قصيدة "عودة الأنبياء" للشاعر فاروق جويدة
اللحظة الفاضحة بين النور والظلام:
تُعد قصيدة "عودة الأنبياء" للشاعر فاروق جويدة إحدى أعظم صرخات الوجدان العربي المعاصر، حيث يخرج الشاعر من حدود الغزل العاطفي ليخوض في رحلة دينية-وجودية مليئة باليأس والألم. هذه القصيدة ليست مجرد حكاية، بل هي موقف نقدي يضع الواقع العربي المتردي في مواجهة مباشرة مع النور المطلق الذي يمثله الأنبياء (محمد، موسى، عيسى).
تستهل القصيدة بومضة أمل سماوية ثم سرعان ما تنكشف المفارقة الصارخة: قدوم الأنبياء إلى أرض تضج بالجماجم والسجون، أرض فقدت بوصلتها الأخلاقية حتى اختلط فيها "الحرام مع الحرام مع الحلال". الشاعر يركز على تساؤل الأنبياء الصادم: هل هذا هو العالم الذي بذلنا لأجله رسالاتنا؟ إنها قصيدة رثاء للقيم و إدانة صريحة لزمن تحول فيه الإنسان إلى آكل لأخيه، والعدل إلى رفات.
عطرٌ ونورٌ في الفضاء
والأرضُ تحتضنُ السماء
والشمسُ تنظرُ بارتياح للقمر
والزهرُ يهمسُ في حياءٍ للشجر
والعطرُ تنشُره الخمائلُ
فوق أهداب الطيور
والنجمُ في شوق تصافحه الزهور
ضوء يلوح من بعيد
الأرضُ صارت في ظلامِ الليلِ
لؤلؤةً يعانقها ضياء
والناسُ تُسرعُ في الطريق
صوتٌ يدندن في السماء
الآن ، عاد الأنبياء
هذا ضياء مُحمدٍ
ينسابُ يخترقُ المفارقَ والجسور
عيسى وموسى والنبيُ محمدٌ
عطرٌ من الرحمنِ في الدنيا يدور
هذي قلوب الناسِ تنظرُ في رجاء
أتُرى يعودُ لأرضنا زمنُ النقاء ؟
أهلاً بنور الأنبياء
موسى يداعبُ زهرةً
ثكلى ..فينتبه الرحيق
الزهرة الخرساءُ تهمسُ : مرحباً
يا أنبياءَ الحقِّ قد ضاع الطريق
الزهرةُ الخرساءُ تهتف في ذهول : يا أنبياءَ الله
يا من ملأتم بالضياء قلوبنَا
يا من نثرتم بالمحبةِ دربنا
بالقلب أحزانٌ وشكوى تختنق
وربيع أيامٍ يموتُ .. ويحترق
فالأرضُ كبلها الضلال
تاه الحرامُ مع الحرام مع الحلال
والخوفُ يعبثُ في النفوس بلا خجل
والفقرُ في الأعماقِ يغتالُ المنى
ماذا يفيدُ العمرُ لو ضاعَ الأمل؟
الأرضُ يا موسى تضجُ من الجماجمِ والسجون
أطفالنا عرفوا المشانقَ
ضاجعوا الأحزانَ
في زمن الجنون
والشمس ضلت في الشروقِ طريقَهَا
فهوت على شطِّ الغروب
وتأرجحت وسط السماء
ما بين شرقٍ جائرٍ
ما بين غربٍ فاجرٍ
الشمسُ تاهت في السماء
ما عاد فيكِ مدينتي شيءٌ ليمنحنا الضياء
فالليل يحملُ كالضلالِ سيوفه
وبحارُنا صارت دماء
من ينقذ الشطآن من هذي الدماء
في كل ليل داكنِ الأشباح تنتحرُ القلوب
في كلِّ يوم تسخرُ الأحلامُ من زمنٍ كذوب
