الدكتور فاوستس: كريستوفر مارلو
واحدة من أعظم التراغيديات في تاريخ الأدب الإنساني وهي مسرحية الدكتور فاوستس للعبقري الإنجليزي كريستوفر مارلو. هذا العمل ليس مجرد مسرحية من عصر النهضة بل هو وثيقة حية ترصد بدقة متناهية أزمة الإنسان المعرفية والوجودية. إن مارلو يضعنا أمام المرآة لنرى انعكاس طموحنا غير المحدود ورغبتنا المحمومة في تجاوز بشريتنا المحدودة. فاوستس يمثل الإنسان المتمرد الذي سئم من قيود المعرفة التقليدية المتمثلة في الفلسفة والطب والقانون واللاهوت ويسعى لامتلاك قوة الآلهة من خلال السحر الأسود. إنها دراسة عميقة في سيكولوجية الطموح المدمر وكيف يمكن للعقل البشري عندما يتجرد من الحكمة أن يصبح أداة لهلاكه الخاص.
الفصل الأول: الرفض
الدكتور فاوستس جالسا في غرفته محاطا بالكتب يقلب في فروع المعرفة الإنسانية التي أفنى عمره في دراستها. يبدأ فاوستس بمحاكمة نقدية لكل علم من العلوم فيرفض الفلسفة الأرسطية لأن غايتها مجرد الجدل ويرفض الطب لأن الطبيب مهما برع لا يمكنه أن يمنح الخلود أو يحيي الموتى ويرفض القانون لأنه يتعامل مع قضايا تافهة تتعلق بالملكية والنزاعات المادية وأخيرا يرفض اللاهوت لأنه ينتهي إلى حتمية الخطيئة والموت.
هذا الرفض ليس مجرد ملل أكاديمي بل هو إعلان عن أزمة وجودية عميقة حيث يدرك فاوستس محدودية شرطه البشري ويشعر بالاختناق داخل هذه الحدود. إن رغبته في الاتجاه نحو السحر ليست رغبة في الشعوذة بل هي توق ميتافيزيقي لكسر حاجز المحدودية والوصول إلى المعرفة المطلقة التي تمنح صاحبها قوة الآلهة.
يستدعي فاوستس زميليه فالديس وكورنيليوس اللذين يشجعانه على الغوص في علوم السحر المظلمة وفي هذه اللحظة يتجلى الكبرياء البشري في أبشع صوره وأكثرها سحرا في آن واحد. يقوم فاوستس بأول طقوس الاستدعاء ليظهر له الشيطان مفستوفيليس وهنا نتعلم درسا قاسيا عندما يخبره مفستوفيليس أنه لم يأت بسبب تعاويذ فاوستس بل لأن الشياطين تهرع دائما عندما ترى روحا بشرية تتخلى عن إيمانها وتعلن تمردها.
إن هذا الفصل يطرح إشكالية حرية الإرادة وكيف أن أولى خطوات السقوط تبدأ من داخل النفس البشرية قبل أن تتدخل أي قوى خارجية.
من الفصل الأول:
"أيها الفلسفة أيتها البغيضة والمظلمة أيها الطب أين غايتك القصوى هل هي فقط حفظ الصحة أو إطالة العمر إلى أمد بعيد هذا لا يكفي إن لم تستطع أن تجعل من الميت حيا أو من الهرم شابا فالطب إذن لا شيء والقانون ليس إلا علما يختص بالنزاعات التافهة والملكية الحقيرة وهو لا يليق بعقل حر ومفكر واللاهوت يخبرنا أن أجرة الخطيئة هي الموت وأننا جميعا خطاة إذن نحن محكوم علينا بالموت الموت الأبدي يا له من منطق قاسي وداعا أيتها العلوم ومرحبا بك أيها السحر الأسود إن الكتب التي تحتوي على خطوط الدوائر والرموز والطلاسم هي التي تحتوي على عالم من الجوائب والمكاسب والقوة المطلقة الساحر الماهر هو إله قوي عظيم."
