العمى \ جوزيه ساراماغو
تعتبر رواية العمى للكاتب البرتغالي الحائز على جائزة نوبل جوزيه ساراماغو واحدة من أهم الأعمال الأدبية في القرن العشرين وهي ليست مجرد رواية خيالية بل هي أطروحة فلسفية مرعبة حول الطبيعة البشرية وهشاشة الحضارة التي نعيش فيها، فالرواية تطرح سؤالاً وجودياً مخيفاً ماذا لو استيقظ العالم يوماً وقد فقد بصره، لا تقدم الرواية أسماء لشخصياتها بل تعرفهم بصفاتهم مثل الطبيب وزوجة الطبيب والفتاة ذات النظارة السوداء والطفل الأحول والكهل ذو العصابة السوداء مما يمنح القصة طابعاً عالمياً وتجريدياً يجعل القارئ يشعر أن هذا يمكن أن يحدث لأي شخص في أي مكان. العمى في الرواية ليس عمى فيزيولوجياً عادياً يتسم بالظلام بل هو عمى أبيض حليبي ساطع يغرق المصاب فيه في بحر من البياض اللانهائي وهو ما فسره النقاد بأنه عمى العقل والبصيرة لا البصر، إنه فقدان للإنسانية وللقيم الأخلاقية حينما تغيب الرقابة والمحاسبة.
بداية الكارثة والوباء الأبيض
تبدأ الرواية بحدث مفاجئ وصادم في وسط زحمة السير حيث يتوقف رجل بسيارته أمام إشارة المرور وفجأة يصرخ "أنا لا أرى شيئاً" ليجد نفسه غارقاً في بياض تام. ينتقل هذا العمى بشكل وبائي وسريع جداً، ليس عبر الفيروسات أو البكتيريا بل يبدو كأنه انهيار روحي جماعي ينتقل بمجرد النظر أو القرب. الرجل الأول ينقل العدوى للرجل الذي أوصله لبيته (سارق السيارات) ثم لزوجته ثم للطبيب الذي فحصه في العيادة وللمرضى الذين كانوا في غرفة الانتظار. الحكومة وتجاه هذه الظاهرة الغريبة تقرر التصرف ببرود وقسوة بيروقراطية فتقوم بعزل المصابين الأوائل في مصح عقلي مهجور وتفرض عليهم حجراً صحياً صارماً تحت تهديد السلاح حيث يُسمح للجنود بإطلاق النار على أي شخص يحاول الهرب. هنا تبدأ المأساة الحقيقية حيث يتم تجريد هؤلاء البشر من إنسانيتهم تدريجياً.
شخصية زوجة الطبيب والعبء الأخلاقي
الشخصية المحورية في الرواية هي زوجة الطبيب وهي الشخص الوحيد في الرواية وربما في المدينة بأكملها التي لم تفقد بصرها ومع ذلك فقد ادعت العمى لكي لا تفارق زوجها وترافقه إلى الحجر الصحي. وجود مبصر واحد في عالم من العميان يمثل ثقلاً فلسفياً هائلاً، فهي الشاهد الوحيد على الانهيار وهي التي تحملت عبء "الرؤية" في وقت كان العمى فيه رحمة من رؤية القذارة والوحشية. من خلال عينيها يرى القارئ تحول البشر إلى كائنات بدائية تتصارع من أجل البقاء. تقول في أحد حواراتها الداخلية المؤثرة إن امتلاك عينين في عالم من العميان ليس نعمة بل هو مسؤولية ثقيلة وجحيم لا يطاق لأنك مضطر لرؤية ما لا يود أحد رؤيته.
