متجر الانتحار \ جان تولي
هل فشلت في حياتك؟ إذاً انجح في موتك!
تخيل عالماً سوداوياً، مدينة رمادية تعاني من كوارث مناخية، حيث الاكتئاب هو القاعدة، والابتسامة تعتبر شذوذاً، والتفاؤل مرض عقلي يستوجب العلاج. في هذا العالم، يبرز "متجر الانتحار" كالمكان الوحيد الذي يقدم "خدمة حقيقية" للناس: أدوات لإنهاء حياتهم بفعالية واحترافية.
رواية جان تولي ليست مجرد قصة، بل هي "خرافة للكبار". بأسلوب ساخر ولاذع، يقلب الكاتب المعايير الأخلاقية رأساً على عقب؛ فبدلاً من محاربة الموت، يتم الاحتفاء به وتسليعه. إنها رواية تطرح سؤالاً وجودياً بامتياز: ما جدوى الحياة إذا كان العالم بأسره يبدو كجنازة مفتوحة؟ وهل يمكن لابتسامة طفل واحد أن تهدم إمبراطورية من اليأس؟
الشخصيات: عائلة الموت الشهيرة
أطلق الكاتب على شخصيات العائلة أسماء مشاهير انتحروا تاريخياً، مما يضيف طبقة من السخرية الثقافية:
ميشيما (الأب): (نسبة للكاتب الياباني يوكيو ميشيما). يدير المتجر بصرامة، يبتكر طرقاً جديدة للموت، ويفتخر بجودة سمومه وسيوفه.
لوكريس (الأم): (نسبة للوكريسيا الرومانية). متجهمة، عملية، تحرص على أن تكون "نهاية" الزبون مضمونة. شعارها: "موتك مضمون أو تسترد نقودك".
فينسنت (الابن الأكبر): (نسبة لفان جوخ). فنان مكتئب يعاني من الصداع النصفي، ويحاول التعبير عن ألمه من خلال الفن المظلم.
مارلين (الابنة): (نسبة لمارلين مونرو). فتاة شابة ترى نفسها قبيحة وبلا قيمة، وتتمنى الموت لكنها خائفة.
آلان (الابن الأصغر): "الكارثة" التي حلت بالعائلة. (نسبة لآلان تورينج). ولد مبتسماً، متفائلاً، يحب الحياة، ويواسي الزبائن بدل بيعهم السموم. إنه الفيروس الإيجابي الذي سيهدد وجود المتجر.
صراع الظلام والنور:
تدور أحداث الرواية بالكامل داخل وحول المتجر. العائلة (عائلة توفاش) فخورة بتاريخها العريق في مساعدة الناس على التخلص من حياتهم. كل شيء يسير بدقة كئيبة: الزبائن يدخلون يائسين، ويخرجون (أو يُحملون) وهم راضون عن أدواتهم القاتلة.
تبدأ العقدة بنمو الطفل آلان. إنه طفل غير طبيعي في هذا العالم؛ فهو يبتسم للزبائن ويقول لهم "إلى اللقاء" (بمعنى أراك لاحقاً) بدلاً من "وداعاً" (بمعنى الوداع الأبدي). يقوم آلان بتخريب المنتجات سراً (يثقب القوارب المطاطية المخصصة للغرق، ويبدل السموم بمقويات). تدريجياً، وبدون وعظ مباشر، تبدأ عدوى "حب الحياة" تنتقل من آلان إلى أخته مارلين التي تكتشف جمالها، وإلى فينسنت الذي يبدأ برسم لوحات مبهجة، وأخيراً إلى الأم والأب، ليتحول "متجر الانتحار" إلى مكان يحتفي بالحياة، في انقلاب درامي ساخر ومذهل.
الرواية تعتمد على الحوارات القصيرة والسريعة، لكن الوصف والسرد يحملان فلسفة عميقة
الشعار التجاري للموت
يصف الكاتب فلسفة المتجر التجارية ببرود مرعب يثير الضحك:
"هل فشلت في حياتك؟ معنا ستنجح في موتك! هذا هو الشعار المكتوب بحروف نيون زرقاء فوق واجهة المتجر. في الداخل، تجد كل ما تشتهيه النفس التواقة للرحيل: حبال قنب كلاسيكية للشنق (مضمونة عدم الانقطاع)، سموم بطيئة وسريعة بمذاقات مختلفة، أثقال لربط القدمين عند القفز في النهر، وحتى سيوف للقيام بالـ 'سيبوكو' الياباني التقليدي. السيدة لوكريس تقول لزبون متردد: 'سيدي، إذا كنت ستطلق النار على نفسك، فأرجوك لا تفعل ذلك هنا، الدماء تترك بقعاً يصعب تنظيفها. خذ هذا السم، إنه بنكهة النعناع، ستشعر ببرودة لطيفة ثم... الفراغ. إنه أنيق ونظيف'."
هنا تكمن عبقرية التسليع (Commodification). الكاتب يسخر من الرأسمالية التي يمكنها بيع أي شيء، حتى الموت. تحويل المأساة الإنسانية (الانتحار) إلى صفقة تجارية فيها "ضمان" و"خدمة عملاء" هو قمة الكوميديا السوداء.
