الذات والمجتمع من فرويد إلى كريستيفا
كتاب النظرية الاجتماعية والتحليل النفسي في مرحلة انتقالية: الذات والمجتمع من فرويد إلى كريستيفا للباحث أنتوني إليوت، هذا العمل ليس مجرد سرد تاريخي لتطور الأفكار، بل هو حفر إبستمولوجي عميق في واحدة من أعقد الإشكاليات التي واجهت الفكر الإنساني الحديث: كيف تتشكل الذات من الداخل في ظل قهر البنى الاجتماعية من الخارج؟ إليوت يفكك هذه الثنائية، محاولا إيجاد الجسر المفقود بين اللاوعي الفردي والمؤسسة المجتمعية، منتقلا بنا من حتمية فرويد البيولوجية المأساوية، مرورا بتشاؤمية مدرسة فرانكفورت، وصولا إلى التفكيكية اللغوية عند لاكان، لينتهي بآفاق التحرر والإبداع عند جوليا كريستيفا وكورنيليوس كاستورياديس.
الفصل الأول: سيغموند فرويد وتأسيس الذات المنقسمة
يفتتح إليوت كتابه بالعودة إلى الجذور الفرويدية، حيث يرى أن فرويد لم يكتشف اللاوعي فحسب، بل اكتشف الصراع كحالة وجودية أصيلة. يناقش إليوت كيف أن نظرية فرويد تضع الفرد في مواجهة حتمية ومأساوية مع الحضارة، فالحضارة لا تبنى إلا على كبت الغرائز.
"إن التحليل النفسي الكلاسيكي يضعنا أمام مفارقة قاسية، فالأنا ليست سيدة في بيتها، والمجتمع الذي نلجأ إليه بحثا عن الأمان هو ذاته الجلاد الذي يفرض علينا التخلي عن الرغبة الأصيلة. إن اللاوعي عند فرويد ليس مجرد خزان للذكريات المنسية، بل هو ساحة معركة ديناميكية ومستمرة بين متطلبات الثقافة وقوى الطبيعة العمياء في داخلنا."
هذا النص يجسد الرؤية الفرويدية المأساوية. أن إليوت يبرز هنا نقطة الضعف والقوة معا في فكر فرويد؛ القوة تكمن في تحطيم وهم مركزية العقل الواعي الذي ساد منذ ديكارت، والضعف يكمن في الحتمية التي تجعل التغيير الاجتماعي الجذري شبه مستحيل، لأن القمع أداة ضرورية لبقاء النوع الإنساني.
الفصل الثاني: مدرسة فرانكفورت والتوفيق بين الماركسية والتحليل النفسي
ينتقل إليوت بعد ذلك إلى الجيل الذي حاول تسييس اللاوعي، وتحديدا ثيودور أدورنو وهربرت ماركوز. هؤلاء أدركوا أن القمع ليس فقط متطلبا حضاريا عاما كما زعم فرويد، بل هو أداة طبقية رأسمالية بامتياز.
" لقد أدرك رواد مدرسة فرانكفورت أن الرأسمالية الحديثة لا تستغل جسد العامل فحسب، بل تستعمر بنيته النفسية بالكامل. إن ما أسماه ماركوز القمع الفائض، يشير إلى تلك القيود الإضافية التي تفرضها مؤسسات السيطرة الاجتماعية والتي تتجاوز ما هو ضروري للحفاظ على الحضارة، محولة طاقة الإيروس الحيوية إلى طاقة إنتاجية ميتة تخدم النظام الاستهلاكي والبيروقراطي."
هذا الطرح بالغ الأهمية، فهو ينقلنا من البيولوجيا إلى السوسيولوجيا والسياسة. ماركوز هنا يفتح باب الأمل الذي أغلقه فرويد، فإذا كان جزء كبير من الكبت هو فائض فرضه النظام الرأسمالي، فإن الثورة ممكنة، وتحرير الرغبة يمكن أن يتزامن مع تحرير المجتمع. لكن إليوت يوجه نقدا حصيفا هنا، وهو أن مدرسة فرانكفورت بالغت في تصوير قدرة النظام الإداري على استيعاب كل شيء، مما أدى في النهاية إلى تشاؤمية أدورنو المعروفة بانعدام المخرج.
