دون كيخوته: النصف الأول من الجزء الأول
إن رواية دون كيخوته للعبقري ميغيل دي ثيربانتس ليست مجرد حكاية كوميدية عن رجل فقد عقله بسبب كثرة القراءة، بل هي في جوهرها أعمق وأعظم دراسة نقدية للصراع الأبدي بين المثالية المفرطة والواقعية المادية. نقف أمام هذا النصف الأول من الجزء الأول، الذي يضم الستة والعشرين فصلا الأولى، وكأني أقف أمام مرآة كونية تعكس أزمة الإنسان الوجودية في كل زمان ومكان. إنها قصة الوهم الذي يمنح الحياة معنى في مواجهة عبثية الوجود والواقع الجاف المحبط. ثيربانتس هنا يطرح سؤالا مرعبا ومزلزلا للكيان: هل الجنون الذي يخلق عالما من النبل والفروسية والقيم العليا أفضل من العقل الذي يستسلم لتفاهة الواقع وقسوته وانحطاطه؟ نحلل التمرد الوجودي لواحد من أعظم الشخصيات التي عرفها التاريخ البشري. الفصل الأول: يقدم لنا ثيربانتس ألونسو كيخانو، النبيل الريفي الفقير الذي جف دماغه من كثرة قراءة كتب الفروسية والمغامرات. هنا نجد الانفصال التام عن الواقع، حيث يقرر أن ينسلخ من هويته العادية ليصبح الفارس المغوار دون كيخوته دي لا مانتشا. " إن العقل الذي وهبني إياه الخالق لا يمكن أن يخضع لجنون هذا العالم المادي المبتذل، بل يجب أن ...