اللاطمأنينة \ فرناندو بيسوا

 




يعتبر كتاب اللاطمأنينة واحداً من أكثر الأعمال الأدبية سحراً وغموضاً وتأثيراً في القرن العشرين إنه ليس مجرد كتاب بل هو متاهة أدبية ووثيقة إنسانية فريدة من نوعها عثر عليها بعد وفاة الكاتب في صندوق خشبي ضخم كان يكدس فيه أوراقه يمثل هذا الكتاب سيرة ذاتية بلا أحداث أو كما أسماها بيسوا سيرة ذاتية بلا وقائع لكاتب لم يعش حياته حقاً بل عاش داخل رأسه الكتاب هو عبارة عن شذرات يوميات خواطر وتأملات فلسفية كتبها بيسوا على لسان شخصية متخيلة تدعى برناردو سوارس وهو مساعد محاسب في مدينة لشبونة هذا الكتاب لا يقرأ دفعة واحدة بل يرتشف ببطء كالسم البطيء أو الدواء المر فهو يعكس حالة الروح البشرية في عزلتها المطلقة وشعورها بالملل الوجودي والفراغ الذي يملأ العالم الحديث إنه كتاب الظلال والأحلام المجهضة والانتصار الساحق للخيال على الواقع البائس.


الفصل الأول: برناردو سوارس محاسب الوجود

في هذا الجزء نتعرف على الشخصية التي تروي الكتاب برناردو سوارس ليس فرناندو بيسوا تماماً ولكنه ليس غريباً عنه أيضاً يصفه بيسوا بأنه شبه شخصية أو نسخة مشوهة منه إنه رجل عادي جداً يعمل مساعداً لمحاسب في مكتب تجاري في شارع دورادوريش بوسط لشبونة حياته رتيبة خالية من الأحداث الكبرى يقضي يومه بين الفواتير والأرقام ومساءه في غرفة مستأجرة يكتب تأملاته عن الحياة يكمن سحر الكتاب في هذا التناقض الصارخ بين حياة سوارس الخارجية التافهة والمملة وبين حياته الداخلية المتفجرة بالأفكار والمشاعر والأحلام إنه يرى في رب العمل السيد فاشكيش رمزاً للحياة الواقعية القاسية والضرورية بينما يرى في نفسه مجرد حالم عاجز عن الفعل.


 من وحي المحاسبة والوجود:

أنا لست سوى المشاهد لحيـاة لم أعشها قط أنا ممثل في مسرحية لم تكتب بعد أنا هامش في كتاب لم يؤلف أنا لست الشخص الذي أريد أن أكون ولست الشخص الذي يجب أن أكون أنا مجرد فاصلة في نص الكون العظيم آه كم أحسد أولئك الذين يعيشون الحياة دون أن يفكروا فيها أولئك الذين يستيقظون كل صباح واثقين من أن الشمس ستشرق ومن أنهم موجودون أنا لا أملك هذا اليقين أنا أشك حتى في وجودي وفي كل مرة أنظر فيها في المرآة أرى غريباً يحدق بي.


هذا النص يظهر عمق الاغتراب الذي يعيشه سوارس إنه يشعر بالانفصال التام عن الواقع وعن ذاته استخدام مصطلحات مثل هامش وفاصلة يعكس تأثره بمهنته كمحاسب وككاتب في آن واحد هو يرى نفسه زائداً عن الحاجة وشيئاً ضئيلاً لا يذكر ولكنه في نفس الوقت يمتلك وعياً حاداً ومؤلماً بهذا اللاشيء الذي يمثله.


الفصل الثاني: فلسفة الملل والضجر الوجودي

اللاطمأنينة أو القلق أو الضجر هي الكلمة المفتاحية لهذا العمل لا يقصد بيسوا بالملل هنا ذلك الشعور العابر بانتظار شيء ما بل يقصد الملل الوجودي العميق حيث يفقد كل شيء معناه وقيمته يرى سوارس أن الحياة عبثية وأن الفعل البشري لا طائل منه ولذلك يختار الامتناع عن الفعل يختار أن يحلم بدلاً من أن يعيش لأنه في الحلم هو الملك والمسيطر بينما في الواقع هو مجرد عبد للظروف وللآخرين يطور سوارس فلسفة كاملة حول الكسل والتأمل حيث يصبح الجلوس في المكتب والنظر من النافذة إلى الشارع فعلاً فلسفياً أعمق من خوض الحروب أو بناء الإمبراطوريات.


 عن الأحلام والواقع

لقد خلقت عوالم بأكملها داخل رأسي عوالم أكثر حقيقية من هذا العالم الذي نعيش فيه في أحلامي كنت أباطرة وملوكاً وعشاقاً وقديسين عشت حيوات لا حصر لها ومت ميتات لا تحصى لماذا أخرج إلى الشارع وأواجه الغبار والضجيج والناس الأغبياء بينما يمكنني أن أجلس هنا على كرسيي وأسافر إلى أقاصي الأرض دون أن أتحرك إن السفر الحقيقي هو السفر بالروح أما السفر بالجسد فهو مجرد نقل لجثة من مكان إلى آخر ما نراه ليس ما نراه بل ما نحن عليه.


هنا يطرح بيسوا فكرة مثالية ذاتية متطرفة العالم الخارجي لا قيمة له إلا بقدر ما نضفي عليه من مشاعرنا وأفكارنا الواقع هو عائق أمام الخيال الحر يرفض سوارس المشاركة في الحياة لأنه يراها انتقاصاً من كمال الحلم في اللحظة التي تحقق فيها رغبة ما فإنك تقتلها وتفقدها سحرها لذلك يفضل أن تبقى رغباته حبيسة ذهنه حيث تظل كاملة ومثالية للأبد.


