مرآة الذئاب، تشريح السجن الطوعي
لا تُقرأ "مدينة الحكاية" لبيژن مفيد كنصٍ مسرحي عادي، بل تُقرأ كـ "تشخيص" سريري لمجتمع في حالة احتضار أخلاقي. إنها ليست حكاية عن مدينة، بل عن "حالة ذهنية" جماعية. في عام 1968، لم يكتب مفيد نصاً، بل صنع مرآة شديدة القسوة، ووضعها أمام مجتمع يغلي بالتناقضات. الصورة التي انعكست لم تكن صورة بشر، بل صورة "ذئاب جائعة تلتهمها الريبة".
"شهر قصه" هي استعارة تتجاوز زمانها (إيران الشاه) ومكانها (قلعة بم الأسطورية) لتصبح رمزاً أبدياً للمأزق الإنساني. إنها قصة عن كيف يمكن للخوف أن يحوّل "المجتمع" إلى "حلقة افتراس"، وكيف يصبح "الحذر" هو السجن الذي نبنيه بأنفسنا ونحرسه طواعية. إنها الرثاء الأخير للإنسان الذي اختار الرقابة، وفقد الحياة.
في هذه المدينة، لا يسكن الناس، بل ذئابٌ جائعة تلتهمها الريبة. يروى أن ذئبين التقيا في ليلةٍ باردة، وجلس كلٌّ منهما قبالة الآخر، يراقبه خشية أن ينقضّ عليه من شدّة الجوع. ثمّ تأتي ذئاب أخرى، تجلس بدورها في دائرة لا تنام، عيونها مفتوحة لا ترمش، وكلّما تعب أحدهم وأغلق عينيه، افترسته البقية. هكذا يعيشون، يترقّبون بعضهم، غافلين عن الفرائس التي تمرّ أمامهم دون أن يروها، لأنهم انشغلوا بالرقابة عن الحياة.
كتب بيژن مفید هذا النص في زمنٍ كان فيه المجتمع الإيراني يغلي بالتناقضات، فجعل من «شهر قصه» استعارة عن الإنسان المحاصر بالخوف، الذي يراقب بدل أن يتحرّك، ويتردّد بدل أن يحلم. وفيها تتحوّل المدينة إلى حلقة مغلقة من القلق، حيث يتحوّل الحذر إلى عبودية، والسكوت إلى موتٍ بطيء.
المدينة في نصّه ليست جغرافيا محدّدة، بل عالم نفسيّ وروحيّ، حيث تتكرّر المأساة جيلاً بعد جيل: ذئاب تحيط بذئاب، وحكاية لا تنتهي. وربما، لو تجرّأ أحدهم على كسر الدائرة، لوجد في الخارج عالماً أرحب، لا تحكمه الغرائز ولا يهيمن عليه الخوف.
«مدينة الحكاية» هي مرثية الإنسان الذي فقد شجاعته، وصار يحرس سجنه بيديه، وصرخة بيژن مفید ضدّ المجتمعات التي تراقب أكثر مما تحبّ، وتخاف أكثر مما تحيا.
ميكانيزم "دائرة الموت"
جوهر النص يكمن في استعارته المركزية: الذئاب الجالسة في دائرة. هذه الصورة البسيطة هي عبقرية مفيد، فهي تشريح دقيق لآلية تدمير الذات الجماعية:
الدافع الأساسي: الجوع (الحاجة): الذئاب جائعة. هذا يمثل الحاجات الإنسانية الأساسية (الأمان، الحرية، الكرامة، العيش).
الواقع الفوري: الخوف (التهديد): الخطر المباشر ليس الجوع، بل "الذئب الآخر". الخوف من القريب يلغي الحاجة للبعيد.
آلية الدفاع: الرقابة (الشلل): الحل الوحيد للبقاء على قيد الحياة ليس الصيد، بل "المراقبة". العيون المفتوحة التي لا ترمش هي السلاح والدرع في آن واحد.
النتيجة الحتمية: التكاني (الافتراس الداخلي): الدائرة لا تنتج شيئاً. إنها تستهلك نفسها. عندما يضعف أحدهم (يغلق عينيه من التعب)، يُفترس. النظام لا يتغذى على الخارج، بل على الداخل.
