سيف سوفوكليس ذو الحدين (القدر والشخصية)
لحظة "الأنغنوريسيس" المدمرة
يُلقي بنا سوفوكليس، المعماري الأكبر للمأساة الإنسانية على المسرح، في قلب العاصفة الوجودية. مقولته: "أشد الأسى أن ندرك أننا السبب الوحيد في كل المحن التي تواجهنا"، ليست مجرد تعبير عن الندم، بل هي تعريف للحظة "الأنغنوريسيس" (Anagnorisis) - لحظة الإدراك أو الكشف التي يكتشف فيها البطل التراجيدي حقيقة مصيره المروع.
الأسى، بحسب سوفوكليس، ليس هو المحنة بحد ذاتها. ليس الوباء، ليس العمى، وليس النفي. بل الأسى هو "الإدراك" (أن ندرك). إنه تلك اللحظة المرعبة التي يتوقف فيها البطل عن لعن الآلهة، أو القدر، أو الأعداء، ويدير إصبعه ببطء ليشير إلى صدره قائلاً: "أنا".
هذه المقدمة تضعنا وجهاً لوجه أمام الفكرة اليونانية القائلة بأن "الشخصية هي القدر" (Character is Destiny). نحن لا نسقط بسبب مؤامرات خارجية فحسب، بل نُسحق تحت وطأة عيوبنا الشخصية (الهامارتيا).
أوديب ملكاً (ذروة المأساة)
لا يمكن فهم مقولة سوفوكليس هذه بمعزل عن عمله الأيقوني: "أوديب ملكاً" (Oedipus Rex). هذه المسرحية هي الشرح الأطول والأكثر إيلاماً لهذه المقولة.
"المحنة" التي واجهها أوديب (وباء يجتاح طيبة) لم تكن سوى عرض للمرض الحقيقي. "الأسى" الحقيقي جاء عندما أدرك أنه هو نفسه القاتل الذي يبحث عنه، وهو الذي تسبب في الوباء بزواجه من أمه وقتله لأبيه.
(لحظة الكشف):
أوديب: "آه، آه، كل شيء اتضح! يا نور الشمس، ليتني لا أراكِ بعد اليوم! لقد وُلدتُ ممن لا يجب أن أولد، وتزوجت ممن لا يجب أن أتزوج، وقتلت من لا يجب أن أقتل... كل شيء انكشف."
(يقتحم القصر، وبعدها يخرج وهو أعمى بعد أن فقأ عينيه بمشابك ذهبية من ثوب زوجته/أمه "جوكاستا" التي شنقت نفسها).
لماذا هو "السبب الوحيد"؟ قد يقول قائل إن "القدر" أو "لعنة أبولو" هي السبب. لكن سوفوكليس يُصر على أن القدر وضع "النبؤة" فقط. أما الأفعال فكانت اختيار أوديب.
هو من اختار أن يهرب من كورنث (ظناً منه أنه يهرب من القدر).
هو من اختار (بسبب غضبه وعنجهيته "Hubris") أن يقتل رجلاً عجوزاً (والده لايوس) عند مفترق الطرق.
هو من اختار أن يحل لغز أبي الهول ويصبح ملكاً ويتزوج جوكاستا (أمه).
والأهم: هو من أصر بإصرار مدمر على كشف الحقيقة، رغم توسلات الجميع (تريسياس، جوكاستا، الراعي) أن يتوقف.
"الهامارتيا" (Hamartia): عيب أوديب التراجيدي لم يكن شراً، بل كان فضيلة دُفعت إلى أقصاها: إصراره على "معرفة الحقيقة" مهما كان الثمن.
"الأسى" هو أنه أدرك أن ذكاءه الذي أنقذه (حل لغز أبي الهول) هو نفسه الذي دمره (الإصرار على حل لغز مقتل لايوس).
