تشريح الضعف السياسي وسيكولوجية الخنوع
يُعد كتاب المعتدلون أو بالفرنسية Les Modérés للكاتب والسياسي الفرنسي آبل بونار واحداً من أكثر الكتب السياسية والفكرية حدة وإثارة للجدل التي صدرت في النصف الأول من القرن العشرين، وتحديداً في عام 1936. يأتي هذا الكتاب في سياق تاريخي شديد الاضطراب، حيث كانت أوروبا تغلي بالصراعات الأيديولوجية بين الفاشية والشيوعية، وكانت الجمهورية الفرنسية الثالثة تعاني من حالة من الترهل والضعف المؤسسي. آبل بونار، الذي عُرف بأسلوبه الأدبي الراقي ونزعته الهجومية الساخرة، يقدم في هذا الكتاب مرافعة شرسة ضد تيار الوسط السياسي أو ما يسميهم المعتدلين. هو لا يهاجم اليسار الثوري مباشرة في هذا العمل بقدر ما يهاجم الطبقة المحافظة والبورجوازية التي تتظاهر بالحفاظ على القيم بينما هي في الحقيقة تفتقر إلى أي عقيدة راسخة أو شجاعة للمواجهة. الكتاب ليس مجرد نقد سياسي، بل هو تحليل نفسي واجتماعي لظاهرة الضعف البشري عندما يتسربل برداء الحكمة والتعقل. بونار يرى أن الاعتدال في أوقات الأزمات الكبرى ليس فضيلة، بل هو قناع للجبن، وتواطؤ صامت مع الانحدار. كيف تموت الأمم عندما يفقد حراسها القدرة على الغضب أو الفعل.
الفصل الأول: بورتريه الرجل المعتدل... سيكولوجية الخوف واللا مبالاة
في القسم الأول من الكتاب، يكرس بونار جهده لرسم صورة نفسية دقيقة لـ المعتدل. إنه يرى أن هذا الشخص ليس وسطياً عن قناعة فكرية تبحث عن الحقيقة بين نقيضين، بل هو شخص خائف، يخشى الصدام، ويخشى أن يُنعت بالرجعية، وفي نفس الوقت يخشى الثورة. المعتدل عند بونار هو كائن هلامي، يعيش على أمجاد الماضي ولكنه لا يجرؤ على الدفاع عنها. إنه يمثل الطبقة التي تملك كل شيء (المال، الثقافة، المكانة) لكنها لا تملك الإرادة للدفاع عن وجودها. يصفهم بأنهم أشخاص فقدوا الغريزة الحيوية للصراع، واستبدلوها بمناورات لفظية لا طائل منها.
من الفصل الأول
يقول آبل بونار واصفاً هذه الفئة: إن المعتدلين ليسوا قوماً يعيشون في الوسط لأنهم وجدوا فيه نقطة التوازن، بل لأنهم يفتقرون إلى القوة للذهاب إلى أي طرف. إنهم يقفون في المنتصف لأنهم منهكون، لا لأنهم عادلون. إن المعتدل هو رجل يطلب المعذرة من الجميع لأنه موجود. إنه يرى خصومه يتقدمون نحوه، مشحونين بالكراهية والعزم، وبدلاً من أن يشهر سيفه، نراه يبتسم ابتسامة باهتة، محاولاً أن يثبت لهم أنه ليس عدواً تماماً، وأنه يتفهم مطالبهم. إن مأساة المعتدل ليست في أنه لا يعرف الحقيقة، بل في أنه لا يجرؤ على الجهر بها إلا همساً، وكأن الحقيقة عار يجب ستره. إنه يدافع عن المجتمع كما يدافع المريض عن صحته، بحذر وخوف، لا بحيوية وقوة.
