مأساة المهرج الحزين \ عبد الوهاب مطاوع
رحلة في بريد القلوب المتعبة
يُعد الكاتب الراحل عبد الوهاب مطاوع ظاهرة إنسانية وأدبية فريدة في تاريخ الصحافة العربية. لم يكن مجرد كاتب عمود صحفي أو مؤلف كتب، بل كان مؤسسة نفسية واجتماعية تمشي على قدمين. عبر بابه الشهير بريد الجمعة في جريدة الأهرام، وعبر عشرات الكتب التي جمع فيها خلاصة الألم البشري، أسس مطاوع مدرسة "جبر الخواطر" والاستماع العميق. الدستور الأخلاقي والنفسي الذي سار عليه هذا الكاتب طوال حياته. إنه يمثل الانتقال من السطحية في الحكم على البشر إلى العمق في فهم مآسيهم. كتب عبد الوهاب مطاوع ليست مجرد حبر على ورق، بل هي وثائق إنسانية تكشف الغطاء عن "الأغلبية الصامتة" التي تتألم في صمت، وتبتسم للكاميرات وللناس، بينما تخوض معارك طاحنة في غرفها المغلقة. هذا التقرير يغوص في فلسفة "الابتسامة الدامعة" التي تبناها الكاتب، وكيف علمنا ألا ننخدع بالمظاهر.
مأساة المهرج الحزين
" لم اسمح لنفسي بأن أنخدع بإبتهاج المُبتهجين ولا بـ لهو اللاهين، فأحكُم عليهم بأنهم سُعداء لمُجرد إنبهاري بمظهرهُم الخارجي البهيج وقبل أن أعرفهم عن قُرب وأسبر أغوارهم، فكثيراً ماتعاملت مع أشخاص يوحي مظهرهُم الخارجي بأنهم لا يعانون من أية هموم كبرى في حياتهم، فلما اقتربت منهُم وأعطيتهم سمعي وشجعتهم على الكلام حتى أكتشفت، بعد قليل أنهُم ممن تنطبق عليهم كلمة المفكر الفرنسي"فولتير" أنهم لايضحكون إبتهاجاً، وإنما تفادياً للانتحار. "
النص الذي بين أيدينا هو تشريح جراحي دقيق للنفس البشرية. يبدأ مطاوع برفض "الانخداع"، وهو هنا يضرب في صميم مشكلة العلاقات الإنسانية الحديثة: الحكم بالظاهر. عبارة "أحكم عليهم بأنهم سعداء لمجرد انبهاري بمظهرهم الخارجي" تشير إلى السذاجة التي نقع فيها جميعاً. لكن النقلة الفلسفية العميقة تأتي في قوله "سبرت أغوارهم". كلمة "أغوار" تعني الأماكن العميقة والمخفية، مما يوحي بأن حقيقة الإنسان لا تطفو أبداً على السطح. استدعاؤه لمقولة فولتير "لا يضحكون ابتهاجاً، وإنما تفادياً للانتحار" هو قمة التراجيديا الإنسانية؛ فالضحك هنا يفقد وظيفته كدليل على الفرح، ويتحول إلى "آلية دفاعية" للبقاء على قيد الحياة. إنه يشبه القناع الذي يرتديه المحارب ليخفي جراحه حتى لا يجهز عليه العدو، أو في هذه الحالة، حتى لا يجهز عليه اليأس. مطاوع هنا يخبرنا أن أعلى درجات الألم هي تلك التي تتستر خلف أعلى درجات الصخب والمرح.
من تراث عبد الوهاب مطاوع
عن الصبر والرضا:
لا تطلبوا من السنوات أن تكون أفضل، بل كونوا أنتم الأفضل فيها. لا تسبوا الأيام فليس لها ذنب، وإنما الذنب ذنبنا نحن الذين لوثنا صفحتها البيضاء. إن الحياة لا تعطي دروسها بالمجان، وكل تجربة مؤلمة نمر بها هي قسط ندفعه مقدماً لنتعلم حكمة جديدة. لا يوجد إنسان تعيس بالكامل ولا سعيد بالكامل، نحن مزيج من هذا وذاك، والعبرة بمن يملك قلباً راضياً يستطيع أن يحول القليل إلى كثير، والحزن إلى شجن شفيف يغسل الروح ولا يقتلها.
يركز مطاوع في أدبه دائماً على فكرة "المسؤولية الفردية" تجاه السعادة. هو يرفض لعب دور الضحية. فلسفته قريبة من الرواقية (Stoicism)، حيث لا نملك السيطرة على الأحداث الخارجية (السنوات والأيام)، لكننا نملك السيطرة على ردود أفعالنا وتفسيرنا لها. الألم عنده هو "رسوم دراسية" لمدرسة الحياة، وليس عقاباً عبثياً.
عن التعامل مع الناس والرحمة:
ضع نفسك دائماً مكان الآخرين، فإذا شعرت أنك تتألم، فاعلم أنهم يتألمون أيضاً. كثير من الناس يقسكون ليس لأن قلوبهم قاسية، بل لأنهم يريدون حماية ما تبقى من هشاشتهم الداخلية. الرحمة فوق العدل، لأن العدل يعطي كل ذي حق حقه، أما الرحمة فتعطي الحق وتزيد عليه من إحسان النفس. لا تحاكموا الناس على ما يظهرونه لكم، ففي كل بيت مأساة، وفي كل قلب جرح لا يعلم به إلا الله.
