ميخائيل ليرمنتوف وتشريح سراب الوجود في قصيدة وهم
رقصة العميان على حافة الهاوية
في تاريخ الأدب العالمي، قلة هم الشعراء الذين استطاعوا، في أبيات مقتضبة، أن يختزلوا مأساة الوجود البشري برمتها كما فعل ميخائيل ليرمنتوف، هذا الشاعر الروسي الذي عاش ومات كشهاب عابر ومتمرد. قصيدته وهم ليست مجرد مرثية للحياة، بل هي وثيقة إدانة فلسفية لنمط العيش البشري القائم على الغفلة. إن ليرمنتوف، وريث الرومانسية السوداوية وصوت "بطل العصر" الضائع، يضعنا أمام مرآة قاسية لا تعكس وجوهنا، بل تعكس الجماجم القابعة خلف الأقنعة. إننا أمام نص يشرح بدقة جراحية حالة "النوم المغناطيسي" التي تحكم البشر، حيث يقضي الإنسان عمره مستثمراً عواطفه ودموعه في بنك الأوهام، ليكتشف في اللحظة الأخيرة، لحظة الحقيقة المطلقة، أن رصيده كان صفراً، وأن العملة التي تداولها طيلة حياته كانت مزيفة.
النص:
سنظل نشرب من نبع الحياة
وعيوننا مغمضة
وسنظل نسقي أوراق الذهب
بكلّ ما لدينا من دموع
وقبيل الموت نصحو فجأة
وينزاح القناع
ونفتح عيوننا, فإذا الكلّ وهم
حتى ذاك الذي كان من هنيهة يبهرنا
وهما ستراها
تلك الأجمّة المذهّبة
وهما كبيرا, ثمّ فراغا
وسيبدو لنا عبثا
كلّ ما شربناه على نخبها من كؤوس
آه …هذه الدنيا, ليست لنا
الفصل الأول: السكر من نبع الغفلة والعيون المغلقة
يبدأ ليرمنتوف قصيدته بصورة صادمة: سنظل نشرب من نبع الحياة وعيوننا مغمضة. هنا يضرب الشاعر الوتد الأول في خيمة فلسفته المتشائمة. الحياة كنبع متدفق، لكن البشر لا يشربون منها بوعي، بل بنهم الأعمى. "العيون المغمضة" هنا ليست إشارة للعمى البيولوجي، بل للعمى الإدراكي والروحي. إنه التعبير الأدبي عن "التنويم الاجتماعي" و"الوعي الزائف". نحن نعيش، نأكل، نتكاثر، ونراكم الثروات، لكننا نفعل ذلك ونحن في حالة حلم، تحركنا الغرائز والبرمجة الاجتماعية. نحن لا نتذوق طعم الحياة الحقيقي، بل نتجرع ما يُسكب في أفواهنا ونحن نيام. هذه الحالة تذكرنا بمفهوم "المايا" في الفلسفة الشرقية، أي حجاب الوهم الذي يغطي حقيقة العالم، ويجعلنا نرى الحبال ثعابين، والسراب ماء.
الفصل الثاني: كيمياء الخسارة.. مقايضة الذهب بالدموع
يقول الشاعر: وسنظل نسقي أوراق الذهب بكل ما لدينا من دموع. لعل هذا البيت هو الأكثر إيلاماً وعبقرية في القصيدة. إنه يصور معادلة اقتصادية وجودية خاسرة. "أوراق الذهب" ترمز لكل ما يلمع في دنيانا: المجد، السلطة، الثروة، المكانة الاجتماعية، وحتى العلاقات السطحية. هذه الأشياء جامدة، باردة، ومعدنية. وفي المقابل، بماذا نسقيها؟ بـ "الدموع"، والدموع هي عصارة الروح، هي أصدق ما يملكه الإنسان، هي رمز الحياة والشعور والمعاناة الحقيقية. نحن إذن نهدر "الحي" و"الغالي" (مشاعرنا وأعمارنا) من أجل تنمية "الميت" و"الرخيص" (أوهام المجد الدنيوي). إننا نستنزف أرواحنا لنلمع قيودنا الذهبية، متوهمين أن هذا الذهب سيبادلنا الحب أو يمنحنا الخلود، بينما هو في الحقيقة لا يرتوي ولا يشعر.
