معضلة العدالة المطلقة وأوهام المساواة بين يوتوبيا الفلاسفة وواقع البشرية

 




منذ أن وعى الإنسان ذاته وانفصل بوعيه عن الطبيعة الصامتة، ظل هاجس العدالة يؤرقه كحلم بعيد المنال، وكأنه ذكرى منسية من فردوس مفقود. إن البحث عن العدالة المطلقة ليس مجرد مبحث قانوني أو سياسي، بل هو أعمق جرح وجودي في الكينونة البشرية. نحن نولد وفي داخلنا ميزان خفي نزن به أفعال الوجود، ونشعر بالألم حين نرى كفة ترجح بغير حق. ولكن، هل هذه العدالة التي نتشوق إليها حقيقة يمكن تجسيدها على أرض الواقع، أم أنها مجرد "مثال" أفلاطوني معلق في سماء التجريد، لا يطاله البشر إلا ليشوهوه؟ إن التساؤل عن إمكانية العدالة المطلقة يقودنا بالضرورة إلى الاشتباك مع مفهوم المساواة، ذلك المفهوم الذي يبدو للوهلة الأولى توأماً للعدالة، ولكنه عند التدقيق الفلسفي قد يتحول إلى نقيضها القاتل. 


لعل الخطوة الأولى في هذا المسار الوعر هي التمييز بين العدالة كإجراء والعدالة كقيمة مطلقة. لقد نظر الفلاسفة القدماء، وعلى رأسهم أفلاطون، إلى العدالة لا باعتبارها مجرد توزيع للثروات، بل باعتبارها "تناغماً" كونياً. في جمهوريته الفاضلة، لم تكن العدالة تعني أن يحصل الجميع على نفس الشيء، بل أن يؤدي كل فرد الدور الذي هيأته له طبيعته؛ فالحاكم يحكم، والجندي يحارب، والصانع يصنع. وهنا تبرز أولى إشكاليات "المساواة المطلقة"؛ فلو سعينا لمساواة مطلقة بين الحكيم والجاهل، أو بين الشجاع والجبان، فإننا حسب المفهوم الأفلاطوني نرتكب أكبر درجات الظلم، لأننا نضع الأشياء في غير مواضعها. إن العدالة هنا هي "وضع الشيء في نصابه"، وليست "توزيع الشيء بالتساوي". وهذا ينقلنا إلى أرسطو الذي عمق الجرح بمقولته الشهيرة التي تفرق بين "المساواة الحسابية" (التي تعطي الجميع نفس المقدار) و"المساواة التناسبة" (التي تعطي كل ذي حق حقه بناءً على جدارته). إن أرسطو يحذرنا من أن الظلم لا يقع فقط حين نعامل المتساوين بطريقة غير متساوية، بل يقع وبشكل أفدح حين نعامل غير المتساوين بطريقة متساوية.


وعند الانتقال إلى العصور الحديثة، نجد أن معضلة العدالة اتخذت منحى أكثر تعقيداً مع جون راولز، فيلسوف العدالة الأبرز في القرن العشرين. لقد أدرك راولز أن الحديث عن "العدالة المطلقة" مستحيل في ظل تفاوت الحظوظ الطبيعية والاجتماعية. فكيف يمكن أن نكون عادلين إذا كان أحدهم يولد ذكياً والآخر محدود الذكاء، أو يولد هذا في قصر وذاك في كوخ؟ هنا ابتكر راولز تجربة ذهنية مذهلة أسماها "ستار الجهل". تخيل أنك ستولد من جديد، لكنك لا تعرف هل ستكون غنياً أم فقيراً، موهوباً أم عادياً، رجلاً أم امرأة. ما هي القوانين التي ستضعها لهذا المجتمع قبل أن تولد فيه؟ يرى راولز أن البشر في هذه الحالة سيختارون نظاماً يضمن الحد الأدنى من الكرامة للجميع، ولن يختاروا المساواة المطلقة التي تقتل الطموح، بل سيقبلون بالتفاوت بشرط أن يكون هذا التفاوت في مصلحة الفئات الأقل حظاً. إن فلسفة راولز هنا تعترف ضمنياً بأن "العدالة المطلقة" وهم، وأن الممكن هو "العدالة كإنصاف"، أي محاولة ردم الفجوة الهائلة التي تخلقها صدفة الميلاد.


