كتاب كيف تغير عقلك علم السايكدليك الجديد \ مايكل بولان
يعد كتاب كيف تغير عقلك للمؤلف والصحفي الأمريكي الشهير مايكل بولان واحدا من أهم الكتب العلمية والفلسفية التي صدرت في القرن الحادي والعشرين والتي تتناول موضوعا شائكا ومثيرا للجدل وهو علم السايكدليك أو العقاقير المهلوسة وتأثيرها على الوعي البشري. لا يقدم بولان في هذا الكتاب دليلا لتعاطي المخدرات بل يقدم تحقيقا استقصائيا رصينا ورحلة شخصية وعلمية عميقة لاستكشاف كيف يمكن لهذه المواد أن تعيد تشكيل فهمنا للعقل والموت والإدمان والاكتئاب والتعالي الروحي. ينطلق بولان من عقلية المتشكك المادي فهو ليس هيبيز من الستينيات بل كاتب علمي مرموق يؤمن بالدليل الملموس مما يعطي رحلته مصداقية هائلة. الفكرة المركزية للكتاب تدور حول لغز الوعي وهيكل الأنا أو الإيجو وكيف أن تفكيك هذه الأنا مؤقتا قد يكون المفتاح لعلاج أمراض نفسية مستعصية ولتحقيق سلام روحي عميق. إنه كتاب عن استعادة الدهشة وعن النظر للعالم بعيون جديدة وعن العلم الذي يلتقي أخيرا بالروحانية في مختبرات الجامعات المرموقة.
الفصل الأول: عصر النهضة والعودة من المنفى
يستعرض بولان في بداية الكتاب التاريخ المنسي لأبحاث السايكدليك حيث كانت هذه المواد في الخمسينيات تعتبر أدوات واعدة جدا في الطب النفسي لعلاج إدمان الكحول والاكتئاب قبل أن تخرج الأمور عن السيطرة في الستينيات بسبب الاستخدام الترفيهي غير المسؤول والترويج السياسي المضاد من قبل شخصيات مثل تيموثي ليري مما أدى إلى تجريمها وتوقف الأبحاث لعقود. يصف بولان هذه الفترة بأنها عصور مظلمة للعلم حيث تم وأد اكتشافات كان يمكن أن تخفف معاناة الملايين. يعود بولان ليسلط الضوء على ما يسمى بالنهضة الحديثة حيث بدأ علماء شجعان في جامعات مثل جونز هوبكنز وإمبريال كوليدج لندن في نفض الغبار عن هذه الأبحاث.
من الفصل:
يقول بولان في هذا السياق كان هناك وقت بدت فيه السايكدليك وكأنها المفتاح الذهبي لفهم العقل البشري بل وربما لتغيير العالم. لكن التاريخ تدخل وأغلق الباب بعنف. ما نراه اليوم ليس اكتشافا جديدا بقدر ما هو استعادة لحكمة قديمة وعلم مفقود. إننا نحاول أن نلتقط الخيط من حيث انقطع قبل أن تفرض الهيستيريا السياسية والاجتماعية رقابتها على البحث العلمي. السؤال ليس ما إذا كانت هذه المواد قوية بل كيف يمكننا استخدام هذه القوة بمسؤولية لشفاء العقول المحطمة.
الفصل الثاني: علم الأعصاب والشبكة الوضعية الافتراضية
هذا هو الجزء الأكثر كثافة علمية وإثارة في الكتاب حيث يشرح بولان ماذا يحدث في الدماغ فعليا تحت تأثير هذه المواد. يقدم لنا مفهوم شبكة الوضع الافتراضي أو ما يعرف بـ Default Mode Network وهي الشبكة العصبية المسؤولة عن التفكير الذاتي والتجول العقلي وصناعة قصة الأنا. هذه الشبكة هي المدير الصارم الذي يحكم الدماغ وينظم المعلومات ويمنعنا من رؤية العالم بكل تفاصيله الهائلة لكي نتمكن من العمل بكفاءة. يكتشف العلماء أن السايكدليك تقوم بتهدئة هذه الشبكة أو إيقافها مؤقتا مما يسمح لمناطق الدماغ المختلفة بالتواصل مع بعضها البعض بحرية غير مسبوقة وهذا ما يفسر حالة ذوبان الأنا وتداخل الحواس والرؤى الإبداعية.
من الفصل:
يشرح بولان ببراعة تخيل أن عقلك هو تلة مغطاة بالثلوج والأفكار هي زلاجات تنزل من فوقها. بمرور الوقت ومع تكرار النزول تتشكل مسارات وأخاديد عميقة تصبح هي الطرق الوحيدة المتاحة للتفكير. هذه هي عاداتنا العقلية وأنماطنا الدفاعية. ما تفعله السايكدليك هو أنها تهز التلة وتسوي الثلوج مرة أخرى مما يمحو تلك الأخاديد القديمة ويتيح للزلاجة أن تتخذ مسارات جديدة تماما لم تكن ممكنة من قبل. إنها تعيد الدماغ إلى حالة من المرونة واللدونة تشبه عقل الطفل حيث كل شيء جديد ومدهش ومترابط. إننا نقضي حياتنا البالغة في بناء دفاعات لحماية الأنا ولكن في بعض الأحيان تصبح هذه الدفاعات هي السجن الذي نعيش فيه.
