مهزلة العقل البشري للدكتور علي الوردي رحلة في أعماق التناقض الاجتماعي والنفسي

 




يعد كتاب مهزلة العقل البشري أحد أهم الركائز الفكرية التي أنتجتها المكتبة العربية في العصر الحديث، وهو يمثل الامتداد الطبيعي والأكثر نضجاً لكتاب وعاظ السلاطين. صدر هذا الكتاب في خمسينيات القرن الماضي للعالم الاجتماعي العراقي الفذ الدكتور علي الوردي، ولم يكن مجرد كتاب عابر، بل كان صرخة فكرية في وجه المسلمات الاجتماعية والجمود المنطقي الذي كان يسيطر على العقل العربي. الكتاب لا يناقش قضايا سطحية، بل يغوص بمبضع الجراح في العقلية العربية والإسلامية، مفككاً آليات التفكير، وكاشفاً الغطاء عن التناقضات الصارخة بين ما ندعيه من مثاليات وما نمارسه من واقع. إن كلمة مهزلة في العنوان لم تأتِ عبثاً، فالوردي يرى أن العقل البشري الذي يتباهى بمنطقه ورقيه، هو في الحقيقة أداة طيعة بيد العاطفة والمصالح، يُبرر لصاحبه ما يهوى، ويُلبس الرغبات ثوب المنطق والحقائق. هذا التقرير سيأخذك في جولة معمقة داخل فصول الكتاب، لنفهم لماذا لا يزال هذا الكتاب حياً ونابضاً حتى يومنا هذا.


الفصل الأول: طبيعة العقل البشري وصراع المنطق القديم والحديث


في هذا القسم التأسيسي من الكتاب، يشن علي الوردي هجوماً كاسحاً على المنطق الأرسطي (المنطق الصوري القديم) الذي كان يعتمد على القياسات المجردة والحقائق المطلقة الثابتة. يرى الوردي أن العقل البشري ليس جهازاً محايداً لاكتشاف الحقيقة كما كان يتصور الفلاسفة القدماء، بل هو عضو تطوري وظيفته الأساسية خدمة صاحبه وتبرير رغباته وضمان بقائه.


يقول علي الوردي: إن العقل البشري لم يُخلق من أجل اكتشاف الحقيقة، إنما خُلق من أجل الكفاح في سبيل العيش. إن الحقيقة ترف لا يطلبه إلا من شبعت بطنه واستراحت أعصابه. والإنسان حين يجوع أو يخاف لا يبالي بالحقيقة، بل هو يبالي بما يشبعه أو يؤمنه، وهو يستخدم عقله عندئذ لكي يبرر له ما يفعله، فالعقل خادم للأهواء وليس سيداً عليها كما يزعم المناطقة.


يضرب الوردي هنا صنم العقلانية المثالية في مقتل. الفكرة الجوهرية هي أن الإنسان كائن بيولوجي واجتماعي قبل أن يكون كائناً منطقياً. عندما تتعارض مصلحة الإنسان أو بقاؤه مع الحقيقة، فإن العقل يقوم بعملية التفاف بارعة ليقنع صاحبه بأن مصلحته هي الحقيقة ذاتها. هذا يفسر لماذا نجد أشخاصاً أذكياء جداً يدافعون عن خرافات أو أفكار متطرفة؛ ليس لأنهم أغبياء، بل لأن عقولهم تعمل بكفاءة عالية لتبرير ما استقر في وجدانهم العاطفي أو الاجتماعي.


الفصل الثاني: الإطار الفكري وتأثير البيئة


ينتقل الوردي لترسيخ مفهوم الإطار، وهو القالب الذي يصبه المجتمع في عقل الفرد منذ ولادته. نحن لا نرى العالم كما هو، بل نراه من خلال نظارة المجتمع الذي نشأنا فيه. هذا الإطار يحدد لنا ما هو "حق" وما هو "باطل" دون أن نشعر، مما يجعل الحقيقة نسبية وتختلف من مجتمع لآخر ومن عصر لآخر.


يقول الوردي: إن الإنسان لا يستطيع أن يرى الحقائق عارية، بل هو يراها دائماً من خلال إطار مجتمعه وثقافته. وكلما كان الإنسان أكثر انغلاقاً في مجتمعه، كان أكثر يقيناً بأنه يمتلك الحقيقة المطلقة وحده. إن الشك هو بداية الحكمة، واليقين هو بداية الجهل، لأن الموقن قد أغلق عقله على ما فيه من معتقدات، ورفض أن ينظر فيما عند غيره من آراء. إننا لا نكتشف الحقيقة، بل نحن نصنعها في كثير من الأحيان بما يتلاءم مع قوالبنا الفكرية المسبقة.


هذا النص يؤسس للنسبية الاجتماعية. الوردي يحذرنا من "الدغمائية" والتعصب. الفكرة العميقة هنا هي أن "اليقين" الذي يشعر به المتطرف (سواء كان تطرفاً دينياً أو سياسياً) ليس دليلاً على صحة فكرته، بل هو دليل على قوة "الإطار" الذي يحيط بعقله ويحجب عنه رؤية الزوايا الأخرى. الفلسفة هنا تدعو للتواضع الفكري؛ فما تراه أنت حقاً مطلقاً، يراه غيرك باطلاً مطلقاً، وكلاكما ضحية لإطاره الاجتماعي.


الفصل الثالث: التنازع البشري وقوانين الحضارة والبداوة


يخصص الوردي مساحة واسعة لتحليل الصراع الأزلي في الشخصية العربية، وهو الصراع بين قيم البداوة (الشجاعة، الغزو، الثأر، العصبية) وقيم الحضارة (القانون، العمل المؤسسي، التسامح، الالتزام). يرى أن العقل العربي يعيش في "شيزوفرينيا" أو ازدواجية، فهو يحيا في مدينة حديثة بملابس عصرية، لكنه يحمل في عقله الباطن قيم القبيلة والصحراء.