في كل شبر
من ترابِ الأرضِ أحلامٌ تذوب
قالوا لنا يوماً
بأن الأرض كانت للبشر
موسى بربكَ هل ترى في الأرضِ
شيئاً .. كالبشر ؟
عيسى رسول اللهِ
يا مهد السلام
هذي قبورُ الناسِ
ضاقت بالجماجم والعظام
أحياؤنا فيها نيام
وعلى جبين اليأسِ
مات الحبُ وانتحر الوئام
الحقُ مصلوبٌ مع الأنفاسِ في دنيا الدجل
والحبُ في ليل الدراهمِ
والمخابئ والمباحثِ لم يزل
يشكو زماناً يُسحق الإنسانُ فيه بلا خجل
أهلاً رسول اللهِ
يا خير الهداةِ الصادقين
أنا يا محمدُ قد أتيتكَ
من دروب الحائرين
فلقد رأيتُ الأرضَ
تسكرُ من دماء الجائعين
والناسُ تحرقُ في رفاتِ العدلِ
ماتَ العدل فينا من سنين
أنا يا رسولَ الله طفلٌ حائرٌ
من يرحم الآباءَ من يحمي البنين ؟
الناسُ تأكلُ بعضَها
هذي لحومُ الناسِ نأكلها ونشرب خلفها
دمعَ الحيارى المتعبين
رفقاً رسولَ اللهِ لا تغضب فهذا حالُنا
فلقد عَصينا الله في زمنٍ حزين
ماذا تقولُ إذا سرقتُ الناس خبّرني
وطيفُ الجوع يقتل طفلتي
وأنا أموتُ على الطريقِ وحوله
يسري اللصوصُ وهم سكارى
من بقايا مهجتي ؟
بالله خبرني رسول اللهِ
أين بدايتي .. ونهايتي ؟
أتُرى أعيشُ العمرَ مصلوبَ المنى ؟
أنا يا رسول اللهِ
لم أعرف مع الدجل الرخيص حكايتي
ماذا أكونُ ؟ ومن أكونُ ؟ أمام قبر مدينتي
وأموتُ في نفسي .. أموت
وأموتُ في خوفي .. أموت
وأموت في صمتي .. أموت
أنا يا رسول الله أحيا كي أموت
قالوا بأن الموت موتٌ واحدٌ
وأمام كل دقيقة قلبي يموت
قلبي رسول الله في جنبي يموت
ماذا أقول وقد رأيتُ الأرضَ تفرحُ
بالمعاصي والذنوب؟
ماذا أقولُ وعمري الحيرانُ
يطحنه الغروب ؟
والحبُ في قلبي يذوب
آهٍ رسولَ الله من أيامنا
فلقد رأيتَ بنورِ قلبكَ حالنََا
يا منصف الأحياءِ والموتى
ويا نوراً أضاء طريقنا
لا تترك الأحزانَ ترتعُ بيننا
الشمسُ تصعدُ للسماء
والزهرُ يخنقه البكاء
والليل ينظرُ في دهاء
عاد الظلامُ مدينتي ما كنتِ يوماً .. للضياء
الآن يرحلُ عنكِ نور الأنبياء
النورُ يخترقُ السماء
يمضي بعيداً ، ويح قلبي ليته ما كان جاء
يوماً رأت فيه القلوبُ
بشيرَ صبحٍ عانقت فيهِ الرجاء
يا أنبياءَ الله
لا تتركوا الأرضَ الحزينةَ للضياع
لا تتركوا الأرض الحزينة للضياع
يا أنبياء الله
يا من تريدون الوداع
يا من تركتم للظلام مدينتي
قبل الرحيل تنبهوا
الأرض تمشي للضياع
الأرض ضاعت .. في الضياع
1. صرخة الزهرة الخرساء وتحول القيم
"موسى يداعبُ زهرةً
ثكلى ..فينتبه الرحيق
الزهرة الخرساءُ تهمسُ : مرحباً
يا أنبياءَ الحقِّ قد ضاع الطريق...