جريمة التفاؤل
حوار بين الأب (ميشيما) والابن الصغير (آلان) الذي ارتكب "خطيئة" الغناء والابتسام:
ميشيما (يصرخ): "ما هذا الذي تفعله يا آلان؟ لقد سمعتك تغني! ألا تشعر بالخجل؟ لدينا زبائن هنا يحاولون التركيز على يأسهم! كيف تتجرأ على الابتسام في وجه سيدة جاءت لتشتري 'مجموعة السموم العائلية'؟ لقد جعلتها تتردد! كم مرة قلت لك؟ نحن لا نقول 'يوم سعيد'.. نحن نقول 'حظاً سيئاً'! نحن لا نبتسم، الابتسامة تجاعيد إضافية لا داعي لها. انظر إلى أختك مارلين، انظر كم هي حزينة وكئيبة، إنها فخر العائلة. لماذا لا تكون مثلها؟ توقف عن نشر هذه الطاقة المقززة من السعادة!"
هذا المقطع يقلب المفاهيم. الأب يمارس دور التربية، ولكنه يربي ابنه على القيم "المعكوسة". السعادة هنا هي التمرد، والاكتئاب هو الامتثال الاجتماعي. هذا المشهد يوضح كيف يمكن للمجتمع (أو العائلة) أن يجبر الفرد على أن يكون بائساً ليتوافق مع التوقعات العامة.
التحول (لحظة التخريب الجميل)
عندما يقوم آلان وأصدقاؤه بتغيير محتويات المتجر سراً:
"في تلك الليلة، تسلل آلان إلى المخزن. قام بفتح علب السموم القاتلة واستبدلها بشراب الفراولة المركز والشوكولاتة السائلة. قام ببرد السيوف الحادة حتى صارت غير قادرة على قطع الزبدة. وقام بعمل ثقوب صغيرة في أكياس البلاستيك المخصصة للخنق. في الصباح التالي، عاد الزبائن يشتكون: 'سيد توفاش! شربت السم ونمت نوماً عميقاً واستيقظت وأنا أشعر بنشاط غريب!'.. وآخر يقول: 'حاولت الشنق فانقطع الحبل وسقطت على الأرض فضحكت لأول مرة منذ عشر سنوات!'. كان المتجر ينهار، ولكن الحياة كانت تتسرب إليه من كل شق."
هنا تظهر فكرة "الفشل المنقذ". عندما تفشل أدوات الموت، تفرض الحياة نفسها. الضحك الناتج عن محاولة انتحار فاشلة (سقوط مضحك مثلاً) يصبح هو العلاج الذي كان يبحث عنه المكتئب، وليس الموت نفسه.
العبثية والتمرد: تذكرنا الرواية بأسطورة "سيزيف" وكتابات ألبير كامو، ولكن بقالب فكاهي. في عالم خالٍ من المعنى، يعتبر "الاستمرار في الحياة" والضحك هو التمرد الحقيقي الوحيد. آلان لم يواجه الموت بالوعظ الديني أو الفلسفي، بل واجهه بـ الخفة واللعب.
نقد الكآبة الحديثة: الرواية نقد لاذع للمجتمعات الحديثة التي تستسلم لليأس الجماعي، والأخبار السيئة، والتوقعات السلبية. "متجر الانتحار" هو رمز لعالمنا الذي يسهل فيه اليأس ويصعب فيه الأمل.
قوة العدوى (الإيجابية): تثبت القصة أن السعادة معدية تماماً كالكآبة. تغيير منظور شخص واحد (آلان) كان كافياً لزعزعة نظام كامل قائم على الموت. إنها دعوة للإيمان بتأثير الفراشة الإيجابي.
رواية "متجر الانتحار" خادعة جداً. غلافها وعنوانها يوحيان بالكآبة، لكنها في جوهرها "قصيدة حب للحياة".
الأسلوب: يتميز جان تولي بأسلوب بصري جداً (لذلك تحولت الرواية لفيلم رسوم متحركة ناجح). لغته سهلة، مقتضبة، ولا تغرق في الوصف الممل.
النهاية (تنبيه): نهاية الرواية تختلف قليلاً عن الفيلم، وفيها "لفتة" عبقرية وسوداء جداً تحافظ على هوية الكتاب ككوميديا سوداء حتى السطر الأخير. الكاتب لا يريد نهاية "ديزني" سعيدة بالكامل، بل يذكرنا أن الموت والحياة يرقصان معاً دائماً.
لمن هذا الكتاب؟ لكل شخص يشعر بثقل الحياة ويريد أن يضحك عليه. لمحبي أفلام "تيم بيرتون" (Tim Burton) وعائلة "آدامز" (Addams Family).
"متجر الانتحار" كتاب صغير الحجم (نوفيلا)، لكنه كبير الأثر. يعلمنا أن العيش يتطلب شجاعة أكبر من الموت، وأن أفضل سلاح ضد عبثية الوجود هو الابتسامة الساخرة. إنه كتاب يطرد الاكتئاب بالحديث عن الانتحار، وهذه هي المفارقة الرائعة التي نجح جان تولي في صياغتها.
برأيك، هل تعتقد أن "الضحك في وجه المأساة" هو إنكار للواقع، أم أنه أعلى درجات الحكمة والتقبل؟

تعليقات
إرسال تعليق