتناسيا في غمرة هذا الركض المحموم. أن الروح الإنسانية لا تصقل غالبا إلا في أتون التجارب الكبرى والمحن العميقة إن المعاناة ليست عقابا عبثيا تسلطه الأقدار علينا بل هي في جوهرها مادة خام يمكن للعقل والروح أن يعيدا تشكيلها لتصبح أجنحة للتحليق نحو معنى أسمى وأعمق للوجود.



إن استدعاء الفكر الفلسفي في هذا السياق ليس ترفا فكريا للتباهي الأكاديمي بل هو استنجاد بحكمة أولئك الذين سبروا أغوار الألم وخرجوا من لجته بلآلئ الحكمة والبصيرة ولعل أبلغ ما قيل في هذا المقام هو ما سطره الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه حين قال:

 "من يملك سببا يعيش من أجله فإنه يستطيع غالبا أن يتحمل بأي طريقة يعيش"

 هذا الاقتباس المكثف يقلب المعادلة التقليدية رأسا على عقب فالإنسان وفقا لنيتشه لا ينهار بسبب ثقل المعاناة المادية أو النفسية في حد ذاتها بل ينهار تماما عندما تفرغ هذه المعاناة من الغاية والوجهة، نيتشه يضع المعنى هنا كدرع واق يحمي الروح من التمزق والعدمية والضياع وفي مسار مواز يقف الروائي والفيلسوف الروسي فيودور دوستويفسكي ليقدم لنا منظورا شديد الخصوصية والعمق حيث يقول في عبارته الخالدة:

"إنني أخشى شيئا واحدا فقط وهو ألا أكون جَدِيراً بمعاناتي"

 هذا النص يحمل شحنة نفسية وفلسفية هائلة ومزلزلة فماذا يعني أن يكون الإنسان جديرا بمعاناته، إنه يعني بوضوح ألا يسمح للألم بأن يحوله إلى كائن هش أو حاقد على الحياة أو يائس ومستسلم الجدارة هنا تعني الارتقاء الروحي والأخلاقي من خلال الألم واستخدامه كأداة للتعاطف مع آلام الآخرين ولتطهير النفس من زيفها وكبريائها الهش إنها دعوة نبيلة لتحويل الوجع السلبي الذي يفرضه القدر إلى فعل إنساني واع وخلاق يعيد صياغة الذات.



ولا يمكننا بطبيعة الحال أن نتحدث عن المعاناة والمعنى دون التوقف بإجلال وتأمل أمام الطبيب النفسي النمساوي فيكتور فرانكل مؤسس مدرسة العلاج بالمعنى والناجي من قسوة معسكرات الاعتقال المروعة لقد اختبر فرانكل أقصى درجات المعاناة البشرية التي يمكن تخيلها ومن قلب ذلك الجحيم المظلم كتب قاعدته الذهبية التي غيرت وجه علم النفس الوجودي الحديث حيث يقول:

" إذا كان هناك معنى في الحياة فلا بد أن يكون هناك معنى في المعاناة فالمعاناة جزء لا يمكن استئصاله من الحياة شأنها شأن القدر والموت وبدون المعاناة والموت لا تكتمل حياة الإنسان"

 فرانكل يرى بعين الخبير والمجرب أن المعاناة تتوقف عن كونها معاناة عمياء ومؤذية في اللحظة التي تكتسب فيها معنى كمعنى التضحية من أجل من نحب أو الصمود من أجل مبدأ فهذا المعنى هو الذي يمنح الفرد الحصانة النفسية ضد الانهيار.



ومن الناحية السلوكية والاجتماعية تؤكد أبحاث علم النفس الحديث ما يعرف بالنمو ما بعد الصدمة فالمعاناة وإن كانت قاسية ومؤلمة تدفع الإنسان إلى إعادة تقييم علاقاته الاجتماعية واكتشاف قوى كامنة في شخصيته لم يكن ليدركها أو يلتفت إليها في أوقات الرخاء والدعة وتمنحه تقديرا أعمق لتفاصيل الحياة البسيطة.