إن الحديث عن المساواة المطلقة يجرنا إلى منطقة خطرة جداً في الفلسفة السياسية والاجتماعية. فالمساواة نوعان: مساواة في الفرص، ومساواة في النتائج. المساواة في الفرص هي جوهر العدالة، حيث يقف الجميع على نفس خط البداية. أما المساواة في النتائج، فهي المحاولة القسرية لجعل الجميع يصلون إلى خط النهاية معاً، وهنا تكمن الديكتاتورية المقنعة. إن محاولة فرض المساواة المطلقة بين البشر تعني بالضرورة سحق الحرية الفردية. لكي تجعل الناس متساوين تماماً، يجب عليك أن تأخذ من المجتهد لتعطي الكسول، وأن تكبح جماح الموهوب لكي لا يسبق العادي. وكما صور الروائي كورت فونيغت في قصته الديستوبية "هاريسون بيرجيرون"، فإن المجتمع الذي يفرض المساواة المطلقة يضطر لإجبار الأقوياء على حمل أثقال تعيق حركتهم، وإجبار الأذكياء على سماع ضجيج يشتت تفكيرهم، حتى لا يتفوق أحد على أحد. هل هذه عدالة؟ أم أنها "عدالة القبور" حيث لا يتساوى الجميع إلا في الموت؟ إن المساواة المطلقة وهم جميل، لكنه إذا مورس على أرض الواقع يتحول إلى كابوس يقضي على التنوع البشري الذي هو أساس الحضارة.


وفي سياق تعميق النقاش، نستحضر صوتاً فلسفياً مغايراً وثورياً، وهو صوت فريدريك نيتشه، الذي رأى في دعوات المساواة المطلقة نوعاً من "أخلاق العبيد". بالنسبة لنيتشه، العدالة التي تنادي بالمساواة هي حيلة ابتكرها الضعفاء للحد من قوة الأقوياء وللانتصار عليهم عبر الشعور بالذنب والقانون، بدلاً من الانتصار عليهم في مضمار الحياة الطبيعي. يرى نيتشه أن الطبيعة غير عادلة وغير متساوية، وأن محاولة فرض المساواة هي محاولة ضد الطبيعة وضد الحياة نفسها. ورغم قسوة هذا الطرح، إلا أنه يكشف لنا جانباً مظلماً من دعوات المساواة؛ وهو أنها قد تكون نابعة أحياناً من الحسد وليس من الرغبة في الخير، الرغبة في أن ينزل الجميع إلى القاع بدلاً من أن يصعد الجميع إلى القمة.


يقول إيمانويل كانط: "إذا فُقدت العدالة، لم تعد هناك قيمة لحياة الناس على الأرض". 

هذا الاقتباس المخيف يربط وجود الإنسان ومعنى حياته بالعدالة. لكن كانط هنا يتحدث عن العدالة الأخلاقية، العدالة كواجب مطلق (Imperative Categorical)، حيث يجب أن يُعامل الإنسان كغاية في حد ذاته وليس كوسيلة. إن غياب العدالة يحول البشر إلى مجرد أرقام أو أدوات، وهنا تسقط إنسانيتهم. 

ومن زاوية أخرى، يقول كارل ماركس في نقده للبرنامج السياسي: "من كلٍ حسب قدرته، ولكلٍ حسب حاجته". 

هذه العبارة هي ذروة الحلم بالمساواة الشيوعية، حيث تذوب الملكية الفردية. ولكن التاريخ أثبت أن تطبيق هذه المقولة يتطلب سلطة قمعية هائلة لتحديد "القدرات" و"الحاجات"، مما ينتهي بظلم جديد باسم العدالة. 

ويقول المفكر النمساوي فريدريك حايك: "إن السعي وراء المساواة المطلقة لا يمكن أن يتم إلا في ظل نظام شمولي، وكلما سعينا لجعل الناس متساوين، كلما كان علينا أن نعاملهم بشكل غير متساوٍ". 