الفصل الثالث: جماليات العزلة والميتافيزيقا اليومية

رغم سوداوية الكتاب إلا أنه يحتفي بجماليات التفاصيل الصغيرة يمتلك سوارس قدرة مذهلة على تحويل الأشياء العادية إلى موضوعات للتأمل الفلسفي ضوء الشمس الساقط على علبة السجائر صوت المطر في لشبونة حركة الموظفين في المكتب لون السماء عند الغروب كل هذه التفاصيل تتحول تحت قلمه إلى لوحات فنية ومناسبات للغوص في عمق الوجود إنه يجد الكون كله في قطرة حبر ويرى مآسي البشرية في وجه عابر سبيل


 حول الطبيعة والشعور

يؤلمني أن الشمس تشرق للجميع وأن المطر يهطل على الجميع ليس لسبب إلا لأنني لست الجميع أحب أن أكون وحيداً في هذا العالم لكي أستطيع أن أحب الكون دون منازع إن روحي أوركسترا خفية لا أدري أي آلات تعزف وتطن في داخلي أوتار وهوائيات وطبول أنا لا أعرف نفسي إلا باعتباري سيمفونية.


يستخدم بيسوا هنا استعارة الأوركسترا ليعبر عن تعدد شخصياته وتناقض مشاعره هو يشعر بأنه متعدد منقسم على نفسه ولكنه في نفس الوقت يرغب في تملك العالم بأسره عبر حواسه العزلة بالنسبة له ليست عقاباً بل هي شرط ضروري للاستشعار الكامل بالوجود الوجود مع الآخرين يشتت الانتباه ويجبر الإنسان على ارتداء أقنعة اجتماعية بينما الوحدة تعيد للإنسان حقيقته المجردة


الفصل الرابع: ما وراء الأدب والكتابة كخلاص

لماذا يكتب برناردو سوارس إذا كان يرى أن كل شيء عبث الكتابة بالنسبة له ليست وسيلة للتواصل مع الآخرين ولا رغبة في الشهرة بل هي طريقة لإثبات الوجود ومحاولة لفهم الفوضى الداخلية الكتابة هي صلاته الوحيدة في عالم خال من الآلهة هي طريقته في ترتيب فوضى الروح وتحويل الألم إلى جمال يقول في أحد النصوص أنه يكتب لأنه لا يستطيع أن يحيا فالكتابة هي بديل للحياة وهي المخدر الذي يساعده على تحمل ثقل الوعي.


 عن جدوى الكتابة

أكتب لأنني لا أمتلك القدرة على الفعل ولأنني أحتقر الحياة الواقعية أكتب لكي أخلق لنفسي عالماً موازياً أستطيع أن أتنفس فيه إن كل كلمة أكتبها هي حجر أضعه في جدار يفصلني عن الآخرين وعن تفاهة العالم لا أريد أن يقرأني أحد ولا أريد أن يفهمني أحد أريد فقط أن أفرغ هذا الحمل الثقيل من الأحلام والأفكار التي تكاد تفجر رأسي الكتابة هي طريقتي في الصراخ بصمت.


كتاب اللاطمأنينة ليس كتاباً للقراءة العابرة إنه كتاب رفيق كتاب تفتحه في أي صفحة لتجد نفسك أمام مرآة تعكس أعمق مخاوفك وأحزانك عبقرية بيسوا تكمن في قدرته على صياغة المشاعر التي نعجز عن التعبير عنها نحن جميعاً نشعر أحياناً بأننا غرباء في هذا العالم وبأن حياتنا مجرد تمثيلية ولكن سوارس يمتلك الشجاعة والقدرة اللغوية لتعرية هذا الشعور تماماً اللغة في الكتاب شعرية مكثفة وفلسفية في آن واحد الترجمة العربية للكتاب بذل فيها جهد عظيم لنقل روح النص البرتغالي المعقد.


يعتبر هذا العمل إنجيلاً للحداثة والعدمية ولكنه عدمية جمالية لا تدعو لليأس بقدر ما تدعو للتأمل وقبول الهشاشة البشرية إنه يعلمنا أن نرى الجمال في الحزن وفي العزلة وفي الأشياء البسيطة المهملة الكتاب يترك القارئ مع شعور غريب مزيج من الحزن الشفاف والراحة النفسية وكأن شخصاً ما قد وضع يده على كتفك وقال لك أنا أعرف ما تشعر به أنت لست وحدك في هذا الضياع.


بعد الغوص في عالم برناردو سوارس وفلسفته التي تفضل الحلم على الواقع والعزلة على الاختلاط هل تعتقد أن "اللاطمأنينة" والوعي المفرط بتفاهة الحياة هما لعنة تصيب الأذكياء والحساسين فقط أم أنها حقيقة وجودية يهرب منها معظم الناس عبر الانغماس في مشاغل الحياة اليومية وهل يمكن اعتبار القدرة على "عدم الفعل" نوعاً من أنواع القوة والتمرد في عصر يقدس الإنتاج والسرعة؟

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

في ظلال الوعي ورحلة التصالح مع الذات \ ماثيو ماكسويل

جينالوجيا السلطة الحديثة \ ميشيل فوكو

عواطف الأشخاص الطبيعيين أو انفعالات الأسوياء

لماذا تصمت الحملان؟ كيف تدمر ديمقراطية النخبة والنيوليبرالية مجتمعنا وأسس حياتنا

الوعي كحدث كوني

في فلسفة الضحك والوجع

كتاب الإبداع والمرض النفسي: جيمس سي كوفمان

العصر العصبي: الإنسان المعاصر مستغلا لذاته وهو يظن أنه يحقق حريته

ليالي سانت بطرسبرغ \ جوزيف دي ميستر

الذات والمجتمع من فرويد إلى كريستيفا