يقول الوردي: إن الحضارة ليست مجرد مبانٍ شاهقة وسيارات فارهة، بل هي قبل كل شيء قدرة الإنسان على التعاون مع من يختلف معه في الرأي. البدو يحلون مشاكلهم بالسيف، أما المتحضرون فيحلونها بالحوار والقانون. ومشكلة مجتمعنا أننا لبسنا ثوب الحضارة ولم نخلع عنا عقلية البداوة، فنحن نستخدم التكنولوجيا الحديثة لننشر بها أفكار القرون الوسطى، ونركب الطائرة لنحج بها إلى أضرحة الأولياء طلباً للمدد، ونستخدم الديمقراطية لننصر بها العشيرة والطائفة.


هذا الاقتباس يشرح بعمق مأساة التحديث المشوه. الحضارة عند الوردي سلوك ذهني وليست مظهرا ماديا. المأزق الفلسفي الذي يطرحه هو أن الأدوات تتغير (سيارة، إنترنت) لكن المحرك النفسي (التعصب، رفض الآخر) يبقى بدوياً. هذا التناقض يخلق مجتمعاً مشوهاً، "مهلهلاً"، يعيش نفاقاً اجتماعياً دائماً، حيث يتحدث الناس عن القانون نهاراً ويلجؤون للواسطة والعشيرة ليلاً.


الفصل الرابع: نقد رجال الدين والوعاظ


يستكمل الوردي ما بدأه في وعاظ السلاطين، منتقداً الدور السلبي الذي يلعبه الوعاظ التقليديون الذين يركزون على الجزئيات والطقوس الشكلية ويهملون جوهر العدالة الاجتماعية ومحاربة الظلم. يرى أن الدين تحول على أيديهم إلى "مخدر" يلهي الناس عن حقوقهم، بدلاً من أن يكون ثورة ضد الطغيان.


يقول الوردي: إن الدين ثورة قبل أن يكون طقوساً، وعدالة قبل أن يكون عبادة. ولكن الوعاظ حولوه إلى مجموعة من التمتمات والحركات التي لا تسمن ولا تغني من جوع. إنهم يشغلون الناس بفقه الطهارة والحيض والنفاس، وينسون فقه المظالم وسرقة قوت الشعب. إن الله لا يبالي بصلاتك وصيامك إذا كنت تأكل حقوق الناس وتظلم الضعفاء. إن الظلم هو الكفر الحقيقي، والعدالة هي الإيمان الحقيقي، ومهما صليت وصمت فإنك لن تخدع الله عن حقيقة نيتك وسلوكك.


هنا يرفع الوردي الغطاء عن "التدين الشكلي". الفلسفة هنا تفرق بين "الدين" كقيم عليا (عدالة، حرية، مساواة) وبين "التدين" كممارسة اجتماعية قد تكون فارغة من المضمون. الوردي يتهم الوعاظ بأنهم، بقصد أو بدون قصد، يخدمون السلاطين والطغاة من خلال توجيه غضب الجماهير نحو قضايا فرعية تافهة، بدلاً من توجيهه نحو أسباب بؤسهم وشقائهم الحقيقية.



إن كتاب مهزلة العقل البشري ليس كتاباً يُقرأ للمتعة العابرة، بل هو كتاب "صادم" يهدف إلى خلخلة القناعات. تكمن عظمة الكتاب في أنه لم يقدم حلولاً جاهزة، بل قدم "طريقة تفكير". لقد علمنا الوردي كيف نشك في المسلمات، وكيف نبحث عن الدوافع الخفية وراء السلوك البشري.

من الناحية النقدية، قد يؤخذ على الوردي أحياناً مبالغته في التعميم، أو استناده إلى نظريات نفسية واجتماعية قديمة نوعاً ما مقارنة بالعلم الحديث، لكن الجوهر الفلسفي لتحليله ما زال دقيقاً بشكل مرعب في توصيف واقعنا العربي الحالي. الكتاب هو مرآة نخشى النظر فيها لأنها ترينا عيوبنا بوضوح تام ودون تجميل. إنه دعوة لتحرير العقل من "المهزلة" التي يعيشها، مهزلة التناقض بين القول والفعل، وبين المنطق والهوى.


بعد استعراض هذه الأفكار العميقة لعلي الوردي، هل تعتقد أننا في عصرنا الحالي وتطورنا التكنولوجي الهائل قد نجحنا في الخروج من "مهزلة العقل البشري"، أم أن التكنولوجيا والمنصات الحديثة قد ساهمت في تعميق "الإطار" وزيادة التعصب وجعلت المهزلة أكثر تعقيداً وانتشاراً؟

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

في ظلال الوعي ورحلة التصالح مع الذات \ ماثيو ماكسويل

جينالوجيا السلطة الحديثة \ ميشيل فوكو

عواطف الأشخاص الطبيعيين أو انفعالات الأسوياء

لماذا تصمت الحملان؟ كيف تدمر ديمقراطية النخبة والنيوليبرالية مجتمعنا وأسس حياتنا

الوعي كحدث كوني

في فلسفة الضحك والوجع

كتاب الإبداع والمرض النفسي: جيمس سي كوفمان

العصر العصبي: الإنسان المعاصر مستغلا لذاته وهو يظن أنه يحقق حريته

ليالي سانت بطرسبرغ \ جوزيف دي ميستر

الذات والمجتمع من فرويد إلى كريستيفا