التفسيرات البيولوجية للأحلام ونظرية التنشيط والتوليف
في خضم السكون الذي يلف العالم ليلاً، تبدأ رحلة غامضة داخل جمجمة الإنسان، رحلة طالما حيرت الفلاسفة والعرافين والعلماء منذ فجر التاريخ، وهي رحلة الحلم. لطالما نُظر إلى الأحلام على أنها رسائل من الآلهة أو نوافذ على المستقبل أو كما رآها سيجموند فرويد طريقاً ملكياً إلى اللاوعي ومسرحاً للرغبات المكبوتة. ولكن مع بزوغ فجر العلم الحديث وتطور تقنيات تصوير الدماغ وعلم الأعصاب، حدث تحول جذري في فهمنا لهذه الظاهرة، حيث انتزع العلم الحلم من أيدي المفسرين الروحانيين والمحللين النفسيين الكلاسيكيين ليضعه تحت مجهر البيولوجيا الدقيقة. إن هذا الانتقال من التفسير النفسي البحت إلى التفسير العصبي البيولوجي يمثل ثورة معرفية قادها العالمان آلان هوبسون وروبرت مكارلي من جامعة هارفارد في عام 1977، عندما طرحا نظريتهما الجريئة المعروفة باسم نظرية التنشيط والتوليف، والتي تعد حجر الزاوية في الفهم الحديث لما يحدث داخل أدمغتنا عندما ننام.
لفهم عمق هذه النظرية، يجب أن نغوص في الآلية البيولوجية التي اقترحها هوبسون ومكارلي، حيث رفضا الفكرة القائلة بأن الأحلام تحمل معاني خفية أو رموزاً تحتاج إلى فك شفرة كما ادعى فرويد. بدلاً من ذلك، اقترحا أن الأحلام هي في جوهرها نتاج لعمليات عصبية عشوائية تحدث في جذع الدماغ. وفقاً لهذه النظرية، يبدأ الحلم بمرحلة التنشيط، حيث تنطلق إشارات كهربائية عشوائية وتلقائية من منطقة في جذع الدماغ تسمى الجسر أو فارول، وتحديداً خلال مرحلة نوم حركة العين السريعة. هذه الإشارات لا تحمل أي معنى بحد ذاتها، بل هي مجرد نشاط كهربائي بيولوجي بحت يشبه الشرر المتطاير، يقوم بقصف القشرة المخية المسؤولة عن التفكير العالي والوعي والإدراك البصري. هنا تكمن المعضلة البيولوجية الرائعة: القشرة المخية، التي صممت لتفسير المعلومات وإيجاد المعاني، تجد نفسها فجأة أمام سيل من الإشارات العشوائية والمشوشة القادمة من الجسر، ولأن الدماغ البشري مجبول فطرياً على حب النظام وكره العشوائية، فإنه لا يستطيع ترك هذه الإشارات دون تفسير.
هنا تبدأ المرحلة الثانية من النظرية، وهي مرحلة التوليف أو التركيب. تقوم القشرة المخية بمحاولة يائسة ومبدعة في آن واحد لخلق قصة متماسكة من هذه الإشارات العشوائية والفوضوية. وللقيام بذلك، يستعين الدماغ بمخزونه من الذكريات والصور والمشاعر والخبرات السابقة ليحبك رواية تبرر هذا النشاط الكهربائي. إذا كانت الإشارة العشوائية تحفز المنطقة المسؤولة عن الركض، فقد ينسج الدماغ قصة عن الهروب من وحش؛ وإذا حفزت الإشارة منطقة التوازن، فقد يحلم الشخص بأنه يطير أو يسقط. بناءً على ذلك، فإن غرابة الأحلام وعدم منطقيتها ليست رموزاً مقنعة لرغبات جنسية أو عدوانية مكبوتة، بل هي مجرد آثار جانبية لمحاولة الدماغ العقلاني فرض النظام على الفوضى البيولوجية الصاعدة من جذع الدماغ. وكأن القشرة المخية هي راوٍ موهوب يحاول تأليف رواية منطقية بناءً على كلمات متقاطعة عشوائية أعطيت له دون سياق.
من أروع الجوانب الفلسفية والمضمونية التي يمكن استخلاصها من هذا الطرح العلمي هو إعادة تعريف مفهوم الإبداع البشري والوعي الذاتي. إن نظرية هوبسون لا تنفي المعنى كلياً، بل تغير مصدره. فبدلاً من أن يكون المعنى مخفياً في قبو اللاوعي المظلم، يصبح المعنى موجوداً في الطريقة التي نؤلف بها القصة. إن الحلم، وفقاً لهذا المنظور، يصبح أكثر شفافية وصدقاً، فهو يكشف عن أسلوب الحالم في رؤية العالم وعن مخاوفه الحالية التي يستخدمها كأدوات لبناء القصة.
