ميشيل كلوسكار ورأسمالية الإغواء: مفهوم البهيمة الهمجية في الأسواق والليبرالية التحررية

 




 مروض البهيمة وكاشف الأقنعة

يعد ميشيل كلوسكار أحد أهم الفلاسفة والعلماء الاجتماعيين الماركسيين الفرنسيين الذين تم تهميشهم عمداً لعقود، وذلك لخطورة طرحه الذي يعري التحالف الخفي بين الرأسمالية المتوحشة وبين اليسار الثقافي (اليسار الليبرالي). في طرحه الفلسفي الذي يمكن أن نطلق عليه مجازاً وصف "ترويض البهيمة الهمجية"، يكشف كلوسكار كيف تحولت الرأسمالية من مرحلة القمع والتقشف إلى مرحلة الإغواء واستهلاك الرغبة. هذا التقرير يغوص في عمق فكر كلوسكار، وتحديداً في كتابه العمدة "رأسمالية الإغواء" (Le Capitalisme de la séduction)، ويستعرض كيف تحرر "الوحش" الاستهلاكي ليفترس الوعي الطبقي، وكيف أصبحت "الحرية الجنسية والثقافية" مجرد واجهة لتسليع الإنسان. 


الفصل الأول: تشريح البهيمة.. من القمع إلى الإغواء

في هذا الفصل، نناقش الأطروحة المركزية لكلوسكار. يرى الفيلسوف أن الرأسمالية التقليدية كانت تعتمد على قمع رغبات العامل لضمان الإنتاج، لكن الرأسمالية الحديثة (ما بعد الحرب العالمية الثانية وما بعد أحداث مايو 1968 في فرنسا) اكتشفت أن "إطلاق العنان للبهيمة" (الرغبات الغريزية) هو الطريق الأقصر للربح. لقد تم استبدال "القمع" بـ "الإغواء". لم يعد النظام يريد منك أن تكون زاهداً، بل يريدك نهماً، متحرراً ظاهرياً، ومستعبداً لشهواتك واقعياً.


من الفصل:

إن الرأسمالية الجديدة قد أنجزت تحولاً أنثروبولوجياً هائلاً، لم يعد الأمر يتعلق بقمع الرغبة كما كان الحال في الرأسمالية التنافسية الكلاسيكية التي كانت تحتاج إلى الادخار والتقشف لبناء التراكم الأولي لرأس المال. نحن الآن أمام استراتيجية جديدة كلياً: إنها استراتيجية الإغواء. النظام لا يريد قمع اللاوعي، بل يريد استثماره. إن المجتمع الاستهلاكي هو مجتمع يُسمح فيه بكل شيء، ولكن لا شيء فيه ممكن فعلياً إلا عبر السلعة. إن الحرية التي يطالب بها الطلاب واليسار الثقافي الجديد، حرية الجسد وحرية المتعة، هي في الحقيقة الوجه الآخر للعملة النقدية. إنها ليست ثورة ضد النظام، بل هي أقصى مراحل تكيف النظام مع الغرائز البشرية لتسليعها. هكذا، تصبح الثورة مجرد فلكلور، ويصبح التمرد نمط حياة يباع في المتاجر.


يشرح كلوسكار هنا كيف أن "البهيمة" الكامنة في الإنسان (الرغبات والهوى) لم تعد عدوة للنظام، بل حليفته. الفكرة العبقرية هنا هي كشف "الخديعة الكبرى": إن الذين يظنون أنفسهم متمردين بملابسهم الغريبة وتحررهم الأخلاقي هم في الحقيقة أفضل زبائن للرأسمالية. "البهيمة الهمجية" هنا هي الرغبة المنفلتة من عقال العقل والوعي الطبقي، والتي يتم توجيهها نحو الاستهلاك النهم.


الفصل الثاني: الليبرالية التحررية.. وجه الوحش الجديد

يصك كلوسكار مصطلحاً عبقرياً هو "الليبرالية التحررية" (Libéralisme-libertaire). هذا المصطلح يجمع بين نقيضين ظاهريين: "الليبرالية" الاقتصادية (رأسمالية السوق المتوحشة) و"التحررية" الأخلاقية (فوضى القيم واليسار الثقافي). يرى كلوسكار أن هذا التحالف هو الذي يحكم الغرب اليوم. التاجر يريد مستهلكاً بلا قيود أخلاقية ليشتري كل شيء، والمثقف اليساري الجديد يريد تحطيم "الأسرة والدين والتقاليد" بدعوى الحرية. التقى الاثنان عند هدف واحد: خلق فرد "بهيمي" معزول، لا يربطه بالآخرين سوى الاستهلاك والمتعة العابرة.


إن الفاشية الجديدة لن تأتي بمدرعات ولا بقمصان بنية كما في الماضي، ولن تفرض نفسها بالقوة العسكرية المباشرة في البداية. إن الفاشية الجديدة هي فاشية الرغبة. إنها التحالف المقدس بين السوبر ماركت وبين الملهى الليلي. إنها توحيد السوق واللذة. اليمين التقليدي يدير الاقتصاد، واليسار الجديد يدير الثقافة، وكلاهما يعمل لصالح نفس الهدف: تدمير الطبقة العاملة الواعية واستبدالها بقطيع من المستهلكين النرجسيين. إن هذا التحالف، الذي أسميه الليبرالية التحررية، هو الخيانة العظمى للطبقة العاملة. لقد تخلوا عن الصراع الطبقي الحقيقي (الصراع حول توزيع الثروة) لصالح صراعات هامشية حول الهوية والجنس ونمط الحياة، مما سمح للرأسمالية بالتغول دون مقاومة حقيقية. إنهم يحررون الجسد ليستعبدوا الروح والجيب معاً.