(لحظة تحمل المسؤولية):
بعد أن فقأ أوديب عينيه، تسأله الجوقة (الكورس) عن "الإله" أو "الشيطان" الذي دفعه لهذا الفعل المروع.
الجوقة: "يا للفعل المروع! ... أي جنون دفعك لهذا؟" أوديب: "أبوللو هو من فعل هذا، أبوللو يا أصدقائي، هو من جلب لي هذه الآلام المرة. ولكن اليد التي ضربت؟ إنها يدي أنا، يدي البائسة! لماذا يجب أن أرى، وأنا الذي لم يعد لديه شيء جميل ليراه؟"
هذا هو التجسيد الحرفي للمقولة.
القدر (أبوللو): "جلب لي هذه الآلام" (وضع المسرح، كتب النبؤة).
الإنسان (أوديب): "ولكن اليد التي ضربت؟ إنها يدي أنا".
إنه يعترف بأنه "السبب الوحيد" في فعلته الأخيرة (فقء عينيه). لقد اختار عقابه بنفسه. هذا هو الفارق بين "الشفقة" (Pity) و "التراجيديا" (Tragedy). لو كان القدر هو السبب الوحيد، لشعرنا بالشفقة على أوديب كضحية بريئة. لكن لأنه "هو السبب"، نحن نشعر بـ "الرعب التراجيدي" (Terror)، لأننا نرى أنفسنا فيه؛ نرى كيف يمكن لفضائلنا (كالذكاء أو الإصرار) أن تقودنا إلى دمارنا.
(ما بين القسوة والتمكين)
قسوة الحقيقة: هذه الفكرة قاسية جداً. في عالمنا الحديث، نميل إلى تفسير المحن بالعوامل الخارجية (الظروف الاقتصادية، الصدمات النفسية، أفعال الآخرين). سوفوكليس يرفض هذا التبرير ويضع المسؤولية كاملة على عاتق الفرد. إنه يجردنا من كل عذر.
التمكين الخفي: على الجانب الآخر، هذه الفكرة هي قمة التمكين الإنساني. إذا كنت "السبب الوحيد" في محنتك، فهذا يعني أنك لست مجرد ريشة في مهب "القدر". لديك "فاعلية" (Agency). وإذا كنت تملك القوة لتدمير نفسك، فأنت تملك أيضاً القوة (نظرياً) لتغيير مسارك.
ليست دعوة لجلد الذات: لا يقصد سوفوكليس أن نلوم أنفسنا على الكوارث الطبيعية أو الأمراض. إنه يتحدث عن المحن الأخلاقية والوجودية؛ المحن التي تنبع من خياراتنا، من كبريائنا، من طمعنا، من غضبنا، أو حتى من إصرارنا الأعمى على شيء ما (كإصرار أوديب على الحقيقة).
مرآة أوديب
إن مقولة سوفوكليس هي المرآة الأكثر صدقاً وإيلاماً. "أشد الأسى" ليس في النظر إلى الدمار الذي حولنا، بل في النظر إلى تلك المرآة ورؤية أن المهندس المعماري لهذا الدمار هو نحن.
إنها دعوة قاسية لإنهاء لعبة "الضحية". فالبطل التراجيدي لا يموت كضحية، بل يموت كمنفذ لإرادته، حتى لو كانت تلك الإرادة هي التي حفرت قبره. في اللحظة التي يدرك فيها أوديب أنه هو "السبب"، فإنه، رغم عماه ودماره، يستعيد كرامته الإنسانية كاملة بتحمله المسؤولية.
في ضوء فلسفة سوفوكليس القاسية هذه:
هل تعتقد أن "الإدراك" بأننا سبب مآسينا هو فعلاً "أشد الأسى"، أم أنه الخطوة الأولى والضرورية نحو الخلاص الحقيقي ومعرفة الذات، حتى لو كان الثمن هو تدمير راحتنا النفسية؟
.png)

تعليقات
إرسال تعليق