لماذا يضحك الرجال عندما ينهار كل شيء فلسفة الضحك أمام الهاوية وسيكولوجية الانهيار العظيم
رقصة العقل على حافة الجنون
هل سبق وشاهدت رجلا يفقد كل ما يملك مشروعه الذي أفنى عمره فيه سيارته التي تحطمت لتوها أو حتى علاقة عاطفية استنزفت روحه وبدلا من أن يصرخ أو يبكي وجدته يطلق ضحكة هستيرية مكتومة ضحكة باردة لا تحمل أي ملامح للسعادة؟ هذه اللحظة تحديدا هي واحدة من أعقد اللحظات في السيكولوجيا الذكورية والفلسفة الوجودية إنها اللحظة التي يتجاوز فيها الألم قدرة الجهاز العصبي على الاستيعاب فيحدث ما يشبه الماس الكهربائي في الدماغ فيترجم الفاجعة إلى نكتة كونية سوداء. لماذا يضحك الرجال تحديدا عندما يحترق العالم من حولهم هل هو جنون أم قمة العقلانية أم هو استسلام كامل للعبثية سنستعرض هنا آراء نيتشه وكامو وفيكتور فرانكل وتشاك بولانيك في رحلة عميقة لفهم ضحكة الانهيار
الفصل الأول ألبير كامو وأسطورة سيزيف الضحك كتمرد على العبث
في كتابه الخالد أسطورة سيزيف يطرح ألبير كامو فكرة العبثية Absurdity باعتبارها الجوهر الأساسي للوجود البشري عندما ينهار كل شيء حول الرجل فإنه يدرك فجأة سخافة محاولاته المستميتة للسيطرة على قدره هنا يصبح الضحك هو رد الفعل الوحيد المنطقي تجاه عالم غير منطقي الضحك هنا ليس فرحا بل هو إعلان استقلال عن التراجيديا
يقول كامو في أسطورة سيزيف إن العامل الذي يعمل كل يوم بجد ثم يرى جهده يذهب سدى هو بطل عبثي لكنه ينتصر بالوعي وهذه الفقرة تشرح الحالة بدقة أترك سيزيف عند سفح الجبل إن المرء يجد عبئه دائما ولكن سيزيف يعلمنا الأمانة العليا وهو أيضا يرى أن كل شيء حسن وهذا الكون الذي بقي لا يبدو له عقيما ولا تافها إن كل ذرة من ذلك الحجر كل لمعة معدنية في ذلك الجبل الذي يغشاه الليل تؤلف وحدها عالما إن الكفاح بحد ذاته نحو القمة يكفي لملء قلب إنسان يجب أن نتخيل سيزيف سعيدا
كامو هنا يخبرنا أن الرجل عندما يرى صخرته تتدحرج للأسفل أي عندما ينهار عالمه يضحك لأنه أدرك أن العقاب والقدر لا يملكان سلطة عليه إلا إذا استسلم للحزن الضحك هو لحظة وعي بأن الكارثة سخيفة وأن الرجل أقوى من مصيره بمجرد أن يواجهه بازدراء ضحكة الرجل هنا تعني أنا أراك أيتها الكارثة ولن تكسريني
الفصل الثاني فريدريك نيتشه والضحك المقدس قوة الإنسان الأعلى
بالنسبة لنيتشه في كتابه هكذا تكلم زرادشت وما وراء الخير والشر الضحك ليس مجرد رد فعل بل هو دلالة على القوة الضحك عند الانهيار هو علامة الانتقال من مرحلة الإنسان العادي إلى الإنسان الأعلى Ubermensch الذي يتقبل القدر Amor Fati ليحبه كما هو بآلامه ودماره الرجل يضحك لأنه يرى في الدمار فرصة لإعادة البناء
يقول نيتشه في هكذا تكلم زرادشت ينبغي عليكم أن تتعلموا الضحك يا من تفكرون بعمق إن كنتم تريدون أن تتحملوا الحياة وتتحملوا أنفسكم ارفعوا قلوبكم أيها الإخوة عاليا أعلى وأعلى ولا تنسوا الساقين أيضا ارفعوا ساقيكم أيضا يا راقصين جيدين والأفضل من ذلك أن تقفوا على رؤوسكم هذا التاج تاج الضحك هذا التاج المزهر بالورود أنا نفسي وضعت هذا التاج على رأسي أنا نفسي أعلنت ضحكي مقدسا لم أجد أحدا آخر اليوم قويا بما يكفي لذلك
نيتشه يرى أن الرجل الذي ينهار عالمه ولا يضحك هو رجل مهزوم أما الذي يضحك فهو يمارس طقسا مقدسا الضحك عند نيتشه هو طاقة حيوية تدمر العدمية عندما يخسر الرجل كل شيء يضحك لأنه تحرر من الخوف لم يعد لديه ما يخسره وبالتالي أصبح خطيرا وحرا بشكل مطلق