هذا الاقتباس يمثل الإعلان الرسمي للتمرد الوجودي لفاوستس. يجسد هذا المقطع أزمة العقل الإنساني عندما يصل إلى حدود المنهج العلمي والمنطقي. فاوستس يبحث عن ما وراء الطبيعة يبحث عن الألوهية الكامنة في الذات الإنسانية. رفضه للعلوم ليس عن جهل بل عن إدراك عميق لعجزها عن كسر حتمية الموت والفناء. إنه يمثل النزعة الفردية المتطرفة التي ترفض قبول الشرط الإنساني المحدود وترى في السحر بديلا يوتوبيا يمكنه من خلاله تحقيق سيادة مطلقة على الطبيعة والزمن.
الفصل الثاني: الكبرياء
يمثل الفصل الثاني ذروة العقدة الفلسفية والقانونية في العمل حيث يتم توقيع الميثاق الشيطاني بين فاوستس ومفستوفيليس نيابة عن لوسيفر. يطلب مفستوفيليس أن يكتب فاوستس العهد بدمه الخاص كرمز للتنازل الكلي عن روحه وكيانه الجسدي والروحي. وأثناء محاولة فاوستس كتابة العهد يتجمد دمه في عروقه وكأن الطبيعة ذاتها أو جسده المادي يتمرد على هذا القرار الكارثي محاولا منعه من إلقاء نفسه في الهاوية. لكن فاوستس يعاند الفطرة ويستعين بالنار لإذابة دمه وتكملة العهد.
بعد التوقيع تظهر على ذراعه عبارة لاتينية مرعبة تقول اهرب أيها الإنسان ورغم هذا التحذير الإلهي الصارخ يعمي الكبرياء بصيرة فاوستس.
في هذا الفصل يدور حوار من أعظم الحوارات في تاريخ الأدب حول ماهية الجحيم. يسأل فاوستس مفستوفيليس كيف يمكنه أن يكون خارج الجحيم الآن ليجيبه الشيطان إجابة تقشعر لها الأبدان وتؤسس لمفهوم نفسي ووجودي للجحيم بدلا من المفهوم المكاني التقليدي. يخبره أن الجحيم ليس مكانا تحت الأرض بل هو حالة وجودية هي الحرمان الأبدي من النور الإلهي ومن رؤية وجه الله وأن كل مكان يتواجد فيه الملعونون هو جحيم بالنسبة لهم.
إن فاوستس يرفض تصديق ذلك ويعتبر الجحيم مجرد خرافة أو أسطورة مما يعكس حالة الإنكار النفسي العميق التي يعيشها الإنسان عندما يرتكب خطأ لا رجعة فيه محاولا إقناع نفسه بعكس الحقيقة الواضحة أمامه لتسكين قلقه الوجودي.
من الفصل الثاني:
"فاوستس: أين هو الجحيم ومكانه، مفستوفيليس: أسفل السماوات في نفس المكان الذي نحن فيه الآن الجحيم ليس له حدود ولا يحده مكان واحد بل حيثما نكون يكون الجحيم وحيثما يكون الجحيم يجب أن نكون دائما باختصار عندما يطوى العالم وتتطهر كل الأشياء فإن كل ما ليس سماء سيكون جحيما. لماذا تعتقد أنني الذي رأيت وجه الله وذقت أفراح السماء الصافية لست الآن أعذب بعشرة آلاف جحيم من خلال حرماني من تلك السعادة الأبدية يا فاوستس اترك هذه الأسئلة التافهة التي لا تفعل شيئا سوى إثارة الرعب في روحي المرتعدة."
هذا الحوار هو درة التاج في التفكير اللاهوتي والفلسفي في المسرحية. إنه ينقل مفهوم الجحيم من الحيز المكاني الفيزيائي المليء بالنار والكبريت إلى الحيز السيكولوجي والوجودي المحض. الجحيم هنا هو الاغتراب المطلق هو الوعي بالخسارة الأبدية والانفصال عن مصدر الوجود والنور. هذا المفهوم يتوافق بشكل مدهش مع الفلسفات الوجودية الحديثة التي ترى أن العذاب الأكبر للإنسان ينبع من وعيه بحريته وعواقب اختياراته وحرمانه من المعنى الأصيل. إن معاناة مفستوفيليس هي معاناة الفكر والذاكرة وهي معاناة تفوق أي ألم جسدي.