هذا الاقتباس يدعو مطاوع إلى "الخيال العاطفي"، أي القدرة على تخيل ألم الآخر. هو يفكك مفهوم "القسوة" ويرجعه إلى "الخوف والضعف" لا إلى الشر المحض. هذه نظرة متسامحة جداً للنفس البشرية، ترى الأشرار أو القساة كـ "مرضى" يحتاجون للعلاج والاحتواء لا للإدانة. شعاره الدائم: الرحمة قبل العدل، وهو مبدأ ديني وإنساني رفيع.
عن الحب والعطاء:
الحب ليس أن تأخذ، بل أن تعطي دون أن تنتظر المقابل. العطاء هو أن تزرع وردة في طريق شخص لن تراه مرة أخرى. السعادة الحقيقية هي التي نراها في عيون الآخرين عندما نمسح دموعهم. إننا نعيش لكي نُسعد الآخرين، وفي إسعادهم نجد سعادتنا المفقودة. الإنسان الذي يعيش لنفسه فقط، يعيش صغيراً ويموت صغيراً، أما الذي يعيش للناس، فإن عمره يمتد بامتداد الإنسانية كلها.
يربط مطاوع وجود الإنسان بـ "الغيرية" (Altruism). الذات عنده لا تكتمل بالانكفاء على الداخل، بل بالانفتاح على الآخر. الخلود لا يتحقق بطول العمر، بل بعمق الأثر. فلسفة "زراعة الوردة لعابر سبيل" تشير إلى التجرد التام من المصلحة، وهو أرقى أنواع السلوك البشري الذي أسماه الفلاسفة "الواجب الكانطي" أو فعل الخير لذاته.
مدرسة عبد الوهاب مطاوع (صاحب القلب الرحيم)
يمكن تلخيص كتبه ورسائله في مفهوم "الحزن النبيل". هو لا يدعو لليأس، ولا يدعو للتفاؤل الساذج المبتذل. هو يدعو لـ "الواقعية الرحيمة". يرى مطاوع أن الحياة بطبيعتها "دار كبد" ومشقة، وأن السعادة ليست حالة دائمة بل هي لحظات خاطفة يجب اقتناصها. المحور الأساسي في فكره هو "التواصل". معظم مشاكل البشر في رسائله كانت نابعة من "الخرس الزوجي"، أو "الجفاف العاطفي"، أو "سوء الفهم". لذلك كان الحل دائماً يبدأ بـ "أسمعك". الاستماع عنده علاج وجودي؛ فعندما يُسمع الإنسان، يشعر بوجوده وقيمته. كما أنه ركز بشدة على مفهوم "الستر"، سواء ستر العيوب أو ستر الأحزان. فالشخص الذي يضحك ليخفي رغبته في الانتحار (كما في نصك) يمارس نوعاً من "ستر الضعف" للحفاظ على كرامته، وهو ما يستدعي منا احتراماً وتقديراً لا استخفافاً.
رأي نقدي في تراث الكاتب
عبد الوهاب مطاوع ليس مجرد كاتب، بل هو "ظاهرة اجتماعية" رممت النسيج النفسي للمجتمع المصري والعربي لسنوات. قد يرى بعض النقاد الأدبيين أن لغته "بسيطة" أو "عاطفية أكثر من اللازم"، لكن هذا هو سر قوته. لقد أنزل الفلسفة من الأبراج العاجية إلى طاولات الطعام وغرف المعيشة. ميزته الكبرى أنه لم يكن "منظّراً" يلقي النصائح من أعلى، بل كان "شريكاً" في الألم. أسلوبه يتميز بـ "العذوبة الحزينة"؛ تقرأ له فتبكي، لكنه بكاء يغسل الصدر ولا يضيقه. يمتلك بصيرة نافذة (Insight) تتجاوز علماء النفس؛ فقدرته على قراءة ما خلف الأقنعة هي موهبة نادرة لا يمتلكها إلا من عركته الحياة وصادق الآلام.
رحيل الجسد وبقاء الأثر
يغادر عبد الوهاب مطاوع عالمنا، لكنه يترك خلفه مكتبة من الإنسانية، ودستوراً للتعامل مع البشر نصه الأول: "لا تنخدعوا بالمظاهر". يعلمنا أن خلف كل وجه ضاحك قصة كفاح تستحق الاحترام، وخلف كل صمت ضجيجاً من الأفكار المخيفة. كتبه هي دعوة لأن نكون أكثر لطفاً ببعضنا البعض، لأننا جميعاً، بلا استثناء، نحمل صخوراً ثقيلة فوق ظهورنا، حتى لو رقصنا بها خفةً أمام الناس. إنه يدعونا لأن نمتلك "عين البصيرة" التي ترى الدمعة قبل أن تسقط، وتسمع الصرخة قبل أن تنطلق.
بناءً على فلسفة عبد الوهاب مطاوع والنص الذي يرى أن الضحك قد يكون بديلاً عن الانتحار، هل تعتقد أن وسائل التواصل الاجتماعي اليوم قد فاقمت هذه الأزمة بفرضها "ديكتاتورية السعادة" حيث يضطر الجميع لاستعراض لحظاتهم المثالية، مما جعلنا نفقد القدرة على التواصل الإنساني الحقيقي والتعاطف مع الألم المخفي، وأصبحنا أكثر انخداعاً بالمظاهر من أي وقت مضى؟

تعليقات
إرسال تعليق