المفارقة الكبرى: العمى عن الحياة: "غافلين عن الفرائس التي تمرّ أمامهم دون أن يروها". هذه هي التكلفة الحقيقية. بانشغالهم في حراسة بعضهم البعض، فقدوا الهدف من وجودهم. الفرائس (الفرص، الحرية، المستقبل) تمر دون أن يراها أحد. لقد نجحوا في النجاة من بعضهم البعض، لكنهم ماتوا جوعاً وفقدوا الحياة ذاتها.
"مدينة الحكاية" هي مدينة لا يوجد فيها "خارج"، لأن "الداخل" قد التهم كل شيء. إنها حالة من "الترقب" الدائم الذي تحول إلى سكون مطلق، وهو الموت بعينه.
الرؤية الفلسفية: "الجحيم هو الآخرون" في دولة الطبيعة
يقدم نص بيژن مفيد رؤية فلسفية عميقة الجذور تقترب من عدة تيارات:
1. دولة الطبيعة (توماس هوبز): "مدينة الحكاية" هي تجسيد مثالي لـ "حالة الطبيعة" كما وصفها هوبز: "حرب الكل ضد الكل". إنها حياة "منعزلة، فقيرة، كريهة، وحشية، وقصيرة". لكن مفيد يضيف بعداً أكثر مأساوية: الذئاب ليست في حالة حرب نشطة، بل في حالة "ترقب" مشلولة. إنه الخوف الذي يسبق العنف، وهو خوف دائم حوّل الحياة إلى جحيم بارد.
2. الوجودية والسجن (جان بول سارتر): تصرخ "مدينة الحكاية" بمقولة سارتر الشهيرة في مسرحية "لا خروج" (Huis Clos): "الجحيم هو الآخرون". في مدينة مفيد، لا يوجد جلاد أو سجان خارجي. السجناء هم السجانون. نظرة الذئب للذئب الآخر هي التي تخلق القضبان. كما جاء في التحليل: "صار يحرس سجنه بيديه". إنها العبودية الطوعية الناتجة عن "نظرة" الآخر التي تجمدنا وتحولنا إلى "موضوع".
3. العبثية وفقدان الهدف: ما تفعله الذئاب هو قمة العبث. إنهم يمارسون طقساً معقداً من الرقابة المتبادلة بهدف "البقاء"، لكن هذا الطقس ذاته هو الذي يمنعهم من "الحياة" (الصيد). إنهم مثل سيزيف، لكنهم لا يدحرجون صخرة، بل يحدقون في بعضهم البعض إلى الأبد، غافلين عن أن الصخرة (الهدف) قد تلاشت تماماً.
التحليل النفسي: مجتمع "البارانويا" المؤسسية
من منظور علم النفس، "مدينة الحكاية" ليست مدينة، بل "عالم نفسيّ وروحيّ" يحكمه اضطراب جماعي:
البارانويا (جنون الارتياب) كعقد اجتماعي: العقد الاجتماعي الطبيعي يقوم على التنازل عن بعض الحرية مقابل الأمان. في "مدينة الحكاية"، العقد الاجتماعي معكوس: إنه التنازل عن "كل شيء" (الحياة، النوم، الثقة) من أجل "وهم الأمان" اللحظي من الآخر. الريبة ليست عرضاً جانبياً، بل هي "القانون" الذي يحكم المدينة.
القلق كآلية شلل (Paralysis by Analysis): "يراقب بدل أن يتحرّك، ويتردّد بدل أن يحلم". هذا هو التشخيص الدقيق للشلل الناتج عن القلق المفرط. الذئاب في حالة "تفكير زائد" (Overthinking) مميت. إنهم يحللون نظرة الذئب المقابل لهم لدرجة أنهم لا يرون الفريسة التي تمر خلفه. إنه الانتصار الكامل لـ "قلق البقاء" على "غريزة الحياة".