الفصل الثالث: الانحدار
في الفصل الثالث ننتقل من التنظير والطموح المطلق إلى التطبيق العملي وهنا تكمن المفارقة المأساوية التي يبرزها مارلو ببراعة منقطعة النظير. لقد باع فاوستس روحه الأبدية مقابل قوة لا نهائية ومعرفة مطلقة فماذا فعل بهذه القوة. يأخذنا مارلو في رحلة مع فاوستس ومفستوفيليس إلى روما وتحديدا إلى بلاط البابا. بدلا من أن نرى فاوستس يكتشف أسرار الكون أو يحل الألغاز الفلسفية الكبرى أو حتى يؤسس إمبراطورية عظيمة نجده يستخدم سحره المكتسب للتخفي والقيام بألاعيب صبيانية وتافهة مثل سرقة الطعام من مائدة البابا وضرب الحاضرين وإثارة الفوضى في القصر البابوي.
هذا الفصل الذي قد يبدو للبعض مجرد استراحة كوميدية يحمل في طياته أعمق درجات السخرية الفلسفية واليأس الوجودي. إنه يوضح لنا كيف أن القوة المطلقة عندما لا تقترن بالفضيلة والحكمة تنحدر بصاحبها إلى الحضيض. لقد تضاءل طموح فاوستس الكوني ليصبح مجرد مهرج يمتلك قدرات خارقة.
إن هذا الانحدار التدريجي في أهداف فاوستس ورغباته يعكس حالة التعفن الروحي التي أصابته بمجرد توقيعه على العهد الشيطاني. لقد فقد القدرة على الرغبة في الأشياء العظيمة لأن العظمة الحقيقية تتطلب نقاء الروح وهو ما تخلى عنه طواعية فصار أسير اللذات اللحظية والتفاهات المادية التي لا تسمن ولا تغني من جوع روحي.
من الفصل الثالث:
"يا إلهي لقد خدعتني آمالي الطائشة ظننت أنني سأحكم العالم وأتحكم في الكواكب وأعرف أسرار السماء والأرض ولكن ها أنا ذا أستخدم قوتي العظيمة في ألاعيب تافهة في بلاط البابا أضرب الرهبان وأسرق طعامهم هل من أجل هذا بعت روحي الأبدية هل من أجل هذه التفاهات تنازلت عن نعيم السماء إن قلبي يتمزق بين الرغبة في التوبة والخوف من غضب لوسيفر كلما حاولت أن أرفع نظري إلى السماء يهمس شيطان في أذني أنت ملعون يا فاوستس ولا رجاء لك."
هذا المقطع يجسد التناقض الصارخ بين عظمة الطموح ووضاعة المآل. إنه تصوير دقيق لحالة اليأس الوجودي والعبثية. عندما يحصل الإنسان على ما كان يظنه غاية المنى ويكتشف خلوه من القيمة الحقيقية يصاب بخيبة أمل قاتلة. الصراع الداخلي هنا بين الندم والخوف يبرز إشكالية الحتمية النفسية فاوستس يشعر أنه محاصر ليس فقط بقوى خارجية بل بيأسه الداخلي الذي يقنعه بأنه تجاوز نقطة اللاعودة وأن الخلاص مستحيل وهو ما يعتبر في اللاهوت أعظم الخطايا خطيئة اليأس من رحمة الله.
الفصل الرابع: التدهور الأخلاقي
يستمر التدهور الأخلاقي والروحي للدكتور فاوستس في الفصل الرابع حيث ينتقل عبر البلاطات الملكية في أوروبا ليعرض مهاراته السحرية كأي حاو متجول. يزور بلاط الإمبراطور تشارلز الخامس حيث يطلب منه الإمبراطور استحضار أرواح الإسكندر الأكبر وعشيقته. يقوم فاوستس بتلبية الطلب ولكنه يؤكد أن ما يظهر ليس الأجساد الحقيقية بل أرواح شيطانية تتخذ شكل الشخصيات التاريخية. في هذا دلالة واضحة على أن كل ما اكتسبه فاوستس هو مجرد أوهام وخدع بصرية ولا يمتلك أي سلطة حقيقية على الحياة أو الموت أو التاريخ الحقيقي.
تتوالى مشاهد هذا الفصل لتظهر مدى ضآلة أفعال فاوستس حيث يقوم بخداع تاجر خيول بسيط ببيعه حصانا يتحول إلى حزمة من القش عند دخوله الماء ثم يقوم بإحضار عنب طازج في غير موسمه لدوقة فان هولت. في كل هذه المشاهد نرى كيف يتسرب الزمن من بين يدي فاوستس.