الفصل الثالث: جاك لاكان والنظام الرمزي والمنعطف اللغوي
يغوص إليوت في المنعطف اللغوي مع لاكان، الذي أعاد قراءة فرويد من خلال البنيوية. هنا تتغير قواعد اللعبة تماما، فالذات لا تتشكل من خلال صراع بيولوجي حضاري بحت، بل من خلال الدخول في عالم اللغة، أو ما يسميه لاكان النظام الرمزي.
" في اللحظة التي يكتسب فيها الطفل اللغة، فإنه يدخل في نظام الرمز الذي يسبقه ويتجاوزه. إن اللاوعي مبني مثل لغة، والذات الإنسانية تولد مشطورة، مغتربة إلى الأبد عن اكتمالها المتوهم في مرحلة المرآة، ومحكومة بالبحث المستمر عن دال مفقود يمثل رغبة الآخر. إن الفاعل اللاكاني هو فاعل خاضع بالضرورة لقانون الأب، أو الدال الرئيسي الذي يشرعن المجتمع."
هذا من أعمق التحولات في تاريخ الفكر النفسي والاجتماعي. إليوت يوضح كيف أن لاكان حرر التحليل النفسي من أصوله الغريزية البسيطة، لكنه أوقعه في سجن لغوي حتمي. الذات عند لاكان هي نتاج للغة، وليست صانعة لها، إنها أثر للدوال. أن هذا الطرح يسلب الإنسان فاعليته السياسية الحقيقية، فنحن مجرد تمفصلات في شبكة الدوال، وهذا التهميش للفاعلية البشرية هو ما سيحاول إليوت تجاوزه في الفصول اللاحقة.
الفصل الرابع: جوليا كريستيفا وما بعد البنيوية النسوية وتفكيك الأبوية
هنا يصل إليوت إلى ذروة التفكيك والتمرد على سلطة لاكان الذكورية والمغلقة. تقدم كريستيفا مفهوما مزدوجا يكسر جمود البنيوية: السيميائي والرمزي، وتدخل مفهوم التخلّص أو الدناءة.
" لا يمكن اختزال تشكل الذات في الخضوع الجاف للنظام الرمزي الأبوي. إن السيميائي، الذي يرتبط بجسد الأم والإيقاعات والنبضات قبل اللغوية، يظل قوة تخريبية كامنة تحت سطح اللغة المنظمة. إن الفن والشعر ولحظات التمرد هي اختراقات لهذا السيميائي الذي يرفض الانصياع الكامل للرمزي، وهو ما يفتح المجال لفاعلية ذاتية تتجاوز حتمية البنيوية وتستعيد البعد الأمومي المقصي والمهمش في تاريخ الفكر."
اختيار إليوت لكريستيفا هو اختيار استراتيجي للخروج من مأزق لاكان. كريستيفا تعيد الجسد والمشاعر والأنوثة إلى صلب النظرية الاجتماعية. إن مفهوم السيميائي يعطينا الأمل في أن النظام الرمزي السائد المليء بالقمع ليس مغلقا بإحكام، بل توجد دائما تصدعات وتمزقات يمكن من خلالها للذات أن تعبر عن فرادتها وتثور على القوالب الجاهزة. هذا يمنح النظرية الاجتماعية النسوية أساسا نفسيا عميقا للتحرر.
الفصل الخامس: كورنيليوس كاستورياديس والمخيال الجذري كأفق للتحرر المطلق
يختتم إليوت الكتاب بالاعتماد القوي على فلسفة كاستورياديس، وهو مفكر يعتبره إليوت المنقذ للنظرية الاجتماعية من براثن الحتميات بكافة أشكالها اللغوية والاقتصادية والبيولوجية.
" المجتمع ليس مجرد آلة لإعادة الإنتاج، والنفس البشرية ليست مجرد مستقبل سلبي للقوالب الاجتماعية. هناك قوة كامنة نسميها المخيال الجذري، وهي قدرة النفس الخلاقة على توليد تمثيلات ومعان جديدة لم تكن موجودة من قبل. إن التاريخ الإنساني هو في جوهره عملية خلق مستمرة لمؤسسات متخيلة، والذات الحقيقية هي تلك التي تدرك قدرتها على إبداع استقلاليتها وتأسيس واقعها بدلا من الاكتفاء باستهلاك الواقع المفروض عليها من قبل المؤسسة المتخيلة المهيمنة."
