الفأس ودماء الياقات البيضاء

 






في عالم أدب الجريمة والنوار، نادراً ما نعثر على عمل يتجاوز حدود الإثارة اللحظية ليتحول إلى وثيقة إدانة صارخة للنظام الاقتصادي والاجتماعي الذي نحيا فيه، وتعد رواية الفأس للكاتب الأمريكي الكبير دونالد إي ويستليك واحدة من تلك الأعمال النادرة التي تقف على الحافة الفاصلة بين الرواية البوليسية والبحث السوسيولوجي المعمق. إن هذه الرواية التي نُشرت لأول مرة عام 1997 لا تقدم لنا مجرد قصة عن قاتل متسلسل، بل تضعنا أمام مرآة عاكسة ومخيفة لطبيعة النفس البشرية حين يتم تجريدها من الأمان، وتطرح تساؤلات وجودية حول الهوية والقيم في ظل رأسمالية متوحشة لا تعترف إلا بلغة الأرقام.


تدور الحبكة الظاهرية للرواية حول بيرك ديفور، وهو مدير تنفيذي متخصص في صناعة الورق، رجل ملتزم ومخلص قضى سنوات عمره في خدمة شركة واحدة، ليجد نفسه فجأة ضحية لعملية دمج واستحواذ مؤسسية، ويتم طرده بدعوى ترشيد النفقات. وبعد عامين من البطالة القاسية، وتراكم الديون، وانهيار صورته الذاتية كرب أسرة، يصل ديفور إلى قناعة مرعبة في منطقيتها وبرودتها، وهي أن العائق الوحيد بينه وبين استعادة وظيفته وحياته ليس قلة الكفاءة، بل وجود منافسين آخرين يمتلكون نفس مؤهلاته. ومن هنا، يقرر ديفور تبني حل إداري جذري لمشكلته الشخصية، وهو تصفية هؤلاء المنافسين جسدياً، لا بدافع الكراهية أو السادية، بل بدافع الضرورة العملية البحتة، محولاً القتل إلى مجرد مهمة عمل أخرى في قائمة مهامه اليومية.


 يمكن قراءة الرواية كدراسة تطبيقية لمفهوم العقد الاجتماعي وتفككه. يقدم ويستليك فرضية مفادها أن التزام الفرد بالقوانين الأخلاقية والقانونية مشروط بحصوله على الحد الأدنى من الأمان والكرامة من المجتمع. وحين تخلت الشركة (التي تمثل المجتمع المصغر والنظام الحاكم) عن ديفور وألقته في المجهول دون ذنب اقترفه، اعتبر هو أن العقد قد نُقض، وأننا عدنا إلى حالة الطبيعة الأولى التي وصفها الفيلسوف توماس هوبز، حيث حرب الكل ضد الكل، وحيث الإنسان ذئب لأخيه الإنسان. إن ديفور لا يرى نفسه مجرماً خارجاً عن القانون، بل يرى نفسه جندياً في معركة بقاء، يطبق قوانين الغابة التي فرضتها عليه الشركات الكبرى، ولكنه يستخدم أدوات العصر الحديث.


 تقدم الرواية تحليلاً مذهلاً لآليات الدفاع النفسي، وتحديداً ما يعرف بالتنافر المعرفي والترشيد العقلاني. إن ما يجعل شخصية بيرك ديفور مثيرة للرعب ليس كونه وحشاً، بل كونه طبيعياً جداً. إنه يمارس ما أسمته الفيلسوفة حنة أرندت تفاهة الشر، حيث لا يتطلب ارتكاب الفظائع وجود شرير شيطاني، بل مجرد موظف بيروقراطي ينفذ الأوامر أو يتبع المنطق بجمود. ديفور يفصل تماماً بين حياته كقاتل وحياته كأب وزوج، مستخدماً آلية العزل الشعوري. فهو يبرر جرائمه بلغة الشركات؛ فالضحايا ليسوا بشراً لهم عائلات وأحلام، بل هم عقبات في طريق الإنتاج، أو تكاليف زائدة، أو منافسون في السوق يجب الاستحواذ على حصصهم. هذا التشييء للإنسان هو جوهر الرعب في الرواية، حيث يتحول البشر إلى مجرد سير ذاتية قابلة للشطب أو الحرق.