بالقلب أحزانٌ وشكوى تختنق
وربيع أيامٍ يموتُ .. ويحترق
فالأرضُ كبلها الضلال
تاه الحرامُ مع الحرام مع الحلال
والخوفُ يعبثُ في النفوس بلا خجل
والفقرُ في الأعماقِ يغتالُ المنى
ماذا يفيدُ العمرُ لو ضاعَ الأمل؟"
هنا يبلغ جويدة قمة الرمزية في تحويل "الزهرة الخرساء" إلى صوت الأمة الصامتة. الزهرة هي الطبيعة النقية التي تحتضن الألم (ثكلى) وتخفي الحق (خرساء). حين يداعبها موسى، تنطق، معلنة الضياع. الجملة المفتاحية هي: "تاه الحرام مع الحرام مع الحلال"؛ وهي تعبير عن انهيار المعيار الأخلاقي والقيمي. لم يعد هناك خط فاصل بين الصواب والخطأ، بل أصبح الواقع عبارة عن فوضى أخلاقية متداخلة. الشاعر يربط هذا التدهور الروحي باليأس الوجودي ("ماذا يفيد العمر لو ضاع الأمل؟")، جاعلاً الخوف والفقر محركين أساسيين لقتل الإرادة والضمير.
2. الأشد قسوة في نقد الواقع السياسي والاجتماعي
"الأرضُ يا موسى تضجُ من الجماجمِ والسجون
أطفالنا عرفوا المشانقَ
ضاجعوا الأحزانَ
في زمن الجنون
ما بين شرقٍ جائرٍ
ما بين غربٍ فاجرٍ
في كل ليل داكنِ الأشباح تنتحرُ القلوب
في كلِّ يوم تسخرُ الأحلامُ من زمنٍ كذوب
في كل شبر
من ترابِ الأرضِ أحلامٌ تذوب
قالوا لنا يوماً
بأن الأرض كانت للبشر
موسى بربكَ هل ترى في الأرضِ
شيئاً .. كالبشر ؟"
يصور هذا المقطع المأساة السياسية والإنسانية المعاصرة. استدعاء موسى (رمز التحرير من فرعون) يأتي ليواجه عالماً مليئاً بالجماجم والسجون، حيث أطفال اليوم يولدون على المشانق. التعبير "ضاجعوا الأحزان" هو تصوير بالغ القسوة لتآلف الجيل الجديد مع الألم. ثم يضع الشاعر الواقع في ميزان جيوسياسي، فـ "الشرق جائر" و "الغرب فاجر"، وكلاهما سبب لضياع "الشمس" (رمز الحقيقة والعدل). ينتهي المقطع بسؤال وجودي مدمر موجه إلى موسى: بعد كل هذا القهر والدمار، هل بقي في الأرض شيء يستحق أن يُسمى "بشراً"؟ هذا السؤال ينزع عن الأمة صفتها الإنسانية، معلناً موت الإنسان فيها.
3. الأكثر تجسيداً لأزمة الضمير الفردي والاجتماعي
"أنا يا رسول الله طفلٌ حائرٌ
من يرحم الآباءَ من يحمي البنين ؟
الناسُ تأكلُ بعضَها
هذي لحومُ الناسِ نأكلها ونشرب خلفها
دمعَ الحيارى المتعبين
ماذا تقولُ إذا سرقتُ الناس خبّرني
وطيفُ الجوع يقتل طفلتي؟
وأنا أموتُ على الطريقِ وحوله
يسري اللصوصُ وهم سكارى
من بقايا مهجتي ؟
بالله خبرني رسول اللهِ
أين بدايتي .. ونهايتي ؟
أتُرى أعيشُ العمرَ مصلوبَ المنى ؟"
ينتقل الشاعر هنا من النقد العام إلى أزمة الضمير الفردي في مواجهة الفقر القاتل. "الناس تأكل بعضها" هي استعارة مباشرة للفساد الاقتصادي والاجتماعي الذي جعل البقاء مبنياً على تدمير الآخرين. قمة المرارة تأتي في تساؤل الشاعر لرسول الله: ماذا يفعل إن اضطر للسرقة لإنقاذ طفلته من الجوع، بينما يرى اللصوص الكبار يسكرون من مهجته؟ هذا التساؤل ليس طلباً لفتوى، بل هو تحدي أخلاقي-اجتماعي يضع الشريعة والقيمة في مواجهة الحاجة الوجودية، ليكشف عن مدى فساد المجتمع الذي يضطر فيه الصالح إلى ارتكاب ما حرمه الله. ينتهي المقطع بالسؤال الوجودي عن المصير: هل القضاء بأن يعيش عمره "مصلوب المنى"؟
