صرخة في وجه "المجتمع التقني"
تُعد رواية "الساعة الخامسة والعشرون" (1949) واحدة من أقسى وأعمق الأعمال الأدبية في القرن العشرين. إنها ليست مجرد رواية عن أهوال الحرب العالمية الثانية، بل هي صرخة تحذير فلسفية ووجودية مدوية ضد ما أسماه جيورجيو "المجتمع التقني" والحضارة الغربية التي، في سعيها نحو التنظيم والآلية، سحقت الإنسان الفرد وحولته إلى مجرد "مواطن" أو "رقم" في ملف.
الرواية هي تأريخ لمأساة إنسان بسيط، الفلاح الروماني "يوهان موريتز"، الذي يُقبض عليه بسبب وشاية كاذبة (رغبة قائد شرطة محلي في زوجته)، ويُصنَّف "يهوديًا" ويُرسل إلى معسكرات العمل. من هناك، تبدأ رحلة عبثية لا تنتهي من المعاناة، حيث تتلقفه الأنظمة الشمولية المتعاقبة (النازية، ثم السوفييتية، ثم حتى الديمقراطية الأمريكية)، وكل نظام يعيد تصنيفه وفقًا لأوراقه وبيروقراطيته، لا وفقًا لحقيقته الإنسانية.
عنوان الرواية نفسه هو جوهر فلسفتها: "الساعة الخامسة والعشرون" هي الساعة التي تأتي بعد الساعة الأخيرة، إنها اللحظة التي يفوت فيها الأوان على أي محاولة للإنقاذ، حتى الخلاص الإلهي يصبح فيها متأخراً. إنها رمز لنهاية الإنسانية كما نعرفها.
سقوط الإنسان في فخ البيروقراطية
الموضوع المحوري للرواية هو "تشييء الإنسان" (Dehumanization). جيورجيو يرى أن الخطر الأكبر على البشرية ليس هذا النظام السياسي أو ذاك (فالنازية والشيوعية وحتى الرأسمالية البيروقراطية تتشابه في نتيجتها)، بل الخطر هو "المجتمع التقني" نفسه.
في هذا المجتمع، لا قيمة للحقيقة أو العدالة أو الفرد. القيمة الوحيدة هي للتصنيف الصحيح، للورقة المختومة، للقانون الإجرائي. يوهان موريتز ليس إنسانًا، بل هو "ملف". يُعذَّب ليس بدافع الكراهية الشخصية، بل لأن "الإجراءات" تتطلب ذلك. يجد نفسه "آريًا نموذجيًا" في نظر طبيب نازي، فيتحول من سجين "يهودي" إلى "بطل" في وحدة SS، رغمًا عنه. ثم بعد الحرب، يُصنفه الحلفاء "مجرم حرب نازي" بناءً على نفس الأوراق.
تُظهر الرواية كيف أن الآلة (سواء كانت آلة حرب، أو آلة دولة، أو آلة بيروقراطية) أصبحت هي السيد، والإنسان أصبح عبدًا لها. هذا هو الجحيم الأرضي الذي يصفه جيورجيو.
هناك العديد من الاقتباسات العميقة في الرواية، والتي تلخص فلسفتها القاتمة:
1. ولادة "الحيوان الجديد": المواطن
"غير أنّ حيوانًا جديدًا ظهر على سطح الأرض في الآونة الأخيرة. وهذا الحيوان الجديد اسمه: المواطنون. إنّهم لا يعيشون في الغابات، ولا في الأدغال، بل في المكاتب. ومع ذلك فإنّهم أشدّ قسوة وضراوة من الحيوانات المتوحّشة في الأدغال. لقد ولدوا من اتّحاد الرجل مع الآلات... إنّ لهم مقاييس وأجهزة تشبه الساعات بدلاً من القلوب."
هذا هو التعريف الأكثر رعبًا الذي قدمه جيورجيو. "المواطن" هنا ليس الفرد الحر، بل هو الموظف البيروقراطي، الكائن الذي تجرّد من إنسانيته (القلب والعاطفة) واستبدلها بـ "مقاييس وأجهزة" (القوانين والإجراءات). هذا الموظف يستطيع إرسال الآلاف إلى الموت ببرود، ليس لأنه شرير، بل لأنه "يطبق التعليمات". إنه يمثل انتصار الآلة على الإنسان.
2. الموت قبل الموت
"إن الرجال أحيانًا يموتون دون أن يخلفوا جثثًا."
هذا الاقتباس البليغ يشير إلى الموت الروحي والمعنوي. يوهان موريتز مات كـ "إنسان" في اللحظة التي فقد فيها هويته وبيته وزوجته وحريته في الاختيار. جسده استمر في الحركة، لكن روحه سُحقت. إنه موت الكرامة والذات، وهو ما تفعله الأنظمة الشمولية والتقنية: إنها تقتل الإنسان في داخلك، وتبقي على الجسد كأداة عاملة أو رقم في الإحصاء.