الفصل الثالث: رحلة المؤلف الشخصية
لم يكتف بولان بالبحث النظري بل قرر وهو في الستينيات من عمره أن يخوض التجربة بنفسه تحت إشراف مرشدين سريين ومدربين محترفين. يصف تجاربه مع مواد مثل إل إس دي والسيلوسيبين عيش الغراب السحري وسم الضفدع بأسلوب أدبي رفيع. يصف لحظة ذوبان الأنا لديه ليس كحدث مرعب بل كتحرر هائل. يروي كيف رأى نفسه يتناثر مثل قصاصات الورق في الريح وكيف شعر باتحاد تام مع الموسيقى ومع الطبيعة ومع الكون من حوله. هذه التجارب جعلته يدرك أن وعيه ليس محصورا داخل جمجمته وأن الشعور بالانفصال عن العالم هو وهم يصنعه الدماغ لغايات البقاء.
من تجربة المؤلف:
يصف بولان إحدى تجاربه قائلا لم أعد أشعر بوجودي ككيان منفصل. لقد تبخرت الأنا تلك الصوت الداخلي المستمر الذي لا يتوقف عن الانتقاد والتحليل والمطالبة. وما تبقى لم يكن فراغا بل كان وعيا صافيا ومحبة هائلة. شعرت أنني والمقطوعة الموسيقية التي كنت أسمعها قد أصبحنا شيئا واحدا. لم أكن أسمع الموسيقى بل كنت أنا الموسيقى. أدركت حينها أننا طوال حياتنا نعيش خلف جدران سميكة من مخاوفنا ورغباتنا وعندما تنهار هذه الجدران ولو للحظات نرى الحقيقة العارية للوجود وهي حقيقة مفعمة بالجمال والترابط. إن الموت الذي نخشاه هو موت الأنا ولكن الوعي يبدو وكأنه شيء أكبر وأقدم من أن ينتهي.
الفصل الرابع: العلاج والتطبيقات الطبية
ينتقل الكتاب للحديث عن التطبيقات العملية المذهلة لهذه الأبحاث خاصة في علاج الاكتئاب المقاوم للأدوية والإدمان والخوف من الموت لدى مرضى السرطان في مراحلهم الأخيرة. الفكرة الجوهرية هنا هي أن تجربة واحدة عميقة ذات طابع روحاني يمكن أن تغير نظرة الإنسان للحياة والموت بشكل جذري ودائم. المرضى الذين خاضوا التجربة وصفوا الأمر بأنه إعادة ضبط للمخ أو رؤية الصورة الكبرى من مسافة بعيدة ما يسمى بتأثير النظرة العامة. لم يعد الموت نهاية مرعبة بل تحول بيولوجي طبيعي وجزء من دورة حياة أكبر.
يقول بولان نقلا عن أحد الباحثين إن نقيض الإدمان والاكتئاب ليس الرصانة أو السعادة بل هو التواصل. الناس الذين يعانون من هذه الأمراض هم في الغالب منقطعون عن أنفسهم وعن الآخرين وعن الطبيعة محبوسون في دوائر مفرغة من التفكير السلبي الذي تفرضه الشبكة الوضعية الافتراضية المفرطة في النشاط. السايكدليك تكسر هذه الدائرة وتفتح النوافذ ليدخل الهواء النقي. إنها لا تقدم حلا كيميائيا مثل مضادات الاكتئاب التي تخدر المشاعر بل تقدم تجربة وجودية عميقة تعلم المريض كيف يواجه مخاوفه وكيف يعيد بناء علاقة صحية مع وجوده. إنها علاج بالمعنى الحقيقي للكلمة وليست مجرد تسكين للألم.
يطرح الكتاب فكرة فلسفية عميقة جدا وهي الفرق بين المعرفة والمدركات. نحن نعرف فكريا أننا جزء من الطبيعة وأننا سنموت يوما ما ولكننا نادرا ما ندرك ذلك بشعورنا وكياننا. الكتاب يجادل بأن التجربة الروحانية هي حق بيولوجي للإنسان وأن الحضارة الغربية المادية قد جردت الإنسان من طقوس العبور والتسامي التي كانت موجودة في الثقافات القديمة. بولان يقترح أن الروحانية والعلم ليسا نقيضين بل يمكن للعلم أن يشرح الآليات البيولوجية للتجربة الروحانية دون أن ينقص من قيمتها. إن تقليل نشاط الأنا يسمح بظهور نوع آخر من الوعي أكثر رحمة وشمولية.
كتاب كيف تغير عقلك ليس دعوة للهروب من الواقع بل هو دعوة للغوص فيه بعمق أكبر. إنه يغير تعريفنا للصحة العقلية من مجرد غياب المرض إلى وجود حالة من المرونة والانفتاح والترابط. ينهي بولان كتابه بتفاؤل حذر مشيرا إلى أننا نقف على أعتاب ثورة في الطب النفسي وفهم الوعي ولكن يجب علينا أن نتعامل مع هذه الأدوات باحترام وحذر شديدين مع التركيز المتواصل على أهمية الحالة الذهنية والبيئة المحيطة Set and Setting. إنه كتاب يعيد الاعتبار للتجربة الذاتية وللغموض الذي يلف الوجود البشري ويذكرنا بأن العقل البشري هو أعظم لغز في الكون.
بناء على ما طرحه مايكل بولان حول كون الأنا أو الإيجو هو ما يبني الحضارة ولكنه أيضا ما يفصلنا عن الطبيعة وعن بعضنا البعض ويسبب لنا المعاناة النفسية.. هل تعتقد أن البشرية قادرة على التطور لتجاوز سيطرة الأنا المفرطة ودمج هذه التجارب الروحانية في حياتنا اليومية العلمانية أم أننا محكومون بالبقاء أسرى لشبكاتنا العصبية الدفاعية وخوفنا من الفناء؟

تعليقات
إرسال تعليق