الفصل الثالث فيكتور فرانكل والإنسان يبحث عن المعنى سلاح الروح الأخير
في واحد من أهم كتب علم النفس في القرن العشرين الإنسان يبحث عن المعنى يتحدث الطبيب النفسي فيكتور فرانكل عن تجربته في معسكرات الاعتقال النازية كيف كان الرجال يتصرفون وهم يعلمون أنهم قد يعدمون بعد ساعة الضحك هنا كان آلية دفاع نفسية Defense Mechanism تسمى فك الارتباط الضحك يفصلك عن الواقع المؤلم لثوان معدودة مما يسمح لعقلك بالبقاء
يقول فرانكل في كتابه محاولة تنمية حس الدعابة ورؤية الأشياء في ضوء مضحك هي خدعة نتعلمها أثناء إتقان فن العيش حتى ولو للحظات قليلة إن الدعابة هي سلاح آخر من أسلحة النفس في الكفاح من أجل البقاء فمن المعروف جيدا أن الدعابة أكثر من أي شيء آخر في البنية البشرية تستطيع أن توفر مسافة وتجاوزا للموقف ولو لثوان معدودة
عندما يضحك الرجل وهو يوقع أوراق إفلاسه أو يرى منزله يحترق فهذا ما يسميه فرانكل التسامي الذاتي إنه ينظر للمشهد من الأعلى وكأنه مشهد مسرحي لا يخصه هذا الانفصال هو ما يحمي العقل من الانهيار التام الضحكة هنا هي الدرع الأخير الذي يمنع الجنون المطبق
الفصل الرابع تشاك بولانيك ونادي القتال حرية القاع
في الأدب المعاصر يعد كتاب نادي القتال Fight Club لتشاك بولانيك المرجع الأقوى لفلسفة الانهيار المفهوم هنا يدور حول أننا مكبلون بممتلكاتنا ونجاحاتنا وصورنا الاجتماعية وعندما ينهار كل ذلك نتحرر الضحك هنا هو ضحك التحرر من العبودية للمادة
يقول تايلر ديردن في الرواية فقط بعد أن نفقد كل شيء نصبح أحرارا لفعل أي شيء ويقول أيضا الكوارث مصطفة بانتظام علينا أن نكسر شيئا جميلا اللعنة على الكمال اللعنة على التطور لقد طردت من وظيفتك لست محفظتك لست زيك العسكري أنت لست سيارتك أنت لست محتويات محفظتك أنت لست ما ترتديه أنت لست ميزانيتك أنت لست كائنا مميزا
هذا النوع من الضحك هو الأكثر رعبا وجاذبية في نفس الوقت إنه ضحك الرجل الذي أدرك أن القاع ليس مخيفا كما كان يظن الانهيار أزال عنه كل الأقنعة التي كان يرتديها لإرضاء المجتمع يضحك لأنه أدرك أنه كان عبدا للأشياء وعندما ذهبت الأشياء عاد سيدا لنفسه
لماذا يضحك الرجال إذا عند الانهيار مما سبق ومن خلال استعراض هذه الأمهات الفكرية يمكننا تلخيص الأمر في النقاط التالية
أولا الضحك هو قناع الصدمة عندما يعجز العقل عن معالجة حجم الألم يفرغ الطاقة الزائدة في شكل ضحك لحماية القلب من التوقف
ثانيا هو استعادة للسيطرة في اللحظة التي ينهار فيها العالم الخارجي يثبت الرجل لنفسه أن عالمه الداخلي لا يزال خاضعا لسيطرته
ثالثا هو استهزاء بالقدر كما قال كامو وسيزيف الضحك يقلل من هيبة الكارثة ويحجمها
رابعا هو لحظة التنوير الظلامية حيث يدرك الرجل أن كل ما كان يخاف عليه ليس بتلك الأهمية وأن وجوده أعمق من ممتلكاته
صدى الضحكة الأخيرة
إن ضحكة الرجل وسط الركام ليست علامة على السعادة ولا هي بالضرورة علامة على الجنون إنها صوت ارتطام الوهم بالحقيقة إنها اللحظة الفاصلة بين الاستسلام والمقاومة عندما تسمع رجلا يضحك وقد خسر كل شيء لا تظن أنه فقد عقله بل اعلم أنه قد وجد حريته للتو تلك الضحكة هي النسخة البشرية من طائر العنقاء الذي يحترق ليولد من جديد فالانهيار ليس النهاية بل هو مجرد إعادة ضبط قاسية للمصنع البشري
هل سبق لك أن ضحكت في وجه كارثة ألمت بك وشعرت بتلك القوة الغريبة تسري في عروقك بدلا من الدموع؟

تعليقات
إرسال تعليق