معضلة العدالة المطلقة وأوهام المساواة بين يوتوبيا الفلاسفة وواقع البشرية
منذ أن وعى الإنسان ذاته وانفصل بوعيه عن الطبيعة الصامتة، ظل هاجس العدالة يؤرقه كحلم بعيد المنال، وكأنه ذكرى منسية من فردوس مفقود. إن البحث عن العدالة المطلقة ليس مجرد مبحث قانوني أو سياسي، بل هو أعمق جرح وجودي في الكينونة البشرية. نحن نولد وفي داخلنا ميزان خفي نزن به أفعال الوجود، ونشعر بالألم حين نرى كفة ترجح بغير حق. ولكن، هل هذه العدالة التي نتشوق إليها حقيقة يمكن تجسيدها على أرض الواقع، أم أنها مجرد "مثال" أفلاطوني معلق في سماء التجريد، لا يطاله البشر إلا ليشوهوه؟ إن التساؤل عن إمكانية العدالة المطلقة يقودنا بالضرورة إلى الاشتباك مع مفهوم المساواة، ذلك المفهوم الذي يبدو للوهلة الأولى توأماً للعدالة، ولكنه عند التدقيق الفلسفي قد يتحول إلى نقيضها القاتل. لعل الخطوة الأولى في هذا المسار الوعر هي التمييز بين العدالة كإجراء والعدالة كقيمة مطلقة. لقد نظر الفلاسفة القدماء، وعلى رأسهم أفلاطون، إلى العدالة لا باعتبارها مجرد توزيع للثروات، بل باعتبارها "تناغماً" كونياً. في جمهوريته الفاضلة، لم تكن العدالة تعني أن يحصل الجميع على نفس الشيء، بل أن يؤدي كل فرد الدور الذي ...