يتمثل العمق لقصيدة "عودة الأنبياء" في محورين رئيسيين:
1. الموت الوجودي للأرض:
القصيدة بأكملها مبنية على فكرة أن الجوهر قد مات، وبقي الشكل. عندما يرحل الأنبياء في النهاية، يؤكد الشاعر:
"الأرض تمشي للضياع / الأرض ضاعت .. في الضياع"
هذا الضياع هو حكم بأن الأرض، رغم استمرارها المادي، قد فقدت سبب وجودها. لقد ضاعت الفطرة الإنسانية التي كانت الرسالات تهدف إلى توجيهها. عندما يرى موسى وعيسى ومحمد حجم الجور والنفاق والتحول إلى كائنات تقتل بعضها، فإن الأرض تفقد بالنسبة لهم قيمتها كساحة للرسالة. الأنبياء لا يستطيعون البقاء في مكان حيث الحق "مصلوب مع الأنفاس" (دلالة على أن الحق أصبح صفة نادرة كالهواء النقي).
2. أزمة الهوية وعبثية الوجود المعاصر
في حواره مع النبي محمد، يلخص الشاعر أزمة الهوية في زمن الانحطاط:
"ماذا أكونُ ؟ ومن أكونُ ؟ أمام قبر مدينتي"
هذا التساؤل ليس عادياً، بل هو بحث عن الذات في مجتمع لم يعد يقدم تعريفاً للكرامة أو الحقيقة. الشعور بالموت يتكرر وتتعدد أشكاله:
"أموتُ في نفسي .. أموت"
"أموتُ في خوفي .. أموت"
"أموت في صمتي .. أموت"
"أنا يا رسول الله أحيا كي أموت"
هذا التعبير الأخير هو قمة العبثية، حيث يصبح الهدف من الحياة هو الموت نفسه. الشاعر يعرّف وجوده ككائن موقوت بموت يتكرر كل دقيقة ("وأمام كل دقيقة قلبي يموت"). هذه الفلسفة السوداوية تجعل من الإنسان المعاصر كياناً مفرغاً من الإرادة، مسجوناً في دائرة اليأس التي لا يكسرها إلا رحيل الأنبياء الذي يؤكد استحالة الخلاص.
رحيل النور ودمعة الوداع
تُختتم القصيدة برحيل الأنبياء في صمت، تاركين وراءهم الأرض وهي تغرق في ظلام دامس. هذا الرحيل ليس هروباً، بل هو اعتراف بأن هذه الأرض لم تعد صالحة لاحتضان النور.
الشاعر ينهي قصيدته بمرارة مضاعفة: مرارة الواقع الذي رآه الأنبياء، ومرارة اليأس الأخير من فقدان بصيص الرجاء الذي أطلّ مع عودتهم. "الآن يرحل عنكِ نور الأنبياء... ويمضي بعيداً، ويح قلبي ليته ما كان جاء"، هذه الجملة تُلخص المأساة؛ فالمعرفة المستنيرة التي جلبها النور لم تزد أهل الأرض إلا وعياً عميقاً بضياعهم، فكان مجيئهم المؤقت هو الذروة الأشد ألماً. القصيدة تظل تذكاراً مؤلماً بأن الضياع الحقيقي ليس في غياب النور، بل في العمى المتعمد لمن عاش في الظلام وألفه.
في ضوء إقرار الأمة بلسان "الزهرة الخرساء" بأنها ضلت الطريق، ثم سؤال الشاعر لنبيه محمد عن جواز السرقة لإنقاذ طفلته؛ هل تتحول القيم الدينية المطلقة (الحلال والحرام) إلى قيم نسبية مؤقتة أمام تهديد الفناء المطلق (الجوع والموت)، وما هو دور المجتمع والنظام حين يضع الإنسان في هذا الموقف الوجودي الفاضح؟

تعليقات
إرسال تعليق