الأربع وعشرون عاما التي اعتقد أنها ستكون كافية لحكم العالم تتسرب في ألاعيب وحيل لا قيمة لها. يمثل هذا الفصل تفاهة الشر وانعدام المعنى في حياة خالية من الهدف المتجاوز للمادة. إن فاوستس يعيش حالة من التخدير الذاتي فهو يملأ وقته المستعار بأفعال لا قيمة لها هربا من التفكير في اللحظة الحتمية التي يقترب منها بلا هوادة لحظة تسديد الثمن الباهظ لصفقته الخاسرة.
من الفصل الرابع:
"إن الزمن يمر بسرعة مرعبة والسنين تتساقط كأوراق الخريف لقد طفت العالم وعرضت سحري على الأباطرة والملوك وجعلت العظماء ينحنون أمامي رأيت إسكندر الأكبر وسمعت هتافات الجماهير المخدوعة ولكن في داخلي فراغ مظلم يتسع يوما بعد يوم إن إعجاب هؤلاء البشر الضعفاء لا يعوضني عن الخسارة العظيمة التي أتكبدها إنني كمن يشرب من ماء البحر كلما شربت ازددت عطشا القوة التي أملكها هي قوة خادعة لا تمنحني السلام ولا توقف عجلة الزمن التي تطحن عمري وتدنيني من الهاوية المظلمة."
هنا تتجلى فكرة الفراغ الروحي المتأصل في السعي المادي البحت. الاقتباس يعكس وعيا متأخرا ومؤلما بطبيعة الوهم الذي يعيشه فاوستس. هذا هو إدراك العبث المطلق حيث تصبح السلطة والشهرة مجرد مسكنات مؤقتة لا تستطيع أن تملأ الفجوة الوجودية داخل النفس. استعارة شرب ماء البحر تعبر بدقة عن طبيعة الرغبات الإنسانية المنفلتة التي لا تشبع وتؤدي في النهاية إلى الهلاك الذاتي. الزمن هنا يظهر كعدو لا يقهر يكشف زيف الخلود الوهمي الذي وعد به السحر.
الفصل الخامس: النهاية
نصل إلى الفصل الخامس والأخير وهو من أعظم الفصول التراغيدية. اقتربت النهاية وبدأت الأربع وعشرون عاما في التلاشي وبدأ الرعب الوجودي يتسرب إلى قلب فاوستس. في محاولة أخيرة للهرب من واقعه المرير يطلب من مفستوفيليس استحضار روح هيلين الطروادية التي يرى فيها رمزا للجمال المطلق المنسي.
يلقي فاوستس خطبته الشهيرة متغزلا في هيلين محاولا أن يجد في هذا الوهم الجمالي ملاذا ينسيه هلاكه القادم. يظهر له شيخ عجوز يمثل صوت الضمير والحكمة والفرصة الأخيرة للتوبة مناشدا إياه أن يعود إلى الله ويطلب الرحمة مبينا له أن دماء المسيح كافية لغسل ذنوبه مهما عظمت. يتردد فاوستس للحظة وتتصارع في داخله قوى الخير والشر لكن اليأس يتمكن منه ويهدده مفستوفيليس بتمزيق جسده إذا تاب فيستسلم فاوستس لليأس الكلي.
المشهد الأخير يصور الساعة الأخيرة من حياة فاوستس قبل منتصف الليل. إنه مشهد مرعب يصور العزلة المطلقة للإنسان أمام الموت والدينونة. يصرخ فاوستس طالبا من الزمن أن يتوقف ومن الكواكب أن تكف عن الدوران حتى لا تأتي لحظة النهاية. يتمنى لو أنه ولد حيوانا بلا روح أبدية لكي يفنى بموته ولا يواجه العذاب الأبدي. في هذه اللحظات تنقشع كل أوهام القوة والمعرفة ليقف الإنسان عاريا ضعيفا أمام نتيجة اختياره الحر وينتهي الفصل بظهور الشياطين التي تقوده إلى الهاوية تاركا زملاءه العلماء في اليوم التالي ليجدوا بقايا جسده الممزق وليقفوا شاهدين على المأساة المروعة للعقل البشري المنفلت.