سلوكياً، يرصد ويستليك التحولات الدقيقة التي تطرأ على العقل البشري تحت ضغط التهديد الوجودي. يبدأ ديفور بوضع إعلان توظيف وهمي لجمع بيانات منافسيه، وهي خطوة تعكس سلوكاً استراتيجياً عقلانياً يستخدم أدوات النظام ضد النظام نفسه. ومن خلال دراسة استجابات المتقدمين، يختار ضحاياه بناءً على معيار الكفاءة، فالأكفأ هو الأخطر. هنا تنقلب المعايير الأخلاقية رأساً على عقب؛ ففي الوضع الطبيعي تكافأ الكفاءة، أما في عالم ديفور (عالم الندرة)، فالكفاءة حكم بالإعدام. هذا السلوك يعكس تشبثاً مرضياً بالهوية المهنية؛ فديفور لا يستطيع تخيل نفسه إلا كمدير، وفقدان الوظيفة يعني له الإخصاء النفسي والاجتماعي، مما يدفعه لارتكاب أقصى المحرمات لاستعادة تلك الصورة الذاتية.


إن أسلوب السرد بضمير المتكلم الذي اعتمده الكاتب يضع القارئ في مأزق أخلاقي عويص. نحن نستمع إلى أفكار القاتل، ونطلع على تبريراته المنطقية الهادئة، ونجد أنفسنا في لحظات معينة نتعاطف معه، أو نتفهم دوافعه، أو حتى نخشى عليه من الانكشاف. هذا التوريط للقارئ هو مقصود لزحزحة اليقين الأخلاقي لدينا، ولإجبارنا على مواجهة السؤال الصعب: ماذا لو كنا مكانه؟ هل الأخلاق ترف نمارسه في أوقات الرخاء فقط؟ إن ويستليك يشير بذكاء إلى أن الخط الفاصل بين المواطن الصالح والقاتل قد يكون مجرد قرار إداري بإنهاء الخدمات، وأن الهوية الحديثة للإنسان باتت هشة لدرجة أنها قد تتحطم وتتشكل في صور وحشية بمجرد فقدان الراتب الشهري.


علاوة على ذلك، تعد الرواية نقداً لاذعاً لثقافة الشركات الأمريكية والعالمية، حيث الولاء عملة ذات وجه واحد. الموظف مطالب بالولاء المطلق، بينما المؤسسة لا تدين له بشيء. يستعرض ويستليك كيف أدت هذه المعادلة المختلة إلى تآكل الروابط الإنسانية، وتحويل الزمالة إلى عداوة، والمجتمع إلى ساحة قتال. الضحايا في الرواية ليسوا أشراراً، بل هم نسخ أخرى من البطل، رجال جيدون يسعون لإعالة أسرهم، وقتلهم يمثل قمة المأساة والعبثية. إن ديفور يقتل صورته في المرآة، يقتل احتمالاته الأخرى، وفي كل مرة يضغط فيها على الزناد، هو يقتل جزءاً من إنسانيته ليحمي جزءاً من مكانته الاجتماعية.


في الختام، لا يمكن اختزال رواية الفأس في خانة أدب الجريمة التقليدي، بل هي رواية ديستوبية واقعية، تتنبأ بمستقبل العلاقات البشرية في ظل هيمنة القيمة المادية. إنها عمل أدبي كثيف الثراء، يجمع بين التشويق النفسي والعمق الفلسفي، ويترك القارئ في حالة من القلق البناء، متسائلاً عن مدى صلابة قشرة التحضر التي تغلفنا جميعاً. إن ويستليك لم يكتب فقط عن رجل يقتل منافسيه، بل كتب عن نظام يقتل أرواحنا ببطء، وعن السهولة المفزعة التي يمكن بها تبرير الشر إذا تم تغليفه بورق السلوفان اللامع للمصلحة الشخصية ومنطق السوق. "الفأس" هي تحذير صارخ من أن الوحوش لا تعيش تحت الأسرة، بل قد ترتدي بدلات أنيقة وتجلس خلف المكاتب، أو قد تكون كامنة في داخلنا، تنتظر فقط لحظة يأس لتخرج وتمسك بالفأس.


لو جُردت من كل شيء: وظيفتك، مكانتك الاجتماعية، وقدرتك على إعالة من تحب، وكان الطريق الوحيد لاستعادتها هو الضغط على "الزناد" لإزالة منافس مجهول لا تعرفه.. إلى أي مدى أنت واثق من أنك لن تصبح "بيرك ديفور"؟

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

في ظلال الوعي ورحلة التصالح مع الذات \ ماثيو ماكسويل

جينالوجيا السلطة الحديثة \ ميشيل فوكو

عواطف الأشخاص الطبيعيين أو انفعالات الأسوياء

لماذا تصمت الحملان؟ كيف تدمر ديمقراطية النخبة والنيوليبرالية مجتمعنا وأسس حياتنا

الوعي كحدث كوني

في فلسفة الضحك والوجع

كتاب الإبداع والمرض النفسي: جيمس سي كوفمان

العصر العصبي: الإنسان المعاصر مستغلا لذاته وهو يظن أنه يحقق حريته

ليالي سانت بطرسبرغ \ جوزيف دي ميستر

الذات والمجتمع من فرويد إلى كريستيفا