التلاقي الوجودي و تقويم السلوك البشري
إن دراسة السلوك البشري ليست مجرد رصد للأفعال الظاهرة، بل هي غوص في أعماق المحركات الأولية التي تشكل هوية الإنسان. على مر العصور، لم تكن الأديان والفلسفات مجرد نظريات مجردة، بل كانت مختبرات حقيقية لصناعة "الإنسان السوي". العلاقة العضوية بين الوحي السماوي، والمنطق الفلسفي، والتحليل النفسي، وكيف تضافرت هذه الروافد لتهذيب الغريزة وتحويلها إلى قيم سامية تجعل الحياة ممكنة وأكثر جودة. المحور الأول: الهيكل الديني وتقويم السلوك عبر الوحي تمثل الأديان الثلاثة الكبرى المرجعية الأخلاقية الأولى التي نقلت السلوك البشري من العفوية والبدائية إلى الانضباط والقداسة. في الرؤية الإسلامية، يُعتبر السلوك ثمرة لعملية "التزكية"، وهي عملية هندسية تهدف إلى تطهير الباطن لينعكس بصلاح على الظاهر. يقول النص القرآني في سورة الشمس: "قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا" (الآيات 9-10). هنا نجد أن الفلاح مرتبط بالعمل السلوكي الواعي، فالتزكية هي كفاح مستمر ضد الرغبات الدنيا للوصول إلى مرتبة "النفس المطمئنة". هذا النموذج حوّل المجتمعات من التناحر القبلي إل...