من الفصل الخامس:
"آه يا فاوستس لم يبق لك سوى ساعة واحدة وتعيش بعدها في عذاب أبدي قفي أيتها الكواكب الدوارة قفي في مساراتك حتى لا ينتهي الوقت ولا يأتي منتصف الليل أيتها الطبيعة كوني رحيمة وتوقفي أو اجعلي هذه الساعة سنة أو شهرا أو أسبوعا أو حتى يوما طبيعيا حتى يتسنى لفاوستس أن يتوب وينقذ روحه إن النجوم تتحرك والزمن يمر والساعة ستدق والشيطان سيأتي ليأخذ روحي أرى دماء المسيح تتدفق في السماء قطرة واحدة منها تكفي لإنقاذي نصف قطرة آه من الذي يشدني إلى أسفل إلى الهاوية إن غضب الله يمزقني إلى أين أهرب."
هذه هي الصرخة الأخيرة للوجود الإنساني المأزوم في مواجهة العدم والفناء المحتوم. إنه تجسيد درامي مرعب لفكرة الزمن الوجودي مقابل الزمن الفيزيائي فالزمن هنا ليس مجرد مقياس مادي بل هو وعاء الوجود الذي يتسرب من بين أصابع فاوستس. مناجاته للكواكب بالتوقف هي تعبير عن العجز البشري المطلق أمام حتمية القدر وقوانين الكون. رؤيته لدم المسيح وعدم قدرته على الوصول إليه تمثل ذروة التراجيديا حيث يرى طريق النجاة بعينيه ولكنه مقيد بثقل يأسه واختياراته الماضية التي كبلت إرادته الحرة تماما فصار سجينا لنتائج أفعاله.
إن قراءة مسرحية الدكتور فاوستس لكريستوفر مارلو ليست مجرد رحلة في تاريخ الأدب الإليزابيثي بل هي غوص عميق في تشريح النفس البشرية وتناقضاتها المرعبة.
أن هذه المسرحية تمثل جسرا انتقاليا بالغ الأهمية بين الفكر القروسطي الذي كان يضع الإله في مركز الكون ويقزم من شأن الفرد وبين فكر عصر النهضة الذي أعاد الإنسان إلى المركز وجعله مقياسا لكل شيء. فاوستس هو بطل عصر النهضة بامتياز فهو العالم الموسوعي والمفكر المتمرد الذي يرفض أن يكون مجرد ترس في آلة كونية لا يفهمها. لكن مارلو بعبقريته الفذة لم يقدم لنا احتفاء ساذجا بهذا الطموح الإنساني بل قدم لنا تحذيرا مأساويا عن مخاطر الانعتاق التام من القيود الأخلاقية والروحية.
إن المأساة الحقيقية لفاوستس ليست في أنه سعى للمعرفة بل في أنه فصل المعرفة عن الحكمة وفصل القوة عن المسؤولية. لقد ظن أن العقل وحده قادر على منحه السعادة والسيطرة المطلقة متناسيا أن الإنسان كائن مركب يحتاج إلى غذاء روحي بقدر حاجته إلى المعرفة العقلية.
إن الصفقة التي عقدها فاوستس مع الشيطان لم تكن مجرد مقايضة تجارية بل كانت عملية بتر لروحه وتخل طوعي عن حريته الحقيقية. إن المفارقة العظمى في المسرحية هي أن فاوستس باع روحه من أجل الحصول على الحرية المطلقة والقوة التي لا تحد ولكنه بمجرد توقيعه على العهد أصبح عبدا ذليلا للشياطين ولرغباته الدنيئة. لم يعد قادرا على اتخاذ قرار حر واحد وكلما حاول التوبة أو العودة كان الخوف يمنعه مما يطرح سؤالا في غاية الأهمية هل فقد فاوستس حريته بسبب التدخل الشيطاني أم أن اليأس الذي تمكن منه هو الذي شل إرادته.
إن مارلو يصور لنا ببراعة كيف أن الخطيئة تحمل عقابها في داخلها فالعقاب الحقيقي لفاوستس بدأ في اللحظة التي وقع فيها العهد حيث عاش أربعا وعشرين عاما من القلق المستمر والتدهور الأخلاقي وفقدان المعنى. إن استخدامه للقوة العظيمة في أعمال تافهة هو تجسيد لمفهوم العبثية والعدمية حيث تصبح كل الإنجازات بلا قيمة عندما تفقد غايتها النبيلة.