الحياة داخل المحجر الصحي وصراع البقاء
يصف ساراماغو الحياة داخل العنبر بدقة مؤلمة ومقززة حيث تتعطل المراحيض وينقطع الماء وتتراكم القذارة والفضلات البشرية في كل مكان وتتحول العلاقات الإنسانية إلى صراع محض. ينقسم المحجر إلى عنابر وتظهر الطبيعة البشرية في أسوأ صورها عندما تسيطر مجموعة من العميان المسلحين بمسدس (عصابة الأشرار) على مخزون الطعام وتبدأ في ابتزاز باقي العنابر. في البداية يطلبون مقتنيات ثمينة وحين تنفد يطلبون النساء مقابل الطعام. هذا الجزء من الرواية هو الأكثر سوداوية حيث يتعرض النساء للإذلال والاغتصاب الجماعي من أجل الحصول على فتات الخبز لبقية المجموعة.
من فصل المحجر
يقول ساراماغو واصفاً الحالة النفسية واليأس داخل المحجر: "الخوف يعمينا والذعر يعمينا، نحن عميان، عميان يرون، بشر يستطيعون أن يروا لكنهم لا يرون".
هذا الاقتباس يلخص جوهر الرواية فالعمى الفيزيائي ليس إلا استعارة للعمى الأخلاقي. الناس في الرواية فقدوا القدرة على "رؤية" الآخر كإنسان وأصبحوا يرونه كمنافس أو عدو أو وسيلة. العمى الأبيض هو غياب البصيرة والرحمة. وفي مشهد آخر يقول ساراماغو على لسان الراوي: "إنك لا تدرك فداحة ما تفقده إلا حين تفقده، لكننا في الحقيقة لا نعرف ما نملك إلا حين نفقده".
تشير هذه الكلمات إلى النعم البديهية مثل الكرامة والنظافة والأمان التي تلاشت في لحظات.
نقطة التحول والثورة
تصل الأمور إلى ذروتها عندما تقرر زوجة الطبيب استخدام ميزتها الوحيدة (البصر) للانتقام من قائد العصابة الذي أذل النساء فتقوم بقتله بمقص صغير في رقبته وسط الظلام (البياض) الذي يعيشون فيه. هذا الفعل العنيف كان ضرورياً لاستعادة التوازن الأخلاقي. يندلع حريق في المحجر بسبب تمرد العميان ويفر الجميع ليجدوا أن الجنود الذين كانوا يحرسونهم قد اختفوا أو عموا هم أيضاً. يخرجون إلى المدينة ليكتشفوا أن الكارثة قد عمت الجميع وأن العالم بأسره قد أصبح أعمى.
العالم الخارجي ومدينة الخراب
عندما تخرج المجموعة الصغيرة المكونة من (الطبيب، زوجة الطبيب، الرجل الأول وزوجته، الفتاة ذات النظارة السوداء، الطفل الأحول، والكهل ذو العصابة) يجدون المدينة وقد تحولت إلى أطلال. الجثث في الشوارع والناس يهيمون على وجوههم بحثاً عن الطعام ويسكنون أي مكان يجدونه، والحيوانات بدأت تأكل الجثث. هنا يتحول السرد إلى رحلة بحث عن الطعام والمأوى وعن معنى للإنسانية وسط الخراب. تقودهم زوجة الطبيب كأنها "راعية" لقطيع ضائع، تصف لهم الطريق وتبعدهم عن الجثث وتحاول الحفاظ على كرامتهم بغسلهم عندما يهطل المطر في مشهد تطهيري بديع، حيث وقفوا جميعاً عراة تحت المطر يغتسلون من قذارة المحجر ومن قذارة العالم، في لحظة تجلت فيها إنسانيتهم المجردة من أي زيف حضاري.
من فصل المدينة
في أحد المشاهد المؤثرة تدخل المجموعة إلى كنيسة بحثاً عن ملاذ، فتنظر زوجة الطبيب حولها وتصاب بالرعب، يصف ساراماغو المشهد: "نظرت إلى التماثيل، تماثيل القديسين والملائكة، ورأت أن عيونهم جميعاً قد غطيت بعصابات بيضاء، وكأن الكهنة أو من كان هنا قبل أن يعمى قد قرر أن التماثيل لا ينبغي أن ترى ما حل بالعالم من بؤس، أو ربما لأن الآلهة نفسها قد عميت عن معاناة البشر".