هذا هو الحل الفلسفي الأرقى الذي يقدمه إليوت بعد رحلة شاقة. كاستورياديس ينسف فكرة أننا مجرد ردود أفعال. المخيال الجذري هو الروح الخالقة والوثبة الحيوية للمجتمع والفرد. هذه هي النقطة التي يتلاقى فيها التحليل النفسي مع أرقى درجات النظرية السياسية التحررية، حيث تصبح الصحة النفسية الحقيقية ليست التكيف مع مجتمع مريض، بل القدرة الفاعلة على تخيل مجتمع بديل والعمل الفعلي على خلقه.
أن أنتوني إليوت نجح ببراعة في رسم خريطة انتقال التحليل النفسي من عيادة الطبيب المعتمة إلى شوارع المجتمع وساحات السياسة المفتوحة. النقص الذي كان يعتري النظرية الاجتماعية الكلاسيكية، كالماركسية الأرثوذكسية مثلا، هو افتقارها لنظرية متماسكة حول الذات والمشاعر والدوافع اللاواعية، مما جعلها تتعامل مع البشر كأرقام أو طبقات اقتصادية جافة. وبالمقابل، كان التحليل النفسي الكلاسيكي يعاني من العمى تجاه السياقات التاريخية والسياسية التي تشكل هذه الدوافع. كتاب إليوت هو محاولة جادة لزواج هاتين القوتين المعرفيتين.
إلا أنني أضيف هنا أمرا لم يتطرق له إليوت بالقدر الكافي نظرا لزمن تأليف الكتاب، وهو تأثير التكنولوجيا الرقمية الحديثة المتسارعة على تشكيل اللاوعي الجماعي. لقد بتنا نعيش في عصر لا يمكن فيه التمييز بين النظام الرمزي اللغوي التقليدي والواقع الافتراضي الخوارزمي، مما يفرض علينا إعادة صياغة مفاهيم كاستورياديس وكريستيفا لتلائم ذاتا أصبحت مشتتة عبر الشاشات الذكية وتتغذى على تدفقات البيانات اللانهائية بدلا من الرموز الثقافية الحية. إن اللاوعي اليوم تتم هندسته خوارزميا، وهذا يتطلب جيلا جديدا من النظرية الاجتماعية النفسية.
بعد هذه الرحلة الطويلة في دروب الذات والمجتمع، وإدراكنا لكيفية تطور آليات السيطرة من القمع المباشر عند فرويد إلى الهيمنة اللغوية عند لاكان، يبرز أمامي سؤال مقلق أوجهه للتأمل المعرفي العميق: إذا كانت الذات الحديثة قد استطاعت بصعوبة أن تجد مساحات للتمرد عبر المخيال الجذري لكاستورياديس والسيميائي عند كريستيفا للهروب من قهر المؤسسات التقليدية، فكيف يمكن لهذه الذات أن تحافظ على استقلاليتها في عصر الذكاء الاصطناعي والرأسمالية الرقمية الاستشرافية التي باتت تتنبأ برغباتنا اللاواعية وتصنعها قبل حتى أن ندركها نحن بأنفسنا؟ هل نشهد ولادة شكل جديد من الاستلاب النفسي والاجتماعي لم تتوقعه حتى أشد نظريات مدرسة فرانكفورت تشاؤما وسوداوية؟
يمثل كتاب أنتوني إليوت النظرية الاجتماعية والتحليل النفسي في مرحلة انتقالية علامة فارقة لكل مشتغل بالفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس المعاصر. لقد أخذنا الكاتب في رحلة تصاعدية مذهلة، كشف فيها كيف أن فهمنا لأنفسنا لا يمكن أن ينفصل بأي حال من الأحوال عن فهمنا للمجتمع الذي يحتوينا. من حتميات فرويد ولاكان الصلبة، إلى إشراقات التمرد والحرية عند ماركوز وكريستيفا وكاستورياديس، يظل الدرس الأهم والأبقى هو أن الذات الإنسانية ليست معطى نهائيا ومغلقا، بل هي مشروع مستمر من التشكل والتجاوز. إن القيمة الحقيقية لهذا الكتاب لا تكمن فقط في استعراضه التاريخي للتراث الفكري، بل في قدرته على تزويدنا بالأدوات المفاهيمية اللازمة لنقد واقعنا ورفض الاستسلام للقوالب الجاهزة، مؤكدا بشدة على أن حرية المجتمع تبدأ من تحرير مخيال الفرد، وأن النضال السياسي هو في جوهره الأعمق نضال نفسي من أجل الحق في المعنى والوجود.

تعليقات
إرسال تعليق