وهذا شرح عميق للمفارقة؛ فلكي أجعل الدخل متساوياً، يجب أن أتدخل بقوة القانون لآخذ من هذا وأعطي ذاك، مما ينسف مبدأ المساواة أمام القانون.


 "العدالة الزمنية" مقابل "العدالة الكونية". نحن كبشر نمتلك منظوراً محدوداً للعدالة، محصوراً في قاعة المحكمة أو توزيع الثروة. لكن هناك منظوراً أوسع يرى أن الحياة بحد ذاتها عملية توازن كبرى قد لا ندرك أبعادها. قد نرى شخصاً ظُلِم في موقف ما، لكننا لا نرى السياق الكامل لحياته أو تأثير هذا الظلم في صقله وبناء شخصيته. هل الألم جزء من العدالة الوجودية؟ هل المعاناة ضرورية لخلق المعنى؟ الفلسفات الوجودية والدينية ترى أن العدالة المطلقة مؤجلة، وأن الأرض هي دار ابتلاء ونقص، وأن البحث عن الكمال في دار النقص هو أصل الشقاء الإنساني. إن محاولة "تأليه" الإنسان وجعله الحاكم المطلق القادر على تحقيق عدالة سماوية على الأرض غالباً ما انتهت بمجازر تاريخية، من المقاصل الفرنسية إلى الجولاغ السوفيتي.


خلاصة القول في هذا التقرير المتشابك، إن العدالة المطلقة والمساواة المطلقة هما نجمتان في السماء نهتدي بهما ولا نصل إليهما أبداً. العدالة ليست حالة سكون نصل إليها ثم نجلس ونستريح، بل هي كفاح مستمر، وتفاوض دائم بين الحرية والمساواة، بين حق الفرد وحق الجماعة. المساواة المطلقة وهم لأن البشر ليسوا نسخاً كربونية، والعدالة المطلقة مستحيلة لأن القانون البشري قاصر واللغة قاصرة والأدلة ناقصة دائماً. إن أقصى ما يمكننا تحقيقه هو "العدالة الإجرائية" والإنصاف النسبي، ومحاولة تقليل الظلم لا القضاء عليه نهائياً. إن قبولنا بنسبية العدالة البشرية هو قمة النضج العقلي، وهو ما يحمينا من الوقوع في فخ اليوتوبيا القاتلة التي تضحي بالحاضر من أجل مستقبل متخيل لن يجيء.


وبعد هذا التطواف بين أروقة الفلسفة ودهاليز الواقع، يبقى السؤال المفتوح الذي يقرع جدران الضمير الإنساني، وهو سؤال لا نطلب منه إجابة بقدر ما نطلب منه إيقاظاً للتفكير: إذا كانت العدالة المطلقة تتطلب معرفة مطلقة بالنوايا والظروف والقلوب، وتلك صفة إلهية وليست بشرية، فهل نحن محكوم علينا بأن نكون "ظالمين" بالضرورة لمجرد أننا بشر نحاول ممارسة دور الآلهة في الحكم على الآخرين؟ وهل العدالة الحقيقية تكمن في تطبيق القانون بصرامة، أم في الرحمة التي تتجاوز القانون أحياناً لتلامس جوهر الإنسانية الضعيفة؟

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

في ظلال الوعي ورحلة التصالح مع الذات \ ماثيو ماكسويل

جينالوجيا السلطة الحديثة \ ميشيل فوكو

عواطف الأشخاص الطبيعيين أو انفعالات الأسوياء

لماذا تصمت الحملان؟ كيف تدمر ديمقراطية النخبة والنيوليبرالية مجتمعنا وأسس حياتنا

الوعي كحدث كوني

في فلسفة الضحك والوجع

كتاب الإبداع والمرض النفسي: جيمس سي كوفمان

العصر العصبي: الإنسان المعاصر مستغلا لذاته وهو يظن أنه يحقق حريته

ليالي سانت بطرسبرغ \ جوزيف دي ميستر

الذات والمجتمع من فرويد إلى كريستيفا