3. فخ المجتمع التقني
"إن الإنسان سيصبح مغلولاً خلال سنين طويلة في المجتمع التقنيّ. لكنه لن يموت في الأغلال. فالمجتمع التقنيّ يستطيع ابتداع رفاهيّة. لكنه لا يستطيع خلق الفكر. ومن دون الفكر، لا توجد العبقرية. ومجتمع محروم من رجال عباقرة مجتمع محكوم عليه بالفناء."
هنا، يوسع جيورجيو نقده ليشمل الغرب الحديث بأكمله. المشكلة ليست فقط الديكتاتوريات، بل حتى مجتمعات الرفاهية. هذه المجتمعات، بتركيزها على الراحة المادية والتكنولوجيا، تقتل الفكر المستقل والعبقرية الفردية. إنها تخلق مجتمعًا من "العبيد السعداء" المغلولين بالرفاهية، وهو مجتمع، في نظر جيورجيو، محكوم عليه بالانهيار لأنه فقد قدرته على الإبداع والتفكير النقدي.
عند صدورها، أحدثت الرواية صدمة هائلة في أوروبا.
رأي غابرييل مارسيل (الفيلسوف الفرنسي): وصفها بأنها "كتاب هائل" وقال إنها "تدمغ الذاكرة بختمها الأبدي". رآها كتجسيد حقيقي لمأساة الإنسان المعاصر.
النقاد بشكل عام: اتفق معظم النقاد على أنها واحدة من أهم الروايات التي وثقت "أزمة الإنسان" في القرن العشرين. لم يُنظر إليها كوثيقة تاريخية عن الحرب، بل كـ "نبوءة" وتحذير فلسفي.
الآراء الحديثة: لا تزال الرواية تحظى بتقدير كبير لقدرتها على التقاط العبثية البيروقراطية (التي تذكرنا بكافكا) والوحشية الشمولية (التي تذكرنا بأورويل). يرى الكثيرون أن تحذيراتها أصبحت أكثر إلحاحًا اليوم في عصر الرقمنة والذكاء الاصطناعي والمراقبة، حيث يتحول الفرد بشكل متزايد إلى "بيانات" (Data) بدلاً من إنسان.
أسلوبيًا: أشاد النقاد بأسلوب جيورجيو الكلاسيكي، والسرد الكثيف، والحوارات الفلسفية العميقة التي يضعها على لسان شخصياته، خاصة شخصية "تريان كورجا"، المثقف الذي يمثل صوت المؤلف داخل الرواية.
لتوسيع الأفق حول جيورجيو وأفكاره، يمكن النظر إلى:
1. كتب أخرى لفيرجيل جيورجيو:
"شحاذو المعجزات" (Les Mendiants de miracles): تعتبر تكملة روحية وفكرية لـ "الساعة الخامسة والعشرون"، تواصل استكشاف مصير الإنسان في عالم ما بعد الكارثة.
"نظرة جديدة في سيرة رسول الله" (La vie de Mahomet): كتاب غير متوقع من جيورجيو، حيث يبدي فيه احترامًا كبيرًا لشخصية النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، ويرى في رسالته قوة روحية افتقدتها الحضارة الغربية المادية.
"المسيح في لبنان" (Le Christ au Liban): يستكشف فيه الأبعاد الروحية والسياسية لمنطقة الشرق الأوسط.
إرث الساعة الخامسة والعشرين
"الساعة الخامسة والعشرون" هي أكثر من مجرد رواية؛ إنها تشخيص لمرض العصر الحديث. نجح جيورجيو في خلق رمز خالد (الساعة 25) لوصف لحظة الانهيار التي يتجاوز فيها الشر والعبثية قدرة الإنسان على الفهم أو المقاومة.
إرثها هو هذا التحذير الدائم: احذروا من المجتمعات التي تقدس "النظام" و"الإجراءات" و"التكنولوجيا" على حساب "الإنسان" و"الحقيقة" و"الرحمة". لأن في تلك المجتمعات، يموت الإنسان دون أن يخلّف جثة، ونكون جميعًا، مثل يوهان موريتز، مجرد أوراق في ملفات ضخمة، ننتظر الختم التالي ليقرر مصيرنا.
بعد مرور أكثر من سبعين عامًا على صدور هذه الرواية، ومع تغلغل التكنولوجيا والبيروقراطية والأنظمة الرقمية في كل تفاصيل حياتنا (من وسائل التواصل الاجتماعي إلى أنظمة المراقبة والائتمان الاجتماعي):
هل تعتقد أننا نجحنا في تجنب "الساعة الخامسة والعشرين" التي حذر منها جيورجيو، أم أننا، في الواقع، نعيش في عمقها الآن، لكن برفاهية وراحة تجعلنا لا ندرك أغلالنا؟

تعليقات
إرسال تعليق