تعددية الحقيقة ووهم اليقين: دراسة في إبستمولوجيا العقل البشري وسيكولوجية الإدراك
أن ما نسميه الحقيقة ليس إلا جبل جليد يطفو في بحر من الذاتية، وما يظهر منه للعيان ليس إلا القشرة التي تسمح حواسنا المحدودة وعقولنا المتحيزة برؤيتها. في هذا المقال، أستكمل معكم الرحلة التي بدأناها مع رواية الأدميرال العائم، لنفكك لا لغز الجريمة، بل لغز المعرفة ذاتها، سابراً أغوار تلك الفجوة السحيقة بين العالم كما هو، والعالم كما نتخيله. تعتبر إشكالية تعددية الحقيقة (Plurality of Truth) هي المعضلة الكبرى التي واجهت الفكر البشري منذ أفلاطون وحتى عصر السيولة المعرفية الذي نعيشه اليوم. من الناحية الإبستمولوجية، نحن محاصرون داخل قفص حواسنا؛ فالعين لا ترى إلا طيفاً ضيقاً من الضوء، والأذن لا تسمع إلا تردداً محدداً من الأصوات، وكذلك العقل، فهو لا يعالج المعلومات إلا من خلال مصفاة ثقافية وتاريخية وبيولوجية مسبقة. عندما وضع أربعة عشر مؤلفاً حلولاً مختلفة لجريمة واحدة في الأدميرال العائم، لم يكونوا يمارسون لعبة أدبية فحسب، بل كانوا يجسدون مأساة العقل البشري الذي يظن أنه يمتلك الحقيقة بينما هو يمتلك فقط زاويته الخاصة منها. الحقيقة ليست قطعة واحدة صلبة، بل هي فسيفساء من المنظورات التي لا تكتمل ...