من الجدير بالذكر في هذه المراجعة أن أقف عند براعة اللغة الشعرية التي استخدمها مارلو فقد استخدم الشعر المرسل بطريقة تخدم التوتر الدرامي وتبرز التقلبات النفسية للشخصية. إن الخطب الطويلة التي يلقيها فاوستس سواء في بداية المسرحية وهو منتش بآماله أو في نهايتها وهو يرتعد من مصيره المحتوم تعتبر من روائع الأدب العالمي.
إن الدكتور فاوستس تظل عملا راهنا ومستمرا في مخاطبة إنسان العصر الحديث الذي حقق تقدما علميا وتكنولوجيا هائلا وبات يمتلك أسلحة وقدرات تكاد تضاهي قوة الآلهة ولكنه لا يزال يقف حائرا أمام أسئلة المعنى والوجود والأخلاق. هل نحن نعقد صفقات فاوستية في عصرنا الحالي مع التكنولوجيا ومع استنزاف الطبيعة ومع التلاعب بالجينات البشرية سعيا وراء خلود وهمي أو قوة مطلقة متجاهلين الثمن الباهظ الذي قد تدفعه أرواحنا وإنسانيتنا. هذه المسرحية تدعونا للتأمل في حدود طموحنا وتذكرنا بأن المعرفة بلا ضمير هي أقصر الطرق إلى الجحيم.
أن مسرحية الدكتور فاوستس تمثل تشريحا استثنائيا لمرض الكبرياء الإنساني وما يطلق عليه في اليونانية القديمة الهيبريس. إن فاوستس ليس مجرد شرير تقليدي بل هو بطل تراجيدي يمتلك إمكانيات عظيمة وعقلا جبارا ولكن عيبه القاتل يكمن في رفضه لمحدوديته. في هذه المسرحية نقدا مبكرا وعميقا للنزعة العقلانية المتطرفة التي تعتقد أن العلم والمعرفة قادران على حل جميع مشكلات الوجود. مارلو لا يعادي العلم بل يعادي تحويل العلم إلى صنم يعبد من دون الله وتجريد المعرفة من جذورها الأخلاقية والإنسانية. أن المسرحية تعالج بعبقرية إشكالية الحتمية والحرية فرغم أن فاوستس اختار بملء إرادته عقد الصفقة إلا أن هذه الإرادة الحرة تآكلت تدريجيا حتى أصبح في النهاية غير قادر على الاختيار وكأن مارلو يقول لنا إن الحرية الحقيقية ليست في التمرد المطلق بل في الاختيار المسؤول وإن التمرد الأعمى ينتهي دائما بعبودية أشد قسوة من القيود التي حاولنا الهرب منها. فاوستس هو تحذير دائم لكل عصر يسعى فيه الإنسان لتأليه نفسه ناسيا أن نهايته الحتمية هي العودة إلى التراب وأن كل قوة لا تخدم الخير هي قوة مدمرة لصاحبها قبل غيره.
في الختام تبقى قصة الدكتور فاوستس كما صاغها كريستوفر مارلو أسطورة خالدة تتجاوز حدود الزمان والمكان لتعكس دراما النفس البشرية في صراعها الأبدي بين المحدود واللامحدود وبين المادة والروح. إنها صرخة تحذير مدوية من أعماق عصر النهضة تتردد أصداؤها بقوة في عصرنا الحالي تذكرنا بأن كل انتصار مادي لا يرافقه ارتقاء أخلاقي وروحي هو في جوهره هزيمة ساحقة لإنسانيتنا. إن مصير فاوستس يدعونا إلى وقفة صدق مع الذات لنراجع مقاييسنا للنجاح والقوة ولندرك أن أثمن ما يملكه الإنسان ليس المعرفة التي تسيطر على العالم بل الحكمة التي تحرر الروح من أوهامها الكبرى وتمنحها السلام وسط عواصف الوجود القاسية.
هل كان فاوستس ضحية لقدر محتوم سلفا ولهيكل لاهوتي صارم لم يترك له مجالا للتراجع أم أنه كان المهندس الوحيد لشقائه بملء إرادته الحرة وعناده المستمر وهل يمكن اعتبار المعرفة المطلقة والسيطرة التامة غاية تستحق التضحية بالسلام الداخلي واليقين الروحي للإنسان.

تعليقات
إرسال تعليق