صعوبة التسامح: "مبدأ سكانلون" ما وراء الحق في حرية التعبير

 



"صعوبة التسامح: مقالات في الفلسفة السياسية" عام 2003، نصًا محوريًا في الفلسفة السياسية المعاصرة. تتحدى هذه المقالة الفهم التقليدي للتسامح وحرية التعبير، وتقدم حجة دقيقة ومعقدة حول الأسس التي يجب أن ندافع بها عن التعبير حتى عندما يكون كريهًا أو ضارًا.


 لماذا التسامح صعب؟

يبدأ سكانلون من نقطة انطلاق تبدو بديهية ولكنها محيرة: لماذا يجب علينا التسامح مع آراء وأشكال تعبير نؤمن بصدق أنها خاطئة، بل وخطيرة؟ الحجة الكلاسيكية، التي ارتبطت بفلاسفة مثل جون ستيوارت ميل، تقول إن السماح بانتشار الأفكار، حتى الخاطئة منها، هو أفضل طريقة للوصول إلى الحقيقة. فإما أن تكون أفكارنا صحيحة وتتعزز في مواجهة الخطأ، أو تكون خاطئة ونكتشف ذلك من خلال النقاش المفتوح.


يرى سكانلون أن هذه الحجة، على أهميتها، غير كافية في عالمنا المعاصر. فهي تفشل في تبرير حماية أشكال التعبير التي لا تسعى للحقيقة (مثل التحريض على الكراهية) وتفترض بشكل مفرط في التفاؤل أن الحقيقة ستنتصر دائمًا في "سوق الأفكار الحرة". لذلك، يقترح سكانلون أساسًا مختلفًا وأكثر قوة لحماية حرية التعبير، وهو أساس لا يرتكز على قيمة "الحقيقة" بل على علاقة المواطن بالدولة.


 حدود سلطة الدولة

جوهر حجة سكانلون هو أن القيمة الأساسية وراء حرية التعبير ليست اكتشاف الحقيقة، بل هي تحديد الشرعية والحدود المناسبة لسلطة الدولة. يجادل سكانلون بأنه لا يمكن منح الدولة سلطة تقييد التعبير لمجرد أنها تعتبره "خاطئًا" أو "ضارًا" بطرق غير مباشرة.


يطرح سكانلون ما يُعرف بـ "مبدأ سكانلون" (Scanlon Principle) كأساس لنظريته، والذي ينص على أن هناك فئات معينة من الأضرار لا يمكن للدولة أن تستند إليها لتبرير تقييد التعبير. هذه الأضرار تشمل:


ضرر الاعتقاد الخاطئ: لا يمكن للدولة أن تمنع تعبيرًا ما بحجة أنه قد يقود الناس إلى تبني معتقدات خاطئة. يرى سكانلون أن المواطنين المستقلين والعقلانيين يجب أن يكونوا هم الحكام النهائيين لما يؤمنون به. منح الدولة سلطة حمايتنا من "الخطأ" هو شكل من أشكال الأبوية التي تتعارض مع فكرة المواطنة المستقلة.


ضرر الأفعال اللاحقة: لا يمكن للدولة أن تقيد تعبيرًا ما لمجرد أنه قد يحفز بعض الأفراد على ارتكاب أفعال ضارة. فإذا استمع شخص ما لخطاب وحرضه ذلك على ارتكاب جريمة، فالمسؤولية تقع على الشخص الذي ارتكب الفعل، وليس على الخطاب نفسه (باستثناء حالات التحريض المباشر والفوري على العنف).


الفكرة الأساسية هنا هي أن المواطن العاقل يجب أن يرى نفسه كصانع قرار مستقل. عندما أستمع إلى فكرة، أنا من أقرر ما إذا كنت سأصدقها، وأنا من أقرر كيف سأتصرف بناءً عليها. إن السماح للدولة بالتدخل في هذه العملية بحجة حمايتي يعني أن الدولة لا تعاملني كمواطن كامل الأهلية.


"إن الأضرار التي لا يمكن الاستناد إليها لتبرير القيود القانونية [على التعبير] هي (أ) الأضرار التي تلحق بالأفراد الذين يصلون إلى قناعات خاطئة نتيجة لهذا التعبير، و(ب) الأضرار الناتجة عن أفعال يقوم بها الآخرون نتيجة لتأثير هذا التعبير على معتقداتهم."


 هذا هو جوهر "مبدأ سكانلون". إنه يضع خطًا واضحًا في الرمال. يمكن للدولة أن تمنع الضرر المباشر (مثل الصراخ "حريق!" في مسرح مزدحم)، لكنها لا تستطيع أن تمنع الأضرار غير المباشرة التي تتطلب وساطة من عقل مواطن آخر. هذا الاقتباس يلخص بدقة الحدود التي يفرضها سكانلون على سلطة الدولة.


"إن رؤية المرء لنفسه كمواطن مستقل العقل تتطلب منه أن يصر على أن يكون هو من يقرر ما الذي يصدقه وكيف يستجيب للأسباب المقدمة له."