الفصل الثالث: لحظة الصحوة المتأخرة وسقوط القناع
وقبيل الموت نصحو فجأة، وينزاح القناع. إن توقيت الصحوة عند ليرمنتوف تراجيدي بامتياز. لماذا قبيل الموت؟ لأن الموت هو الحقيقة الوحيدة التي لا تقبل التزييف. أمام الموت، تسقط الألقاب، وتنهار التراتبية الاجتماعية، وتتلاشى ضرورة "التمثيل" أمام الآخرين. "انزياح القناع" هنا يحمل دلالة نفسية عميقة تتقاطع مع نظرية كارل يونج حول "البيرسونا" (القناع الاجتماعي). طوال حياتنا، نرتدي أقنعة لنرضي المجتمع، ولنحمي أنفسنا، حتى تلتصق هذه الأقنعة بوجوهنا ونظنها حقيقتنا. لكن الموت يمزق هذا القناع بقسوة. الفجيعة ليست في الموت ذاته، بل في اكتشاف أن الحياة التي عشناها تحت القناع لم تكن حياتنا نحن، بل كانت مسرحية هزلية لعبنا فيها دور الكومبارس بجدية مفرطة.
الفصل الرابع: الأجمة المذهبة والعدمية المطلقة
ونفتح عيوننا، فإذا الكل وهم... وهماً كبيراً، ثم فراغاً. هنا يصل الشاعر إلى ذروة العدمية. ما كان يبهرنا "من هنيهة" يتحول إلى غبار. يستخدم ليرمنتوف تعبير "الأجمة المذهبة"، والأجمة هي الغابة الكثيفة الملتفة. الحياة الدنيوية مثل غابة كثيفة ومزينة بالذهب، نتوه في تفاصيلها وزخارفها، ظانين أن بداخلها كنزاً. ولكن عند الصحوة، نكتشف أن الذهب كان مجرد طلاء رخيص، وأن الغابة فارغة. "الفراغ" هنا هو الحقيقة النهائية للعالم المادي المجرد من المعنى الروحي. إنه صدى لصيحة سفر الجامعة: باطل الأباطيل، الكل باطل. الكؤوس التي شربناها نخب الانتصار، والاحتفالات التي أقمناها، كلها تبدو "عبثاً". الشعور بالعبث هنا هو إدراك اللامعنى، وهو العقاب القاسي لمن عاش حياته يطارد السراب.
لا يمكن فصل هذه القصيدة عن شخصية ليرمنتوف القلقة والمغتربة. عبارته الأخيرة آه... هذه الدنيا، ليست لنا تلخص جوهر الاغتراب الوجودي. إنها تعني أن الروح البشرية، في جوهرها النقي، أكبر من هذا العالم المادي الضيق. العالم بقوانينه ونفاقه وزيفه "ليس مكاناً لائقاً" للروح الحرة. هذا الشعور بأننا "غرباء" أو "منفيون" في هذا العالم هو المحرك الأساسي للفكر الرومانسي، وهو أيضاً ما يؤدي إلى القلق الذي تحدث عنه أريك فروم. لكن بينما يقترح فروم "الحب والعمل" كحل، يبدو ليرمنتوف أكثر يأساً، حيث يرى أن الحل الوحيد لهذا التناقض هو نهاية اللعبة (الموت) واكتشاف الخدعة. القصيدة هي صرخة احتجاج ضد تسليع المشاعر وضد خداع الذات.
الوهم كحقيقة إنسانية
إن قصيدة وهم لميخائيل ليرمنتوف ليست دعوة للموت، بل هي دعوة شرسة لليقظة قبل فوات الأوان. إنها تحذير من أن نصل إلى خط النهاية لنكتشف أننا كنا نركض في الاتجاه الخاطئ. إن "الوهم" الذي يتحدث عنه ليس مجرد خيال، بل هو المؤسسات والأفكار والقيم المزيفة التي نقدسها ونفني أعمارنا في خدمتها. تعلمنا القصيدة أن "الذهب" لا يشعر بالدموع التي تُسفك لأجله، وأن القناع مهما كان جميلاً، فإنه سيخنق صاحبه في النهاية إن لم ينتزعه بإرادته. الدنيا "ليست لنا" طالما كنا عبيداً لمظاهرها، لكنها قد تصبح "لنا" إذا استطعنا أن نشرب من نبع الحياة وعيوننا مفتوحة، مميزين بين ما هو حقيقي وما هو زائف.
إذا افترضنا أن هذه القصيدة هي نبوءة صادقة، وأن لحظة الموت ستكشف لك حتماً أن 90% مما تقلق بشأنه الآن وتهدر دموعك وأعصابك لأجله هو "وهم" و"أجمة مذهبة" فارغة.. فما هي الأشياء القليلة جداً، والحقيقية جداً، المتبقية في حياتك الآن، التي تستحق أن تتمسك بها لكي لا تشعر بذلك "الفراغ والعبث" في اللحظة الأخيرة؟ وبمعنى آخر: ما الذي سيتبقى منك إذا سقط القناع اليوم؟

تعليقات
إرسال تعليق