في هذا الاقتباس المرعب بدقته، يضرب بونار مفهوم الاعتدال السياسي في مقتل. الفكرة الفلسفية هنا تدور حول أصل الأخلاق السياسية؛ هل هي نابعة من القوة أم الضعف؟ نيتشه كان يرى أن الكثير من الأخلاق هي حيلة الضعفاء، وبونار يسير على هذا النهج. هو يرى أن ما يسميه هؤلاء حكمة هو في الواقع انعدام للطاقة الحيوية. المعتدل يطلب المعذرة لأنه موجود تعبير يختزل حالة الدونية النفسية التي يشعر بها المحافظون أمام المد الثوري الجارف في ذلك الوقت. هم يشعرون بالذنب الطبقي، وبالتالي يفقدون الحق الأخلاقي في القيادة. الجملة الأخطر هي يدافع عن المجتمع كما يدافع المريض عن صحته، أي أن دفاعه هو دفاع سلبي، دفاع من يريد تجنب الموت لا من يريد صناعة الحياة.
الفصل الثاني: خيانة القيم واستعارة لغة العدو
ينتقل الكتاب في محطته الثانية لتحليل الاستراتيجية السياسية للمعتدلين، والتي يصفها بونار بـ الانتحار البطيء. الفكرة المحورية هنا هي أن المعتدلين، وبسبب خوفهم من سطوة اليسار والأفكار الراديكالية، يبدؤون في تبني مصطلحات خصومهم وأفكارهم تدريجياً، ظناً منهم أنهم بذلك يروضون الوحش، بينما هم في الحقيقة يطعمونه من لحمهم. ينتقد بونار بشدة كيف يتنازل المعتدلون عن ثوابتهم قطعة قطعة، وكيف يتحولون إلى مجرد صدى باهت للأقوياء. إنهم لا يملكون مشروعاً خاصاً، بل مشروعهم هو تأخير الكارثة فقط، أو تلطيفها، دون القدرة على منعها.
من الفصل الثاني
يكتب بونار بمرارة: إن أعظم انتصار يحققه الأعداء ليس في هزيمة المعتدلين في المعركة، بل في إجبارهم على التحدث بلغتهم. انظر إليهم، هؤلاء الذين يدعون حماية التراث والنظام، كيف يتسابقون لاستخدام مفردات الثورة والتقدم والعدالة الاجتماعية، لا لأنهم يؤمنون بها، بل لكي يتقوا شر من يؤمنون بها. إن المعتدل يعتقد أنه بتبنيه لأفكار خصمه المخففة، سينجو من العقاب. يا له من وهم! إن التمساح لا يشكرك لأنك أطعمته يدك، بل هو ينتظر التهام بقية جسدك. إنهم خونة لقضيتهم، ليس لأنهم باعوها بالمال، بل لأنهم باعوها بالخوف. إنهم يسلمون حصون الحضارة مفتاحاً تلو الآخر، وهم يهنئون أنفسهم على "المرونة" السياسية، بينما التاريخ يسجل أنهم كانوا مجرد حفاري قبور لأنفسهم.
يركز هذا المقطع على فكرة الهيمنة الثقافية واللغوية. القوة الحقيقية في السياسة - بحسب بونار - هي فرض المصطلحات وتحديد أرض المعركة. عندما يستخدم المعتدل لغة خصمه، فهو قد خسر المعركة قبل أن تبدأ، لأنه اعترف ضمنياً بتفوق الخصم الأخلاقي. فلسفياً، هذا يشير إلى فقدان الأصالة. المعتدل يصبح مسخاً؛ لا هو حافظ على هويته القديمة، ولا هو تحول إلى ثوري حقيقي. تشبيه التمساح يوضح سذاجة التفكير التوفيقي في مواجهة الأيديولوجيات الشمولية أو الراديكالية التي لا تقبل القسمة. بونار هنا يحذر من أن المرونة التي يتغنى بها السياسيون قد تكون اسماً حركياً للتخاذل.
الفصل الثالث: انهيار النخبة ومسؤولية الانحطاط
في الأجزاء الأخيرة من الكتاب، يوسع بونار دائرة النقد لتشمل النخبة الفرنسية بأكملها التي سمحت بصعود هذا النوع من السياسيين. هو يرى أن المعتدلين هم عَرَض لمرض عضال أصاب الروح الأوروبية، وهو مرض الشك والنسبية. لم يعد هناك يقين، ولم يعد هناك إيمان مطلق بشيء يستحق الموت من أجله. يربط بونار بين الضعف السياسي وبين الترف المادي، حيث يرى أن الراحة المفرطة أفسدت الطباع وجعلت الناس يفضلون السلام المهين على الحرب الشريفة. الكتاب هنا يتحول إلى رثاء للحضارة التي فقدت عمودها الفقري.