هذا الجزء هو الأكثر روعة وراهنية في فكر كلوسكار. إنه يفسر بدقة ما نراه اليوم من شركات عظمى تدعم قضايا "التحرر" و"الهويات الجندرية". بالنسبة لكلوسكار، هذا ليس تناقضاً، بل هو جوهر النظام. "الوحش" هنا هو هذا النظام الهجين الذي يملك وجهين: وجهاً صارماً في البنك، ووجهاً فاجراً في الإعلام. الفلسفة هنا عميقة جداً لأنها تضرب فكرة "الحرية" الغربية في مقتل، وتعتبرها مجرد "حرية استهلاكية" لا تمنح الإنسان سيادة حقيقية على مصيره.


الفصل الثالث: بوتلاتش الدمار.. استهلاك العلامات والرموز

يستعير كلوسكار مفهوم "البوتلاتش" (وهو طقس قبلي لتبديد الثروة لإظهار القوة) ليصف سلوك الطبقات الجديدة. المجتمع لم يعد يستهلك لسد الحاجة (قيمة استعمالية)، بل يستهلك لإظهار المكانة (قيمة تبادلية رمزية). البهيمة الهمجية هنا تتجلى في التبديد العبثي للموارد. الجينز الممزق، الموسيقى الصاخبة، المخدرات، السفر العشوائي، كلها طقوس "بوتلاتش" حديثة تهدف لتمييز "المستهلك المتميز" عن "المنتج الكادح".


نحن نعيش في عصر اقتصاد الهدر المبرمج. إن المجتمع ينقسم الآن ليس فقط بين من يملك ومن لا يملك، بل بين المنتج الجاد والمستهلك العابث. هناك طبقة طفيلية جديدة تقتات على فائض القيمة الذي ينتجه العمال، ولكنها لا تكتفي باستغلالهم اقتصادياً، بل تحتقرهم ثقافياً. هذه الطبقة تمارس طقوس الاستهلاك التباهي، وتخلق تراتبية اجتماعية قائمة على القدرة على المتعة وليس القدرة على العمل. إن البهيمية هنا تكمن في تحويل الإنسان إلى كائن إشاري، كائن يستمد وجوده فقط من الماركات التي يرتديها والأماكن التي يرتادها. إنه خواء روحي يتم ملؤه ببضائع لا نهائية، وحلقة مفرغة من الرغبة التي لا تشبع، لأنها رغبة مصطنعة خلقها التسويق وليست حاجة طبيعية.


في هذا الفصل، يلامس كلوسكار الجانب النفسي للرأسمالية. "البهيمة" هي النفس التي لا تشبع. يرى أن النظام يخلق "ندرة وهمية" و"رغبات وهمية" ليبقي الإنسان في حالة لهاث دائم. الأروع هنا هو نقده لما يسمى "الطبقة الوسطى الجديدة" أو "البرجوازية الصغيرة"، التي تخلت عن قيم العمل والجدية وتبنت قيم اللعب والعبث، مما جعلها الأداة المثالية للنظام لتدمير التماسك الاجتماعي.


 هل يمكن ترويض الوحش؟

يختتم كلوسكار رؤيته بنظرة متشائمة ولكنها تحريضية. يرى أن العودة للصراع الطبقي الحقيقي وللقيم "الجادة" (العمل، المسؤولية، الوعي التاريخي) هي الحل الوحيد. يجب كسر مرآة "الإغواء" لرؤية وجه "الاستغلال" القبيح خلفها. البهيمة الهمجية ليست في الطبيعة البشرية، بل هي منتج صناعي للرأسمالية المتقدمة.


إن فكر ميشيل كلوسكار هو الترياق المضاد للسموم الفكرية المعاصرة. إنه يعلمنا أن لا نغتر بالشعارات البراقة عن "الحرية الفردية" إذا كانت هذه الحرية تعني فقط حرية الشراء والبيع وتشييء الإنسان. "البهيمة الهمجية" هي استعارة لحالة الإنسان عندما يتم تجريده من بعده الاجتماعي والتاريخي ويُختزل في جهاز هضمي وتناسلي تحركه إعلانات الشركات. التقرير يوضح أن المعركة ليست ضد الرغبة في ذاتها، بل ضد "أيديولوجيا الرغبة" التي تستخدم كأداة للسيطرة السياسية.


بناءً على تحليل كلوسكار للتحالف بين السوق (اليمين) والرغبة (اليسار الثقافي)، هل تعتقد أن حركات التحرر الحديثة (التي تركز على الجسد والهوية) هي في الحقيقة "حصان طروادة" الذي تستخدمه الرأسمالية لتفكيك آخر حصون المقاومة الاجتماعية (الأسرة والمجتمع المترابط)، أم أنها مكاسب حقوقية حقيقية تم اختطافها لاحقاً؟

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

في ظلال الوعي ورحلة التصالح مع الذات \ ماثيو ماكسويل

جينالوجيا السلطة الحديثة \ ميشيل فوكو

عواطف الأشخاص الطبيعيين أو انفعالات الأسوياء

لماذا تصمت الحملان؟ كيف تدمر ديمقراطية النخبة والنيوليبرالية مجتمعنا وأسس حياتنا

الوعي كحدث كوني

في فلسفة الضحك والوجع

كتاب الإبداع والمرض النفسي: جيمس سي كوفمان

العصر العصبي: الإنسان المعاصر مستغلا لذاته وهو يظن أنه يحقق حريته

ليالي سانت بطرسبرغ \ جوزيف دي ميستر

الذات والمجتمع من فرويد إلى كريستيفا