 يربط هذا الاقتباس بين حرية التعبير ومفهوم أعمق للمواطنة. الحجة ليست مجرد أداة لتحقيق الصالح العام، بل هي شرط أساسي لاحترام استقلالية الأفراد. التخلي عن هذه الحرية هو بمثابة التخلي عن جزء أساسي من كوننا كائنات عاقلة ومسؤولة.


أثارت أفكار سكانلون نقاشات حيوية، ويمكن فهمها بشكل أفضل عند مقارنتها بآراء أخرى:


جون ستيوارت ميل - "عن الحرية" (On Liberty): كما ذكرنا، يمثل ميل الحجة الكلاسيكية القائمة على "سوق الأفكار". يرى سكانلون أن حجته تتجاوز ميل لأنها تبرر حماية التعبير حتى عندما لا يكون له قيمة في السعي وراء الحقيقة.


جيريمي والدرون - "ضرر خطاب الكراهية" (The Harm in Hate Speech): يقدم والدرون نقدًا قويًا للمواقف الليبرالية المتشددة مثل موقف سكانلون. يجادل والدرون بأن خطاب الكراهية لا يسبب مجرد "إساءة" أو "أضرار غير مباشرة"، بل يلحق ضررًا مباشرًا بكرامة الأقليات ويقوض قدرتهم على الشعور بالأمان والمشاركة المتساوية في المجتمع. بالنسبة لوالدرون، هذا الضرر الذي يلحق بالكرامة العامة هو أساس كافٍ لتبرير تقييد خطاب الكراهية، وهو ما قد يتعارض مع مبدأ سكانلون.


النسوية الراديكالية (مثل كاثرين ماكينون): تجادل بعض النسويات بأن المواد الإباحية ليست مجرد "تعبير"، بل هي فعل من أفعال التمييز والاضطهاد ضد المرأة. إنها تضر بالنساء بشكل مباشر من خلال تشكيل بيئة اجتماعية معادية لهن وتطبيع العنف الجنسي. هذا الرأي يتحدى بشدة فصل سكانلون بين "التعبير" و"الفعل"، ويرى أن بعض أشكال التعبير هي بحد ذاتها أفعال ضارة.


جويل فاينبرغ - "مبدأ الضرر" (The Harm Principle): طور فاينبرغ "مبدأ الضرر" لميل، وأضاف إليه "مبدأ الإساءة" (offense principle)، مما يسمح بتقييد التعبير الذي يسبب إساءة عميقة وواسعة النطاق. يذهب سكانلون إلى أبعد من ذلك ويرفض حتى مبدأ الإساءة كأساس كافٍ للتقييد، مما يجعله أكثر تشددًا في دفاعه عن حرية التعبير.


 الدفاع عن التسامح على أسس صعبة

في النهاية، يخلص سكانلون إلى أن الدفاع عن التسامح وحرية التعبير هو أمر "صعب" بالفعل. إنه يتطلب منا التخلي عن الرغبة الطبيعية في استخدام سلطة الدولة لفرض رؤيتنا للخير والصواب. بدلاً من ذلك، يدعونا إلى تبني مبدأ أكثر تجريدًا ولكنه أكثر قوة: وهو أن الشرعية الديمقراطية تتطلب منا أن نعامل بعضنا البعض كمواطنين مستقلين ومتساوين، قادرين على الحكم على الأفكار بأنفسهم. التسامح، في نظر سكانلون، ليس مجرد أداة لتحقيق الحقيقة، بل هو التزام أساسي ينبع من احترامنا لاستقلالية الآخرين، حتى عندما يتبنون آراء نجدها بغيضة.


إذا كان مبدأ سكانلون يمنع الدولة من حماية المواطنين من "المعلومات المضللة" الضارة (مثل الدعاية المناهضة للقاحات التي تؤدي إلى وفيات)، فهل هذا يعني أن نظريته غير مجهزة للتعامل مع تحديات العصر الرقمي حيث يمكن للأكاذيب أن تنتشر بسرعة وتسبب أضرارًا جسيمة في العالم الحقيقي؟

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

في ظلال الوعي ورحلة التصالح مع الذات \ ماثيو ماكسويل

جينالوجيا السلطة الحديثة \ ميشيل فوكو

عواطف الأشخاص الطبيعيين أو انفعالات الأسوياء

لماذا تصمت الحملان؟ كيف تدمر ديمقراطية النخبة والنيوليبرالية مجتمعنا وأسس حياتنا

الوعي كحدث كوني

في فلسفة الضحك والوجع

كتاب الإبداع والمرض النفسي: جيمس سي كوفمان

العصر العصبي: الإنسان المعاصر مستغلا لذاته وهو يظن أنه يحقق حريته

ليالي سانت بطرسبرغ \ جوزيف دي ميستر

الذات والمجتمع من فرويد إلى كريستيفا