من الفصل الثالث
يقول في فقرة شديدة البلاغة: هكذا تموت الأمم، ليس بصخب المعارك دائماً، بل بهمسات الغرف المغلقة حيث يُقرر الرجال "العقلاء" أن التنازل أفضل من المواجهة. إن المعتدلين هم حراس المتحف الذين سمحوا للصوص بالدخول لأنهم خافوا من كسر الزجاج. إنهم يفتقرون إلى تلك الشرارة المقدسة، إلى ذلك الجنون الجميل الذي جعل أجدادهم يبنون الكاتدرائيات ويفتحون الأمصار. لقد استبدلوا السيف بالعصا التي يتكئون عليها. عندما ينظر المؤرخون إلى عصرنا، لن يتعجبوا من وحشية البرابرة الذين هاجمونا، بل سيتعجبون من نعومة الضحايا الذين فتحوا لهم الأبواب. إن الجريمة الكبرى للمعتدلين هي أنهم جعلوا الفضيلة تبدو مملة، والشجاعة تبدو تهوراً، والوطنية تبدو تعصباً. لقد أفرغوا العالم من معناه، ثم اشتكوا من أنه أصبح فارغاً.
هذا الاقتباس يلامس جوهر الفلسفة التاريخية عند بونار. هو يرى التاريخ كصراع إرادات (Will to Power). الحضارة لا تستمر بالقوانين فقط، بل بـ الشرارة المقدسة أي الروح والعقيدة والإيمان. نقد المعتدلين هنا يتجاوز السياسة ليصل إلى الجماليات والأخلاق؛ هم جعلوا الحق يبدو ضعيفاً ومملاً، مما دفع الشباب للبحث عن القوة في التيارات المتطرفة (سواء كانت فاشية أو شيوعية) لأنها توفر لهم المعنى والحماسة. عبارة جعلوا الفضيلة تبدو مملة هي إدانة عميقة للوسطية الباردة التي لا تلهم أحداً. بونار يحملهم مسؤولية الفراغ الروحي الذي مهد الطريق للكوارث.
كتاب المعتدلون لآبل بونار هو وثيقة إدانة قاسية لا ترحم. ورغم أن الكاتب نفسه انزلق لاحقاً إلى التطرف والتعاون مع الاحتلال النازي (وهو ما يثبت نظريته بشكل عكسي، حيث أن كرهه للضعف دفعه للانبهار بالقوة الغاشمة)، إلا أن تحليله لظاهرة الوسطية المائعة يظل يحمل راهنية مدهشة. الكتاب مكتوب بلغة فرنسية كلاسيكية رفيعة، مليئة بالصور البلاغية والتشبيهات اللاذعة. بونار لا يقدم حلولاً عملية بقدر ما يقدم تشخيصاً لمرض الشلل السياسي. إنه كتاب يقرأه اليمين لجلد الذات، ويقرأه اليسار ليفهم كيف ينظر إليهم خصومهم. القيمة الكبرى للكتاب تكمن في تحذيره من أن السياسة لا تحتمل الفراغ، وأن من لا يملك مشروعاً للدفاع عن وجوده، سيتحول حتماً إلى وقود لمشاريع الآخرين.
انطلاقاً من رؤية آبل بونار القاتمة للمعتدلين واعتبارهم سبباً في هلاك المجتمعات بسبب سلبيتهم: هل تعتقد أن الاعتدال والوسطية في عالمنا المعاصر المجنون بالاستقطاب هما فعلاً علامة ضعف وافتقار للرؤية كما يزعم بونار، أم أنهما يتطلبان شجاعة وقوة نفسية أكبر من تلك التي يتطلبها التطرف والانجراف خلف الشعارات الحماسية؟ وهل يمكن لـ المعتدل أن يكون صاحب "مخلب" يحمي به اعتداله دون أن ينزلق للعنف؟

تعليقات
إرسال تعليق