العدوان الأفقي (Lateral Violence): عندما يكون مصدر السلطة (الخطر) غامضاً أو قوياً جداً، تعيد المجموعات المقموعة توجيه عدوانها نحو بعضها البعض. هذا ما تفعله الذئاب. بدلاً من الاتحاد لصيد الفرائس (تحدي النظام أو الواقع)، فإنهم يهاجمون الحلقة الأضعف بينهم ("من أغلق عينيه"). هذا السلوك ("العدوان الأفقي") هو ما يبقي أي نظام قمعي، سواء كان سياسياً أو نفسياً، متماسكاً.
مقارنات وآراء: من "1984" إلى "شهر قصه"
نص بيژن مفيد لا يقف وحيداً، بل هو جزء من حوار عالمي حول القمع والمراقبة:
التشابه (جورج أورويل - 1984): إذا كانت "1984" هي "الرقابة العامودية" (الأخ الأكبر يراقبك من الأعلى)، فإن "مدينة الحكاية" هي "الرقابة الأفقية" (الجميع يراقب الجميع). وهي رؤية أكثر رعباً، لأنها لا تحتاج إلى "شرطة فكر"؛ المواطنون هم شرطة الفكر. الذئاب هي الأخ الأكبر لبعضها البعض.
الرأي والسياق الإيراني: كُتب هذا النص في "زمن التناقضات" في إيران، فترة حكم الشاه. كانت فترة تحديث قسري من جهة، وقمع سياسي شرس (عبر جهاز السافاك) من جهة أخرى. "مدينة الحكاية" هي أروع استعارة لتلك الفترة. "الذئاب" هم المواطنون الذين أجبروا على مراقبة جيرانهم وأصدقائهم. "الريبة" كانت العملة المتداولة. "الفرائس التي تمر" هي فرصة إيران الضائعة في بناء مجتمع مدني حقيقي، فرصة أضاعها الجميع لأنهم كانوا مشغولين جداً بالخوف من بعضهم البعض.
"غافلين عن الفرائس التي تمرّ أمامهم دون أن يروها، لأنهم انشغلوا بالرقابة عن الحياة."
هذا ليس مجرد سطر، بل هو ثمن الخوف. الثمن ليس مجرد التوتر، بل هو "الحياة" نفسها. عندما تصبح "النجاة" هي الهدف الوحيد، فإننا ننسى "لماذا" نريد النجاة أصلاً. الذئاب نسيت أنها "جائعة" لأنها كانت "خائفة" جداً. إنه التحذير الأبدي بأن المجتمع الذي يقدس "الأمن" (بمعنى الرقابة) فوق "الحرية" (بمعنى الصيد والحياة) سينتهي به الأمر بفقدان كليهما.
صرخة ضد الموت حذراً
"مدينة الحكاية" ليست حكاية من الماضي، إنها تشخيص للحاضر. بيژن مفيد لم يكتب مرثية، بل أطلق صفارة إنذار. إنه يخبرنا أن أسوأ أشكال العبودية ليست تلك المفروضة بالقوة، بل تلك التي نقبلها طواعية بسبب الخوف.
إنها قصة عن مجتمعات "تراقب أكثر مما تحبّ، وتخاف أكثر مما تحيا". الذئاب في الدائرة لم يقتلهم ذئب آخر، بل قتلهم "الترقب". إنها دعوة لكسر الدائرة، لإغماض الأعين عن الآخرين ولو للحظة، لرؤية "الفرائس" التي تمر، لرؤية الحياة الحقيقية التي تنتظر في الخارج. إنها صرخة مفيد ضد الموت حذراً، ودعوة للجرأة على "الحياة" حتى في أشد الليالي برودة.
في عصرنا الرقمي، تحولت "الرقابة" من نظرة الذئب المباشرة إلى "بيانات" و"خوارزميات" و"منصات تواصل اجتماعي". نحن نراقب بعضنا البعض طواعية (عبر "الفضول" الاجتماعي) ونسمح للأنظمة بمراقبتنا (مقابل "الخدمات").
إلى أي مدى نعيش اليوم في "مدينة حكاية" جديدة، حيث "الفرائس التي تمر" (مثل الخصوصية، والتفكير النقدي العميق، والعلاقات الحقيقية) تُهدر، ليس بسبب الخوف من القمع، بل بسبب الانشغال الطوعي بـ "الرقابة المتبادلة" كشكل من أشكال الحياة الاجتماعية؟

تعليقات
إرسال تعليق