يقول آلان هوبسون في اقتباس يعكس جوهر فلسفته: الدماغ عازم بشكل لا يلين على البحث عن المعنى، لدرجة أنه يخلقه حتى عندما لا يكون هناك شيء سوى الضوضاء.
هذه العبارة تلخص الطبيعة البشرية بأكملها؛ نحن كائنات صانعة للمعنى، نرفض الفراغ والعبثية، وسنخلق قصصاً وأساطير لتفسير وجودنا حتى لو كان المحفز مجرد شرارة كهربائية عشوائية. هذا يطرح فكرة فلسفية عميقة مفادها أننا لسنا مجرد متلقين لواقعنا، بل نحن مشاركون نشطون في خلقه، حتى ونحن نيام.
النظرية تطورت لاحقاً لتشمل نموذجاً ثلاثي الأبعاد يعرف بنظام AIM، والذي يفسر حالات الوعي المختلفة بناءً على ثلاثة عوامل: التنشيط (مستوى طاقة الدماغ)، ومدخلات ومخرجات المعلومات (مصدر البيانات هل هو خارجي أم داخلي)، والتعديل (كيمياء الدماغ). أثناء الحلم، يكون الدماغ عالي التنشيط مثل اليقظة، ولكنه مغلق تماماً عن العالم الخارجي (مدخلات ومخرجات مقطوعة)، وتتغير كيمياؤه بشكل جذري حيث يغيب النورإبينفرين والسيروتونين (المسؤولان عن المنطق والذاكرة الخطية) ويسود الأستيل كولين (المسؤول عن الصور والعواطف). هذا التغيير الكيميائي يفسر لماذا نتقبل غرابة الأحلام أثناء حدوثها ولا نستغربها إلا بعد الاستيقاظ؛ لأن الجزء الناقد والمنطقي من الدماغ يكون كيميائياً خارج الخدمة. إن هذا التفسير البيولوجي يعطينا عذراً فسيولوجياً لجنوننا الليلي المؤقت، ويجعل من الحلم حالة من الذهان الصحي الذي نمر به جميعاً كل ليلة.
إن الرأي الذي يمكن تبنيه هنا هو أن هذا التفسير العلمي لا يجرد الأحلام من سحرها، بل يضيف إليها بعداً جديداً من الجمال والتعقيد. إنه يرينا كيف أن البيولوجيا والمادة (الدماغ والأعصاب) تتشابك لتنتج ظاهرة غير مادية وميتافيزيقية (الوعي والقصة). إنه جسر يربط بين الفسيولوجيا القاسية وبين الشعرية الحالمة للنفس البشرية. يمكن القول إن الأحلام هي فن الدماغ التجريدي، حيث الألوان والخطوط (الإشارات العصبية) لا تمثل واقعاً فوتوغرافياً، بل تمثل انطباعات ومشاعر وحالات وجودية. إنها تشبه موسيقى الجاز الارتجالية؛ الإيقاع قد يكون عشوائياً في بدايته، ولكن العزف (التوليف) هو الذي يمنحه الروح والهوية.
وختاماً نجد أن علم الأعصاب الحديث، ومن خلال نظريات مثل التنشيط والتوليف، قد أعاد كتابة تاريخ فهمنا للذات. لم نعد ننظر إلى النوم كحالة سلبية من توقف النشاط، ولا للأحلام كرسائل مشفرة من عالم الغيب أو عقد نفسية دفينة فقط، بل كعملية نشطة، ديناميكية، وإبداعية يقوم بها الدماغ للحفاظ على دوائره العصبية، ولدمج الذاكرة، ولممارسة مهارة البقاء الأهم: إيجاد معنى وسط الفوضى. يظل الدماغ البشري هو المعجزة الكبرى، الآلة التي لا تنام حقاً، بل تنتقل من وضع استقبال الواقع إلى وضع صناعة الواقع الخاص بها.
ويبقى السؤال الذي يطرح نفسه بقوة أمام هذا الطرح العلمي والفلسفي: إذا كان المحفز الأولي لأحلامنا، وبالتالي لجزء كبير من وعينا الذاتي وعواطفنا، هو مجرد شرارة كهربائية عشوائية خالية من المعنى، فهل يعني هذا أن القصص التي نرويها لأنفسنا عن هوياتنا وحياتنا في اليقظة هي أيضاً، بشكل أو بآخر، مجرد محاولة يائسة من أدمغتنا لتبرير وجودنا العشوائي في هذا الكون؟

تعليقات
إرسال تعليق