هذا المشهد يحمل رمزية لاهوتية وفلسفية عميقة تشير إلى غياب العناية الإلهية أو صمت السماء تجاه مآسي الأرض، أو ربما هو تعبير عن يأس البشر الذين شعروا أن مقدساتهم لم تعد قادرة على رؤيتهم.
الرمزية في الشخصيات والحيوانات
يضيف ساراماغو شخصية "كلب الدموع" وهو كلب ضال تبع المجموعة بعد أن مسحت زوجة الطبيب دموعها في فروه. الكلب أصبح رمزاً للوفاء الفطري وللطبيعة التي تتعاطف مع الإنسان حين يقسو الإنسان على أخيه الإنسان. الكلب لم يكن له اسم سوى هذا اللقب وكأنه ورث حزن البشرية. كما أن العلاقة التي نشأت بين "الكهل ذو العصابة السوداء" و"الفتاة ذات النظارة السوداء" وسط هذا الخراب تشير إلى أن الحب والألفة يمكن أن يولدا حتى وسط الركام، وأن الحاجة للآخر هي الغريزة الأقوى للبقاء.
النهاية وعودة البصر
في نهاية الرواية وبينما هم مجتمعون في شقة الطبيب يتناولون ما تيسر من طعام ويستمعون لقراءة زوجة الطبيب، فجأة وبدون مقدمات كما جاء العمى، يصرخ الرجل الأول "أنا أرى". يبدأ البصر بالعودة تدريجياً للناس واحداً تلو الآخر في المدينة وتعم الفوضى من جديد ولكنها فوضى الفرح والصدمة.
تنتهي الرواية بمشهد تأملي عميق لزوجة الطبيب وهي تنظر إلى السماء البيضاء وتتساءل عما حدث.
يختتم ساراماغو رائعته بحوار مذهل بين الطبيب وزوجته يلخص الفكرة الجوهرية للعمل. تسأل الزوجة: "لماذا عمينا؟" فيجيب الطبيب: "لا أعرف، ربما سيتمكنون يوماً من معرفة السبب". فترد عليه الزوجة بعبارة هي الأعظم في تاريخ الرواية: "لا أعتقد أننا عمينا، أعتقد أننا عميان أصلاً، عميان يرون، بشر يستطيعون أن يروا لكنهم لا يرون".
هذه الجملة الختامية تضع القارئ أمام المرآة. الرسالة هي أن الحضارة قشرة رقيقة جداً وأننا نعيش في "عمى" دائم عن حقائق الحياة وعن معاناة الآخرين وعن جوهر إنسانيتنا، وأن ما حدث في الرواية هو مجرد كشف للحقيقة العارية للبشر عندما تتلاشى القوانين والأنظمة.
رواية العمى ليست سهلة القراءة، ليس بسبب لغتها، بل بسبب قسوة مشاهدها وواقعيتها المفرطة. أسلوب ساراماغو الفريد في الكتابة حيث لا يستخدم علامات ترقيم تقليدية ولا فواصل واضحة للحوارات يجعل النص يتدفق كنهر متصل أو كأفكار متداخلة مما يزيد من شعور القارئ بالاختناق والتوحد مع الشخصيات. ساراماغو لا يدين البشر بل يشفق عليهم ويفضح هشاشتهم. الكتاب تحذير شديد اللهجة من أن الوحشية قابعة تحت جلد كل إنسان متحضر وأن البصر الحقيقي هو البصيرة الأخلاقية.
بعد قراءتك لهذا التقرير وتخيلك لهذا العالم الأبيض المرعب، هل تعتقد أن المجتمع البشري الحالي بقوانينه وتطوره التكنولوجي محصن ضد مثل هذا الانهيار الأخلاقي إذا ما واجه كارثة كبرى، أم أننا كما قالت زوجة الطبيب "عميان يستطيعون أن يروا لكنهم لا يرون"؟

تعليقات
إرسال تعليق