 المجتمع الذي يحاول إقصاء المعاناة تماما ويفرط في حماية أفراده يخلق أجيالا هشة مصابة بما أسماه فرانكل الفراغ الوجودي حيث ينتشر الملل والاكتئاب وفقدان الشغف رغم توفر كل سبل الراحة المادية لأنهم فقدوا التحدي الذي يمنح الحياة حرارتها وقيمتها وهنا يحضرني قول عالم النفس التحليلي كارل يونغ:

" لا يمكن أن يكون هناك وعي بدون ألم فالألم هو المحفز الأول لليقظة النفسية وهو الذي يدفع الإنسان للخروج من منطقة الراحة الوهمية لمواجهة ظلاله ومخاوفه المتجذرة وبناء شخصية متكاملة وصلبة"



 أن المعاناة في حد ذاتها ليست ضرورية لخلق المعنى ابتداء فالإنسان يمكنه بل ويجب عليه أن يجد المعنى في الحب الخالص وفي الإبداع الخلاق وفي مساعدة الآخرين وفي لحظات السكينة والتأمل، المعنى موجود في الجمال وفي الفرح كما هو موجود في الألم نحن لا ندعو إلى تمجيد الألم أو البحث عنه فهذا سلوك مرضي يتنافى مع الفطرة السوية ولكن بما أن المعاناة هي حقيقة وجودية وحتمية كونية لا يمكن لأي كائن بشري الفرار منها مهما تحصن. فإن إيجاد المعنى داخل هذه المعاناة يصبح هو الضرورة المطلقة للبقاء النفسي والروحي سليما، المعاناة تصبح غير محتملة ومقبرة حقيقية للروح فقط عندما تكون معاناة عمياء ومجانية خالية من أي هدف بمجرد أن نلبسها ثوب المعنى كأن نعتبرها امتحانا للصلابة أو كفارة للروح أو ثمنا لوعي جديد فإنها تفقد لدغتها السامة القاتلة وتتحول إلى جسر متين للعبور نحو النضج والحكمة.



إلى كل نفس تتألم بصمت وكل روح تبحث عن مرفأ آمن في خضم العواصف بأن الألم ليس نهاية القصة بل هو ربما يكون الفصل الأهم الذي تكتشف فيه بطل الرواية الكامن بداخلك والمعدن النفيس لروحك لست وحدك في هذا المخاض فتاريخ البشرية كله مسطور بحبر المعاناة الممزوج بنور الأمل والمكابدة لا تبحث عن الألم أبدا ولكن إن طرق بابك يوما متخفيا في ثوب مرض أو فقد أو خيبة فلا تستقبله باليأس التام والانهيار بل استقبله بسؤال حكيم وواع ماذا تريد أن تعلمني هذه التجربة؟ وكيف يمكنني أن أخرج منها أكثر حكمة وإنسانية؟


 والسؤال الذي أتركه بين يدي وعيكم ليتخمر في هدوء وتأمل إذا كنا نكتشف أعمق حقائقنا ونختبر أصدق مشاعرنا في لحظات الانكسار والألم فهل يمكن أن تكون الرفاهية المفرطة والسعادة البلاستيكية الدائمة التي نلهث وراءها هي في الحقيقة أكبر عائق بيننا وبين اكتشاف ذواتنا الحقيقية وهل نحن مستعدون لدفع ضريبة الوعي أم نفضل البقاء في نعيم الجهل المريح؟


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

في ظلال الوعي ورحلة التصالح مع الذات \ ماثيو ماكسويل

موت إيفان إيليتش للأديب الروسي ليو تولستوي

استراتيجية تفكيك هيمنة المال واستعادة السيادة البشرية

شفرة أوكام لماذا الحل الأبسط هو الصحيح غالبًا

ظاهرة التفكير الزائد "وباء العصر الصامت"

هندسة الروح وعودة الوعي الكلي..خريطة ما بعد الحياة

لماذا تصمت الحملان؟ كيف تدمر ديمقراطية النخبة والنيوليبرالية مجتمعنا وأسس حياتنا

كتاب من أين تأتي الأفكار الجيدة \ ستيفن جونسون

جدلية الحرية والاغتراب بين أريك فروم وكارل يونج

تشريح الظلام البشري بين الميتافيزيقا والنيورولوجيا: كتاب القسوة الشر البشري والدماغ البشري للكاتبة كاثلين تايلور